عائلة المصري.. تاريخ مثير للجدل وعلاقات ترقى للخيانه

في ديسمبر 1985، واجه ظافر المصري اتهامات بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي والأردن لتنفيذ مخطط الحكم الذاتي، الذي وُوجه برفض فلسطيني قوي، وذلك بعد توليه منصب رئيس بلدية نابلس.

ظافر المصري  الذي ولد في نابلس عام 1941، وأكمل تعليمه الثانوي في كلية النجاح الوطنية، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1964، بعد عودته إلى نابلس، أدار أعمال العائلة، ثم بدء مسيرته في الحياة العامة وتولى مناصب عدة، منها نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة نابلس (1973-1986) ونائب رئيس بلدية نابلس (1976-1982)، ثم رئيسًا للبلدية.

  ثم لم يمضِ وقت طويل على توليه منصبه في 2 مارس 1986، اغتيل ظافر أمام مبنى بلدية نابلس، حيث أطلق عليه النار أثناء استقلاله سيارته بالقرب من المبنى، مما أدى إلى إصابته بعدة طلقات في القلب، وتوفي لاحقًا في مستشفى الرشادية، حيث اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، معتبرةً أن أي محاولة لمنح الاحتلال شرعية عبر واجهات فلسطينية خيانة لا تُغتفر، واليوم، تعود عائلة المصري إلى دائرة الجدل، مع تصاعد الحديث عن دور بشار المصري في مستقبل قطاع غزة، وسط اتهامات مماثلة بالعمل مع الاحتلال وأمريكا لتنفيذ مشاريع تخدم إسرائيل.

لم يكن هذا هو الفصل الأول من التاريخ المثير للجدل للعائلة. فمنذ عقود، لعبت بعض شخصيات العائلة أدوارًا متناقضة بين الأعمال والسياسة. فـمنيب المصري، أحد أبرز رجال الأعمال الفلسطينيين، ظهر في لقاءات مع ضباط إسرائيليين، أقرّ خلالها بحق إسرائيل في فلسطين، قبل أن يحاول لاحقًا أن يصدر واجهة إعلامية تدّعي النضال ضد الاستعمار، حتى أنه رفع دعوى قضائية على بريطانيا بسبب وعد بلفور، في استعراض بدا للكثيرين كمحاولة لتبييض ماضيه الخياني.

أما اليوم، تتجه الأنظار نحو بشار المصري، رجل الأعمال الثري الذي يحظى بعلاقات وتربطه مصالح مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي. فعلى الرغم من تقديمه نفسه كرجل أعمال فلسطيني “محايد”، إلا أن مشاريعه الكبرى، وعلى رأسها مدينة روابي في الضفة الغربية، بُنيت بموافقة إسرائيلية كاملة، وبالتعاون مع شركات إسرائيلية وضباط اسرائيليين ، بل ودعم سياسي من الاحتلال نفسه.

مدينة روابي.. بوابة بشار المصري نحو التطبيع؟

مشروع مدينة روابي، الذي روج له بشار المصري باعتباره “إنجازًا وطنيًا”، لم يكن ليُنفذ لولا التعاون العميق مع الاحتلال والشراكه مع ضباط إسرائيليين مثل الضابط ايال ولدمان شريكه في شركة ميلانوكس المتخصصة في مجال رقاقات الحاسوب، حيث تعامل المصري مع إسرائيل في جميع مراحل بناء المدينة، بدءًا من الحصول على التراخيص، مرورًا بشراء مواد البناء، وحتى ضمان إيصال البنية التحتية للمدينة عبر أراضٍ تحت السيطرة الإسرائيلية، والأخطر من ذلك، هو أن روابي باتت نموذجًا يُستخدم لتبرير “السلام الاقتصادي”، وهو المفهوم الذي تروج له إسرائيل والإدارة الأمريكية كبديل عن الحل السياسي القائم على إنهاء الاحتلال، وبحسب صحيفة معاريف العبرية، فإن المشروع كان جزءًا من رؤية إسرائيلية “لخلق واقع فلسطيني متعايش مع الاحتلال، بعيدًا عن الكفاح المسلح أو الحقوق السياسية الكاملة”.

موقف حركة المقاطعة (BDS) من بشار المصري

لم تكن مشاريع بشار المصري بعيدة عن أعين حركة المقاطعة (BDS)، التي كشفت عن تورط شركاته في التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث اعتبرت أن شركته التكنولوجية “عسل”، التي تقع ضمن مجمع “روابي تك هب”، تعد جزءًا من مخطط “السلام الاقتصادي” الذي يُستخدم كأداة لتصفية القضية الفلسطينية.

وفي بيان أصدرته الحركة، أكدت أن بشار المصري متورط في علاقات اقتصادية مباشرة مع شركات إسرائيلية تدعم جيش الاحتلال، ومن أبرزها شركة “ميلانوكس” الإسرائيلية-الأمريكية، التي يعدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي أكبر زبائنها. في عام 2016، قامت “ميلانوكس” بنقل فريق من المبرمجين الفلسطينيين إلى روابي، بعد لقاء بين رئيسها التنفيذي وبشار المصري بضيافة وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جون كيري، ما يكشف عن تنسيق أمريكي إسرائيلي فلسطيني لترسيخ هذا التعاون.

لم تقتصر انتقادات BDS على التعاون التقني، بل كشفت أن شركات مثل “عسل” و”روابي تك هب” تعمل كنقطة عبور لتوظيف مبرمجين فلسطينيين برواتب زهيدة في شركات إسرائيلية، حيث يتم بيع ساعات العمل الفلسطينية للسوق الإسرائيلي، دون أي قيمة مضافة للاقتصاد الفلسطيني.

وفي تصريح لافت، قال بشار المصري في مقابلة مع صحيفة “Times of Israel” إن “القرب من إسرائيل هو الميزة الأكبر لروابي تك هب”، في إشارة واضحة إلى أن نجاح هذه المشاريع يعتمد على الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي. وهو ما رأته حركة المقاطعة إقرارًا واضحًا بقبول الاحتلال كواقع اقتصادي يجب التكيف معه، بدلاً من مقاومته.

وبحسب BDS، فإن هذا التعاون يجعل بشار المصري أحد أعمدة التطبيع الاقتصادي، حيث تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض اندماج اقتصادي قسري على الفلسطينيين، تحت مسمى “السلام الاقتصادي”، بدلاً من إنهاء الاحتلال وإعطاء الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير.

وأمام هذا الواقع، دعت حركة المقاطعة إلى مقاطعة الشركات التكنولوجية الفلسطينية المتورطة في التطبيع، والضغط لسحب تراخيصها، وإنهاء التعامل مع الشركات الإسرائيلية التي تستغل العمالة الفلسطينية لصالح اقتصاد الاحتلال.

خطط إدارة غزة.. تحضير لدور وظيفي جديد؟

لم يتوقف المصري عند حدود “التطبيع الاقتصادي”، بل برز اسمه في التحركات التي تجري خلف الكواليس لإدارة غزة بعد حرب الإبادة، فقد كشفت صحيفة معاريف أن بشار المصري يُطرح كـ”خيار مفضل” لدى الولايات المتحدة وإسرائيل لقيادة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، حيث ترى فيه واشنطن رجل أعمال يمكنه تنفيذ مشروع “الإدارة المدنية” الذي تسعى لفرضه في القطاع.

الصحيفة ذاتها أشارت أن المصري شارك في مشاورات مع شخصيات أمريكية وإقليمية حول مستقبل غزة، ضمن خطة تهدف إلى إيجاد إدارة غير فصائلية، تحكم غزة بعيدًا عن المقاومة أو حتى السلطة الفلسطينية، وأكدت مصادر أن المصري، مستشارًا غير رسمي لإدارة ترامب في ملف غزة، وقد كان جزءًا من اللقاءات التي أجراها المبعوث الأمريكي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، مع شخصيات فلسطينية وإقليمية لبحث ترتيبات ما بعد الحرب.

رغم خطورة هذه التسريبات، إلا أن بشار المصري لم يُصدر أي تعليق رسمي حول الموضوع. فبينما تتصدر عائلة المصري العناوين مجددًا، ويجري الحديث عن دورها في إعادة تشكيل مستقبل غزة، يلتزم بشار المصري الصمت التام، دون أن ينفي أو يؤكد هذه التقارير.

الصمت هنا قد يكون محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أو لانتظار اللحظة المناسبة للإعلان عن دوره في “إدارة غزة الجديدة” بدعم أمريكي وإسرائيلي. لكنه أيضًا قد يكون مؤشرًا على مدى حساسية الموقف، وإدراك المصري أن تحركاته تحت المجهر، وأن أي إعلان صريح عن دوره قد يجعله في مواجهة مباشرة مع الشارع الفلسطيني، كما حدث مع ظافر المصري في الثمانينات.

ظافر المصري.. تجربة التعاون مع الاحتلال التي انتهت باغتيال

لطالما كانت عائلة المصري في صلب المشهد السياسي والاقتصادي الفلسطيني، وبينما كان بعض أفرادها جزءًا من النخبة السياسية والاقتصادية الفلسطينية، فإن علاقتها بالاحتلال كانت محل جدل دائم، حيث وُجّهت لها اتهامات بالتعاون مع إسرائيل وتنفيذ مخططات تهدد المشروع الوطني الفلسطيني.

في ديسمبر 1985، تولى ظافر المصري رئاسة بلدية نابلس بدعم من الأردن وإسرائيل، في إطار خطة الحكم الذاتي التي كان الاحتلال يسعى إلى فرضها حينها. بالنسبة للكثيرين، كان هذا دليلًا على قبول المصري بأن يكون جزءًا من إدارة فلسطينية تحت الوصاية الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، محاولة لشرعنة الاحتلال عبر واجهات فلسطينية.

لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى تم اغتياله أمام مبنى البلدية في نابلس في مارس 1986، في عملية نفذها أحد الفصائل المسلحة، والتي رأت في وجوده خطرًا على المشروع الوطني الفلسطيني. كان اغتيال ظافر رسالة حاسمة بأن أي شخص يُنظر إليه على أنه شريك في أي خطة مشبوهة مع الاحتلال، لن يكون بمأمن، وهو المصير الذي بات يلوح في الأفق لبشار المصري، الذي يعيد الكرة اليوم، ولكن بأدوات جديدة، وبغطاء أمريكي وإسرائيلي.

منيب المصري.. علاقات تطبيعية ومحاولات للعب على كل الحبال

لم يكن ظافر المصري الوحيد من العائلة الذي ارتبط اسمه بعلاقات مع الاحتلال. فـمنيب المصري، الذي يوصف بـ”دوق نابلس”، هو أحد أكثر الشخصيات الفلسطينية المثيرة للجدل. فبينما يقدم نفسه كقومي فلسطيني يسعى لتحرير الأرض، جمعته علاقات وطيدة بضباط إسرائيليين، وظهر في لقاءات رسمية مع مسؤولين إسرائيليين، حيث أقر بحق إسرائيل في فلسطين.

وفي تناقض واضح، قام منيب المصري لاحقًا برفع دعوى ضد بريطانيا لمقاضاتها بسبب وعد بلفور، في استعراض سياسي لا يغير من حقيقة أنه كان ضمن دائرة رجال الأعمال الفلسطينيين الذين نسجوا علاقات قوية مع الاحتلال، تحت غطاء “التعاون الاقتصادي”. فلطالما روّج لفكرة أن السلام يجب أن يبدأ “بالتعاون الاقتصادي” مع إسرائيل، وهو نفس الخطاب الذي يتبناه بشار المصري اليوم، والذي يطرحه كـ”رجل ما بعد الحرب في غزة” بدعم أمريكي وإسرائيلي.

هل يتكرر سيناريو ظافر المصري؟

مع ازدياد الغضب الشعبي الفلسطيني من أي محاولات لفرض إدارة خارجية على غزة، ومع تصاعد رفض فكرة “السلام الاقتصادي” على حساب القضية السياسية، فإن المصري يواجه خطر التحول إلى هدف مشروع للمقاومة، كما كان الحال مع ظافر المصري قبل أربعة عقود فمختلف الفصائل الفلسطينية لن تقبل بأي إدارة جديدة لغزة تأتي على ظهر دبابة إسرائيلية أو بغطاء أمريكي.

تاريخ عائلة المصري مليء بالأدوار الرمادية، ما بين محاولات التقرب من الاحتلال تحت غطاء التعاون الاقتصادي، وبين محاولات تقديم أنفسهم كقادة وطنيين. واليوم، يجد بشار المصري نفسه في الموقف ذاته، بين أن يكون أداة في مشروع أمريكي-إسرائيلي للسيطرة على غزة، أو أن ينسحب من المشهد مجنبًا نفسه وصم العمالة والخيانة التي لن يُمحى.

الشارع الفلسطيني اليوم أكثر وعيًا بمشاريع “السلام الاقتصادي”، ولم يعد ساذجًا ليقبل بتمرير حلول اقتصادية مقترة، على حساب الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وإذا ظن بشار المصري أنه يستطيع استغلال الدمار في غزة ليصبح حاكمها الجديد بدعم الاحتلال، فعليه أن يكون مدركا لعواقب ذلك.