في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عاد اسم الفاشر إلى الواجهة بوصفه عنوانًا جديدًا لواحدة من أفدح الجرائم الإنسانية في أفريقيا المعاصرة. لم تكن المأساة مفاجئة؛ بل كانت نتيجة منطقية لمسار طويل من الصمت الدولي، وتواطؤ القوى الكبرى، وجرائم مليشيا الدعم السريع، والأخطر: الدعم الإماراتي المنهجي الذي حوّل دارفور إلى مسرح مفتوح للإبادة الجماعية.

منذ مايو/أيار 2024، حين بدأ حصار الدعم السريع للفاشر، كان واضحًا أن سقوط المدينة سيكون امتدادًا لمجازر الجنينة 2023، ولجرائم الجنجويد قبل عقدين. لأكثر من ستة عشر شهرًا كانت الأمم المتحدة تمتلك قرارًا واضحًا، وكانت المنظمات الإنسانية دقّت كل نواقيس الخطر، لكن المجتمع الدولي ظل عاجزًا – أو متواطئًا – في منع الكارثة.

 

■ الفاشر.. المدينة التي سقطت وحدها

تاريخ الانهيار السوداني أقدم من حصار الفاشر. فمنذ ثلاثة عقود من حكم البشير، إلى الثورة الشعبية عام 2019، ثم إلى الانقلاب العسكري في 2021، وصولًا إلى الحرب الشاملة في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، كان المسار يمضي نحو تفكك الدولة وانهيار مؤسساتها ودخولها دائرة العنف المفتوح.

وأثناء حصار الفاشر ارتكبت مليشيا الدعم السريع كل ما يمكن اعتباره جرائم حرب وإبادة جماعية: إحراق القرى، قتل النازحين في مخيم زمزم، قصف المستشفيات والمساجد، تدمير شبكات المياه وتجويع المدنيين، وتصوير هذه الفظائع ونشرها كأدوات ترهيب.
قادة الدعم السريع أعلنوا صراحةً أن من يبقى في المدن بعد تقدمهم “ليس مدنيًا”، وأنه “لا أسرى” في هذه الحرب.

وحين سقطت الفاشر، تحولت المدينة إلى ساحة قتل شامل: إعدامات في البيوت، قتل المرضى والأطباء، إحراق الأحياء، دفن الجثث في مقابر جماعية، ومطاردة الفارين نحو الصحراء. تقارير الأمم المتحدة وصور الأقمار الصناعية ومواد الفيديو التي نشرها عناصر الدعم السريع نفسها تؤكد حجم الإبادة.

ورغم كل هذه الشواهد، ظلّ العالم يتفرّج.

■ الجريمة المعروفة: من أبوظبي تُدار الحرب

لم يكن المجتمع الدولي يجهل ما يحدث. الولايات المتحدة، بريطانيا، والأمم المتحدة كانت تتلقى تقارير شبه يومية من الاستخبارات والمنظمات الحقوقية والدبلوماسيين تحذر من انهيار الفاشر.
والجميع كان يعرف كذلك الطرف الخارجي الأكثر تورطًا:

الإمارات – محمد بن زايد: المموّل الأول للحرب وعرّاب الإبادة في دارفور

  • شراء الذهب السوداني المهرب وتمويل المليشيات عبره.

  • نقل الأسلحة للدعم السريع عبر ليبيا وتشاد والصومال.

  • منح غطاء سياسي وإعلامي ضخم للمليشيا.

  • تسويق قادة الدعم السريع كـ”شركاء محتملين” في استقرار السودان.

ومع ذلك، فإن أبوظبي لم تواجه أي مساءلة حقيقية. الاكتفاء الدولي لم يزد عن عبارات غامضة مثل “جهات إقليمية”، مقابل حماية دبلوماسية واضحة للإمارات من واشنطن ولندن.

هذا ليس فشلاً دبلوماسيًا، بل تواطؤ مقصود. الغرب سلّم إدارة الملف السوداني للإمارات، وبالتالي أصبح مشاركًا في الكارثة، لا مراقبًا لها.

■ الأخلاق المهدورة

حين قبل الجيش السوداني بوقف إطلاق النار في يونيو/حزيران 2025، رفضت مليشيا الدعم السريع لأنها كانت واثقة من استمرار تدفق السلاح من الإمارات، وواثقة أكثر من أن “العقوبة” لن تتجاوز بيانًا جديدًا.

الغرب تعامل مع الجيش والمليشيا كـ”طرفين متساويين”، متجاهلًا طبيعة الدعم السريع كقوة قامت على الإبادة والنهب والتهجير، ومتناسيًا رأي المدنيين الذين يفرّون كلما اقتربت مليشيا حميدتي.

هذا لا يبرئ الجيش من جرائمه، لكنه يكشف فارقًا جوهريًا في نمط العنف وسياقه، فارقًا تجاهله الغرب عمدًا.

■ المسرحية الدبلوماسية: خريطة الرباعية

مع اشتداد الأزمة، خرجت “خريطة الطريق” التي وضعتها الرباعية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) وكأنها حل. لكنها في الحقيقة أعادت إنتاج المشكلة: منح الإمارات دور الوسيط وهي طرف مباشر في الحرب.

هذه ليست “براغماتية”، بل تضارب مصالح فاضح.
الخريطة تقدم مواعيد بلا آليات، ووعودًا بلا ضمانات، وتعتمد على نوايا الأطراف المسلحة رغم أنها نفسها تعرقل أي هدنة حقيقية.

وهو النمط الذي طبعت به عمليات السلام في السودان طوال ثلاثة عقود:
اتفاقات بلا عدالة، هدن بلا حماية، انتقالات بلا ديمقراطية.

■ خيار التواطؤ: لماذا تتجنب الدول مواجهة بن زايد؟

لأن الإمارات شريك اقتصادي وأمني مهم للغرب، وحليف استراتيجي لإسرائيل، وممول ضخم لشبكات الضغط والعلاقات العامة.
ولهذا السبب، تتجنب واشنطن ولندن تسميتها مباشرة، وتضع معها في الجملة نفسها دولًا أقل تورطًا مثل مصر وتركيا وإيران لتخفيف التركيز عليها.

هذه حماية سياسية واضحة سمحت بوقوع مجزرة الفاشر.

وحين تحمي قوة عظمی حليفًا مشاركًا في الحرب، فهي تصبح شريكًا مباشرًا في الجريمة.

■ طريق ضيق.. لكنه موجود

رغم كل هذا، ما يزال بالإمكان العمل على إيقاف الانهيار:

1. تمويل من ينقذون السودان حقًا

توجيه الدعم للمبادرات المدنية: لجان المقاومة، غرف الطوارئ، شبكات الإغاثة والطب والمياه والغذاء.

2. تسمية الأطراف كما هي

اعتبار الإمارات طرفًا في الحرب، وفرض عقوبات على مسارات الذهب والسلاح واللوجستيات التي تربطها بالدعم السريع.

3. آليات حقيقية للمحاسبة

أي عملية سياسية يجب أن تتضمن مراقبة مستقلة، عقوبات تلقائية على الانتهاكات، وحماية مباشرة للمدنيين.

4. وقف إعادة تسليح الدعم السريع

لا هدنة ممكنة مع استمرار تدفق السلاح.
ولا وقف إطلاق نار دون مراقبة جوية وبرية وردعية.

■ ما الذي يمكن للناس فعله؟

الحكومات فشلت، لكن الشعوب لم تفشل بعد:

  • الضغط لفرض عقوبات على الإمارات باعتبارها أبرز ممولي الحرب.

  • دعم لجان المقاومة والمبادرات المدنية مباشرة.

  • كشف شبكات الذهب والمال التي تموّل المليشيات.

  • بناء تضامن دولي بين قضايا الشعوب: السودان، فلسطين، الكونغو وغيرها.

  • رفض خطاب التضليل الذي يبرر الجرائم أو يمحو الفاعلين الحقيقيين.

الصمت مشاركة في الجريمة، والكلمة فعل مقاومة.

بهذا، يمكن للناس – من خارج الخرطوم وحتى قلب الشتات السوداني – أن يكسروا حلقة التواطؤ الدولي التي صنعت مأساة الفاشر، وأن يحولوا الغضب إلى قوة تدفع نحو العدالة.

اقرأ أيضًا : تحالف الظل: كيف أسهمت الإمارات في تشكيل محور عسكري-أمني يعصف بالسودان واليمن والبحر الأحمر