أثار الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، الذي استهدف قيادات سياسية من حركة حماس، صدمة واسعة في أوساط الخليج والمنطقة، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل الدور القطري كوسيط رئيسي في مفاوضات إطلاق الأسرى ووقف الحرب على غزة. الباحث يوئيل غوزانسكي، من معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، أكد أن التداعيات لا تقتصر على حركة حماس وحدها، بل تمتد لتطال قطر ذاتها، من حيث مكانتها ودورها الإقليمي وقدرتها على مواصلة العمل في المستقبل بنفس الزخم الدبلوماسي.

فقطر، التي نسجت خلال سنوات طويلة صورة الدولة الصغيرة ذات النفوذ الكبير عبر تبني سياسات الوساطة وحل النزاعات، تجد نفسها اليوم في قلب أزمة تمس جوهر هذا الدور. الهجوم الإسرائيلي يضعها أمام معادلة معقدة: إما الرد السياسي والإعلامي الصارم دفاعًا عن سيادتها، أو محاولة الحفاظ على موقعها كوسيط مقبول من جميع الأطراف، بما في ذلك واشنطن وتل أبيب، وهو خيار يهدده الهجوم الأخير بوضوح.

توازنات حساسة بين واشنطن والدوحة

العلاقات الأمريكية القطرية كانت دومًا أحد أعمدة نفوذ الدوحة في المنطقة، إذ تستضيف قطر قاعدة “العديد” الجوية، وهي من أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يرى غوزانسكي أن الهجوم قد لا يكون مرّ دون علم واشنطن، نظرًا للوجود العسكري الأمريكي الكثيف على الأراضي القطرية، وهو ما يثير في الدوحة شكوكًا حول وجود تنسيق مسبق بين تل أبيب وواشنطن.

هذا الاحتمال يضع الإدارة الأمريكية في مأزق مزدوج: فمن ناحية، تحتاج واشنطن إلى الحفاظ على علاقتها الوثيقة بقطر، التي أصبحت شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا لها خلال العقد الأخير، ومن ناحية أخرى فهي تواجه اتهامات ضمنية بأنها منحت إسرائيل ضوءًا أخضرًا للهجوم. وإذا ما ترسخت هذه القناعة في الدوحة، فإن علاقات البلدين قد تتعرض لهزة عميقة، وهو ما يسعى الأمريكيون إلى تجنبه بشدة، إذ أن ظهورهم بمظهر من “خان” حليفًا عربيًا سيضر بعلاقاتهم مع بقية دول الخليج التي تراقب الموقف عن كثب.

كما أن هذا الهجوم يُربك واشنطن في ملف المفاوضات، إذ كانت تعتمد على نفوذ قطر في الضغط على حماس. خروج الدوحة من هذا الدور – ولو مؤقتًا – يعني فقدان قناة الاتصال الأكثر فعالية مع الحركة، ما قد يعرقل جهود التهدئة وإطلاق الأسرى، ويفتح الباب أمام مصر لتولي دور أوسع، وإن كانت قدرتها على التأثير في قرارات حماس أقل بكثير من الدوحة.

انعكاسات خليجية وارتدادات على التطبيع

الهجوم لا يهدد فقط الدور التفاوضي القطري، بل يضرب أيضًا شبكة علاقاتها الخليجية التي بنتها بعد المصالحة في قمة العلا عام 2021. فحتى الدول التي كانت على خلاف مع الدوحة، مثل السعودية والإمارات، أبدت تضامنًا معها بعد الهجوم، في خطوة تعكس خشية خليجية عامة من أن تكون سابقة قد تمتد لاحقًا لأي دولة أخرى في المنطقة.

وبحسب غوزانسكي، فإن الهجوم الإسرائيلي على دولة خليجية مستقلة يفاقم شعور القلق والاستياء المتراكم لدى حكومات الخليج، التي بدأت تتساءل عمّا إذا كانت إسرائيل لا تزال تسعى للتطبيع والتعايش، أم أنها تنزلق نحو طموح للهيمنة الإقليمية وفرض قواعد جديدة بالقوة. هذه المخاوف قد تنعكس سلبًا على مسار التطبيع المتعثر أصلًا، خاصة في ظل الضغوط الشعبية المتزايدة في دول الخليج الرافضة للحرب على غزة.

ومن جهة أخرى، يضر الهجوم بصورة قطر كمركز دبلوماسي وتجاري دولي آمن، وهي الصورة التي استثمرت فيها لعقود لتتحول إلى منصة وساطة عالمية. الدوحة التي اعتادت استقبال قادة الدول ومنظمات دولية قد تجد نفسها الآن أمام عزلة مؤقتة أو تردد في التعامل معها، ما لم تنجح بسرعة في استعادة موقعها عبر حملة دبلوماسية مضادة تبرئها من أي تواطؤ وتعيد تأكيد مكانتها.

ختام: ارتدادات طويلة المدى

الهجوم الإسرائيلي على الدوحة يشكل، وفق تقديرات كثير من المراقبين، لحظة مفصلية في السياسة الإقليمية، فهو لا يهدد فقط جهود الوساطة ومفاوضات الأسرى، بل يهز أيضًا منظومة العلاقات الخليجية-الإسرائيلية، ويضع واشنطن أمام اختبار صعب في إدارة تحالفاتها الشرق أوسطية. وبينما تحاول قطر امتصاص الصدمة واستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية، فإن المنطقة كلها تقف على عتبة مرحلة جديدة تتسم بانعدام الثقة المتبادل والريبة من نوايا الاحتلال، ما قد يبطئ مسارات التطبيع ويعيد رسم خرائط التحالفات في الخليج لسنوات مقبلة.

اقرأ أيضًا : إسرائيل تختبر صاروخ “سيلفر سبارو” لأول مرة في عدوانها على قطر: مؤشر خطير على التصعيد والإجرام