في بيان شديد اللهجة، اتهمت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة، دولة الاحتلال الإسرائيلي، برعاية مجموعات من اللصوص والبلطجية، وتوفير غطاء كامل لهم لنهب شاحنات المساعدات الإنسانية القليلة التي يسمح بدخولها إلى القطاع، ثم بيعها في الأسواق بأسعار مضاعفة، في ما وصفته بـ”سياسة هندسة التجويع”.
وأكد البيان أن سلطات الاحتلال تتعمد الإبقاء على حالة الفوضى خلال إدخال المساعدات، عبر منع أي آلية منظمة للتوزيع، بل واستهداف لجان التأمين العشائرية والشعبية التي تتولى حماية القوافل، الأمر الذي يفاقم معاناة مئات آلاف الأسر الفلسطينية ويمنع وصول الغذاء والدواء إلى مستحقيه.
الوزارة شددت على أن إسرائيل، من خلال هذه الممارسات، لا تكتفي بتجويع الفلسطينيين، بل تضرب عمداً أي بنية مجتمعية أو تنظيمية تحاول كسر الحصار الإنساني، عبر قتل عناصر الحماية في قصف مباشر، وترك المساعدات عرضة للنهب، ما يؤدي إلى احتكارها في السوق السوداء وحرمان العائلات الأشد فقراً من الحصول عليها.
![]()
أرقام صادمة: 14% فقط من الاحتياجات تصل غزة
بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما سمحت إسرائيل بإدخاله خلال 15 يوماً بلغ 1334 شاحنة فقط من أصل 9000 شاحنة مطلوبة لتغطية الاحتياجات الأساسية، أي ما يعادل 14% فقط من المتطلبات الفعلية للقطاع.
وتوضح هذه النسبة الفجوة الهائلة بين ما يحتاجه الفلسطينيون وما يتم السماح به، وهو ما يترجم عملياً إلى حرمان واسع النطاق يفاقم الأزمة الإنسانية.
الداخلية في غزة ربطت هذه الأرقام بسياسة ممنهجة تهدف إلى إدارة مستوى الجوع لا القضاء عليه، بحيث يبقى السكان في حالة عوز دائم تجعلهم عرضة للابتزاز السياسي والضغط النفسي، مع استمرار المجاعة التي باتت تحصد الأرواح، خاصة بين الأطفال.
استهداف ممنهج لعناصر حماية المساعدات
آخر حلقات هذا الاستهداف كانت في 13 أغسطس/آب، حين شن جيش الاحتلال ثلاث غارات متفرقة على عناصر تأمين المساعدات، أسفرت عن استشهاد 11 عنصراً، وفق مصادر الإسعاف والطوارئ.
هذا الاستهداف لم يكن حادثاً عرضياً، بل يتسق مع نمط متكرر منذ أشهر، حيث يقتل الاحتلال أفراد الحماية قبل أو أثناء عملية توزيع المساعدات، مما يترك الشاحنات مكشوفة أمام عصابات النهب التي تتهم غزة الاحتلال برعايتها.
المشهد يعكس مزيجاً من العمل العسكري والسياسي والاقتصادي، إذ لا يُكتفى بالحصار المادي، بل يجري تفكيك أي قدرة مجتمعية على تنظيم الذات أو مقاومة الفوضى التي تصنعها إسرائيل على أبواب المعابر وفي طرقات القطاع.
إغلاق المعابر وتعميق المجاعة
منذ 2 مارس/آذار الماضي، أغلقت إسرائيل جميع المعابر المؤدية إلى غزة، مانعة دخول أي مساعدات إنسانية، رغم تكدس الشاحنات عند الحدود. وحتى حين سمحت بدخول كميات محدودة، جرى ذلك في ظل غياب أي آليات توزيع آمنة، ما فتح الباب واسعاً أمام الفوضى والسطو المسلح.
هذه السياسة تأتي في وقت تؤكد فيه المنظمات الدولية أن غزة تحتاج إلى مئات الشاحنات يومياً لإنهاء المجاعة، بينما تستمر تل أبيب في إدخال أعداد محدودة بشكل متقطع، الأمر الذي يبقي الأزمة في ذروتها، ويُبقي نحو 2.3 مليون فلسطيني رهائن لسياسة التجويع.
تحذيرات دولية: جوع غير مسبوق
برنامج الأغذية العالمي حذر مؤخراً من أن “ثلث سكان غزة لم يأكلوا منذ عدة أيام”، واصفاً الوضع بأنه “غير مسبوق في مستويات الجوع واليأس”.
أما الأمم المتحدة فشددت على أن إنهاء المجاعة يتطلب تدفقاً يومياً واسع النطاق للمساعدات، فيما حذرت منظمة أطباء بلا حدود من تفاقم معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، الأمر الذي ينذر بكارثة صحية طويلة الأمد.
هذه التحذيرات، رغم خطورتها، لم تلقَ استجابة عملية من قبل الاحتلال، الذي يواصل فرض شروطه الأمنية والسياسية على أي عملية إدخال مساعدات، في تناقض صارخ مع التزاماته كقوة احتلال وفق القانون الدولي الإنساني.
إبادة جماعية بأبعاد متعددة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتعرض قطاع غزة لحرب إبادة شاملة تشمل القتل المباشر، التدمير الممنهج للبنية التحتية، التهجير القسري، والتجويع كأداة حرب.
الإحصائيات الصادرة عن الجهات الرسمية في غزة تكشف عن استشهاد 61,722 فلسطينياً وإصابة 154,525 آخرين، معظمهم أطفال ونساء، فضلاً عن وجود أكثر من 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أودت بحياة 235 شخصاً، بينهم 106 أطفال.
سياسة “هندسة التجويع” التي تتهم بها وزارة الداخلية في غزة إسرائيل، تمثل حلقة جديدة في هذه الإبادة، حيث يجري تصميم الجوع وتحريكه كأداة استراتيجية لإخضاع السكان، وإبقاء المجتمع في حالة انهيار دائم.
خاتمة: مسؤولية دولية غائبة
الاتهامات التي وجهتها وزارة الداخلية في غزة، مدعومة بالأرقام والشهادات الميدانية، تعكس سياسة متعمدة تتجاوز الإهمال أو الفوضى العارضة، لتصل إلى مستوى التخطيط المسبق لإطالة أمد المجاعة، وإضعاف أي قدرة للمجتمع الفلسطيني على الصمود.
ومع غياب ضغط دولي جاد على إسرائيل، تبقى هذه الممارسات مرشحة للاستمرار، ما يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حاسم: إما التحرك الفعلي لوقف “هندسة التجويع”، أو البقاء شريكاً بالصمت في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية المعاصرة.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يعلن تمسكه بـ”رؤية إسرائيل الكبرى” ويعتبر نفسه في “مهمة تاريخية”