في خطوة وُصفت بأنها سابقة قانونية وإنسانية، أعلنت مؤسسة هند رجب عن تقديم شكوى جنائية مفصلة إلى المدعي العام الاتحادي في ألمانيا ضد الجندي الإسرائيلي شمعون آفي زوكرمان، الذي يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والألمانية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

زوكرمان، الذي خدم في كتيبة المهندسين القتالية 8219 ضمن اللواء 551، لم يُخفِ مشاركته في عمليات التدمير، بل وثّقها على حسابه في “إنستغرام” في سلسلة من الصور والمقاطع التي تُظهره وهو يشارك في تفجير مبانٍ سكنية ومنشآت مدنية، ويحتفل مع زملائه بالدمار، في مشاهد تُجسّد أقصى درجات الانحطاط الأخلاقي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وبحسب المؤسسة، فإن زوكرمان نشر لقطات توثّق جرائم حرب موصوفة، حيث يظهر في بعضها وهو يدخن الشيشة أمام أنقاض المنازل، أو يقف مبتسمًا بينما تنهار البنايات خلفه. وقد ركّزت الشكوى على عملية “نير عوز” التي شهدت تدمير بلدة خزاعة جنوب القطاع، والتي كانت تضم نحو 5 آلاف مدني.

اللجنة القانونية التابعة للمؤسسة قدّمت أدلة رقمية متكاملة تشمل صورًا وفيديوهات ومنشورات تثبت تورط الجندي في أعمال الهدم خارج إطار أي ضرورة عسكرية، وهو ما يُشكّل انتهاكًا مباشرًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

الاحتلال.. منظومة الإجرام الممنهج

الجرائم التي ارتكبها زوكرمان لا يمكن فصلها عن طبيعة الحرب الإسرائيلية التي تحوّلت إلى مشروع إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني. فقد استهدفت آلة الاحتلال كل ما له علاقة بالحياة في غزة: المدارس، المستشفيات، المساجد، شبكات المياه والكهرباء، وحتى المقابر.

ما فعله زوكرمان لم يكن عملاً فردياً، بل امتدادًا لمنهج عسكري يُشرعن القتل والتدمير، ويوفر غطاءً قانونيًا وسياسيًا للجنود كي يتعاملوا مع الفلسطينيين كأهداف لا كأناس.

منذ بداية الحرب، وثّقت منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية مئات الحالات التي تُظهر تعمّد إسرائيل قصف مناطق مدنية بلا تمييز، واستخدام أسلحة محظورة، ومنع المساعدات الإنسانية، في انتهاك واضح للمادة الثامنة من النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.

لكن ما يميز هذه القضية تحديدًا هو أن المتهم يحمل الجنسية الألمانية، ما يجعل من برلين طرفًا ملزمًا قانونيًا بملاحقته استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسية الضحايا.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال تدمير ما تبقى من غزة تحت ذرائع “الأمن القومي”، يخرج جنوده للاحتفال أمام الكاميرات بمشاهد الخراب، في سلوك يعكس عقلية استعمارية قائمة على الاستعلاء والعقاب الجماعي، تمامًا كما فعلت الأنظمة العنصرية عبر التاريخ.

زوكرمان في هذه القضية ليس مجرد جندي؛ بل هو نموذج مصغّر لثقافة “القتل بلا عقاب” التي تتغذى على الدعم السياسي والعسكري من حلفاء إسرائيل في الغرب، بمن فيهم ألمانيا، التي زوّدت تل أبيب بالسلاح والذخيرة.

التحرك الدولي.. اختبار لضمير أوروبا

مدير مؤسسة هند رجب، دياب أبو جهجاه، أكد أن هذه الدعوى تمثل اختبارًا حقيقيًا لالتزام ألمانيا بمبدأ سيادة القانون، قائلاً إن “التقاعس عن ملاحقة زوكرمان سيعني أن العدالة تُطبَّق فقط عندما لا تتعارض مع المصالح السياسية”.

ويُعتبر تحرك المؤسسة خطوة ضمن حملة أوسع لمحاسبة المتورطين في جرائم الحرب ضد المدنيين في غزة، من خلال توثيق الانتهاكات ورفع قضايا في محاكم أوروبية مختلفة، مستفيدة من الثغرات القانونية التي تتيح مقاضاة مزدوجي الجنسية أو المقيمين داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد لاقت القضية اهتمامًا واسعًا بين المنظمات الحقوقية في أوروبا، إذ دعا التحالف الأوروبي لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق فوري في القضية، مؤكدًا أن “الصور التي نشرها الجندي على إنستغرام تمثل اعترافًا ذاتيًا بالجرم”.

كما أشارت منظمة الحقوق العالمية إلى أن هذه الدعوى قد تفتح الباب أمام سلسلة من الملاحقات القضائية بحق جنود إسرائيليين يحملون جنسيات أوروبية، خصوصًا مع تزايد الأدلة الميدانية على الجرائم الجماعية في غزة.

ألمانيا، التي طالما تغنّت بأنها “دولة قانون”، تجد نفسها اليوم أمام مأزق أخلاقي حقيقي: هل ستحاكم أحد مواطنيها بتهم الإبادة ضد شعب محاصر، أم ستواصل سياسة الصمت بحجة “الذنب التاريخي” تجاه إسرائيل؟

الجواب على هذا السؤال سيحدد ليس فقط مصداقية القضاء الألماني، بل أيضًا صورة أوروبا التي تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان بينما تُسلّح دولة تمارس التطهير العرقي على الهواء مباشرة.

العدالة الغائبة.. وصوت غزة الذي لا يُسكت

مؤسسة هند رجب – التي تحمل اسم الطفلة التي قُتلت مع عائلتها بعد ساعات من مناشدة فرق الإنقاذ في شمال غزة – تسعى عبر هذا المسار القانوني إلى تحويل المأساة الفردية إلى قضية رمزية تُحرّك الضمير العالمي.

القضية ضد زوكرمان ليست مجرد ورقة قانونية، بل هي صرخة في وجه الصمت الدولي، ومحاولة لإعادة تعريف معنى العدالة في عالم فقد بوصلته الأخلاقية.

وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف الإبادة، باتت هذه المبادرات الحقوقية المستقلة تمثل الأمل الأخير لمحاسبة مجرمي الحرب. فكل منشور موثّق، وكل مقطع مصوّر، وكل شاهد نجى من تحت الركام، يُضاف إلى سجل سيلاحق الجناة مهما طال الزمن.

لقد قالت مؤسسة هند رجب في بيانها الختامي: “إذا فشلت المحاكم الأوروبية في إنصافنا، فسيفشل معها الضمير الإنساني بأسره.”

اقرأ أيضًا :  قبل الانتخابات الإسرائيلية.. تحركات هادئة تمهد لتقارب سعودي – إسرائيلي غير معلن