في أحدث تقاريرها الحقوقية، كشفت منظمة العفو الدولية أن معدات ثقيلة صنعتها مجموعة “هيونداي” الكورية الجنوبية تُستخدم على نطاق واسع في عمليات الهدم القسري لمنازل ومحال الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وهي ممارسات قالت إنها قد ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي الإنساني.
رغم نفي مجموعة هيونداي أي تورط مباشر، فإن الأدلة التي قدمها فرع منظمة العفو في كوريا، بالشراكة مع مؤسسات حقوقية محلية مثل “بتسيلم”، توثق بوضوح استخدام هذه المعدات في تدمير ما لا يقل عن 59 منشأة فلسطينية، وتشريد نحو 250 فلسطينيًا، من بينهم نساء وأطفال، بين عامي 2019 و2025.
1. شهادات وشواهد: الجرافة الكورية كانت هناك
التحقيق استند إلى 347 صورة ومقطع فيديو دققت فيها فرق البحث الرقمي بمنظمة العفو، إضافة إلى شهادات ميدانية لضحايا عمليات الهدم في الضفة الغربية، أبرزها شهادة المواطن يعقوب برقان، الذي وصف لحظة هدم منزله بجرافة من نوع “هيونداي” قائلاً:
“30 جنديًا مسلحًا وصلوا، برفقة ثلاث آليات، بينها حفارة من نوع هيونداي.. تم تدمير المنزل في أقل من 20 دقيقة. زوجتي أغمي عليها وهي تشاهد كل شيء.”
مثل هذه الشهادات لا تترك مجالًا للشك في تورط غير مباشر—لكنه واضح—لشركة هيونداي عبر توريد معداتها لشركات إسرائيلية تستخدمها في خدمة مشروع الاستيطان والتهجير القسري.
2. ثغرات في الامتثال: إنكار الشركة لا يصمد أمام الأدلة
في مارس 2024، أعلنت مجموعة “هيونداي” أنها راجعت سجلات وكلائها ولم تجد دليلًا على بيع مباشر للحكومة الإسرائيلية. لكن تقرير العفو الدولية كشف وصول 32 شحنة من معدات هيونداي إلى شركة EFCO، الموزع الإسرائيلي المعتمد، إضافة إلى 12 شحنة أخرى من “هيونداي إنفراكور” إلى شركة Emcol، ما يُظهر أن الآليات دخلت السوق الإسرائيلية بالفعل.
المفارقة أن هذه الثغرات في الامتثال ليست جديدة، وهي تفضح ضعف آليات “العناية الواجبة” لدى الشركات متعددة الجنسيات، حين تتعامل مع مناطق نزاع أو أنظمة متورطة في انتهاكات حقوقية ممنهجة.
3. أداة في خدمة الاحتلال: الهدم كسياسة إسرائيلية منهجية
عمليات الهدم الإسرائيلية لا تحدث كاستثناء، بل تمثل جزءًا من سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، خاصة في مناطق مثل مسافر يطّا، القدس الشرقية، والأغوار.
وتُستخدم الجرافات والمعدات الثقيلة—مثل تلك التي تصنعها هيونداي—كأدوات تنفيذ لهذه السياسات، ما يجعل من الشركات التي تزود هذه المعدات شركاء فعليين في الانتهاك إذا لم تتخذ تدابير حاسمة للانسحاب أو تعليق التوريد.
4. مسؤولية الشركات الدولية: لا حياد في الجرائم
دعوة منظمة العفو الدولية لهيونداي لتعليق توزيع معداتها في إسرائيل تعكس تصاعد الضغط على الشركات العالمية لاحترام مبادئ حقوق الإنسان، وليس فقط القوانين التجارية.
وقالت مونتسي فيرير، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للعفو الدولية:
“يجب أن تبذل الشركات مثل هيونداي جهدًا أكبر لضمان عدم استخدام منتجاتها في تدمير المنازل ومصادر الرزق، خصوصًا في ظل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي”.
ويستند هذا الموقف إلى مبادئ “الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان”، التي تلزم الشركات بعدم المساهمة، ولو بشكل غير مباشر، في انتهاكات جسيمة.
“هيونداي” في اختبار أخلاقي وسياسي
ما كشفه تقرير “العفو الدولية” ليس مجرد إدانة أخلاقية، بل اتهام موثق قائم على صور وشهادات وشحنات. وتواجه “هيونداي” اليوم اختبارًا حاسمًا: إما أن تلتزم بمواثيق حقوق الإنسان وتعلّق تعاملاتها مع الاحتلال، أو تواصل تجاهل الأدلة وتتحول إلى شريك معلن في سياسة تهجير الفلسطينيين.