بعد الانفجار الذي شهدته الساحة اليمنية مؤخرًا، تتجه السعودية إلى العمل على تحجيم نفوذ الإمارات في نطاق أوسع يمتد عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في خطوة تعكس تحوّلًا جذريًا في ميزان القوى الإقليمي بين الحليفين السابقين. فقد أدّى التنافس المكتوم بين الرياض وأبو ظبي، والذي ظل يتفاعل تحت السطح لسنوات، إلى مواجهة مفتوحة في جنوب اليمن خلال الأسابيع الماضية، ما كشف عن صراع أعمق يهدد بإعادة تشكيل خريطة النفوذ في عدد من الدول الهشّة التي يتمتع فيها الطرفان بتأثير مباشر.

ووفقًا لتقرير نشرته واشنطن بوست، تعمل السعودية حاليًا على كبح النفوذ الذي بنته الإمارات حول البحر الأحمر، بعد أن كشف الانفجار في اليمن عن طبيعة التنافس الحقيقي بين البلدين. وقد تفجّر هذا الانقسام في جنوب اليمن عندما سيطرت قوات انفصالية مدعومة من الإمارات على مساحات جديدة من الأراضي، الأمر الذي دفع السعودية إلى التدخل عسكريًا دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

وأشار التقرير إلى أن الرياض نفّذت ضربات استهدفت القوات الانفصالية، وأعلنت أنها قصفت أيضًا شحنة إماراتية قالت إنها كانت تحتوي على أسلحة موجهة لتلك القوات. وعلى إثر ذلك، سحبت الإمارات قواتها من الميدان، وتم حلّ مجلس قيادة الانفصاليين، في تراجع مفاجئ وصفه محللون بأنه أعاد خلط أوراق السيطرة حول مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي سعودي قوله إن التمدد المتزايد لأبو ظبي حول البحر الأحمر يتعارض بشكل مباشر مع رؤية الرياض التي تعتبر هذه المنطقة جزءًا من حزامها الأمني الاستراتيجي، مؤكدًا أن المملكة تعتزم رسم «خطوط حمراء» أوضح في المرحلة المقبلة. وذكّر التقرير بأن السعودية والإمارات عملتا لسنوات في مسار واحد، سواء في دعم قادة حلفاء بعد الربيع العربي أو ضمن التحالف العسكري ضد جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن.

غير أن الرياض، بحسب الصحيفة، أصبحت تشعر بقلق متزايد إزاء ما تعتبره تحركات عسكرية وسياسية إماراتية هجومية، تشمل الاعتماد على شركاء مسلحين محليين، وبناء موطئ قدم تجاري وأمني لتوسيع النفوذ. وفي هذا الإطار، أفادت واشنطن بوست بأن السعودية بدأت مؤخرًا في تعزيز تحالفات بديلة للحد من نفوذ أبو ظبي، من بينها محادثات مع مصر والصومال بشأن توسيع التعاون الأمني، نقلًا عن مسؤول أمني صومالي رفيع.

وأضاف التقرير أن الحكومة الفيدرالية في الصومال أعلنت أيضًا إلغاء ترتيبات دفاعية مع الإمارات، التي تمتلك مصالح تجارية في الموانئ، إضافة إلى منشآت عسكرية، في ثلاث مناطق صومالية على الأقل هي أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند، وهي مناطق تتمتع فيها مقديشو بسلطة محدودة. وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الانقسام الإقليمي يدفع حكومات البحر الأحمر إلى إعادة حساباتها، موازنةً بين الانحياز للضغط السعودي وتجنب تعميق حالة عدم الاستقرار في دول تعاني أصلًا من هشاشة سياسية وأمنية.

وتطرّق التقرير إلى بيانات تتبع الرحلات الجوية، التي أظهرت قيام بعض الطائرات القادمة من الإمارات بتغيير مساراتها لتجنب المجال الجوي لكل من مصر والسعودية والصومال. ونقل عن محللين قولهم إن هذه الرحلات قد تكون مرتبطة بجهات متحالفة مع الإمارات في نزاعات أخرى بالقارة الأفريقية، بما في ذلك تشاد وليبيا والسودان.

وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن ليام كار، قائد فريق أفريقيا في مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز، قوله إن حجم التحول في اليمن كان هائلًا، موضحًا أنه في أواخر ديسمبر بدت القوات المدعومة من الإمارات وشركاؤها في موقع يسمح لهم بالسيطرة على المداخل الشمالية والجنوبية لمضيق باب المندب، إضافة إلى خليج عدن، لكن بعد التحرك السعودي ضد التقدم الانفصالي، بات المشهد مقلوبًا تمامًا.

وأكد التقرير أن وزارة الخارجية الإماراتية والمسؤولين السعوديين لم يقدّموا ردودًا مباشرة على طلبات التعليق التي وجهتها الصحيفة. كما أشار إلى أن الخلافات بين البلدين ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات طويلة وشهدت توترات متقطعة بشأن قضايا تتراوح بين النزاعات الحدودية وسياسات النفط.

وأوضح أن العلاقات شهدت تقاربًا ملحوظًا في منتصف العقد الماضي، حين بنى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد شراكة وثيقة أعادت تشكيل آليات اتخاذ القرار في الخليج. وكانت الحرب في اليمن الساحة الأبرز لهذا التعاون، حيث دعمت السعودية الحكومة المعترف بها دوليًا ورفعت شعار استعادة سيطرة الدولة، بينما شاركت الإمارات في التحالف لكنها ركزت بشكل متزايد على محاربة الفصائل الإسلامية، وفق ما نقلته الصحيفة.

وأدى هذا التباين في الأهداف إلى بناء تحالفات محلية متنافسة، إذ ذكرت واشنطن بوست أن الإمارات موّلت وسلّحت وعززت القوى الانفصالية الجنوبية، وساهمت في تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017. كما قامت وحدات مدعومة من أبو ظبي ببناء مدارج طيران ونقاط عسكرية وبنية تحتية في الموانئ وعلى الجزر اليمنية، ما وسّع شبكة نفوذ تمتد على طول طرق الملاحة الحيوية.

وأشار محللون نقلت عنهم الصحيفة إلى أن أبو ظبي انتهجت نمطًا مشابهًا في مناطق أخرى، عبر الجمع بين الأدوات التجارية، والوصول اللوجستي، والدعم الأمني، والشراكات مع قوى مسلحة محلية، غالبًا دون المرور بالقنوات الدبلوماسية الرسمية بين الدول. في المقابل، تميل السعودية، بحسب التقرير، إلى العمل من خلال الحكومات المعترف بها والحفاظ على الهياكل القائمة للدولة.

وأضاف التقرير أن التصدع تسارع عندما تقدمت قوات المجلس الانتقالي إلى محافظتي المهرة وحضرموت، ما قرّبها من الحدود اليمنية الطويلة مع السعودية. عندها تحركت الرياض علنًا لوقف هذا التمدد وبدأت في توجيه انتقادات مباشرة للدور الإماراتي، فيما نفى مسؤول إماراتي أن تكون أبو ظبي قد وجهت هذا التقدم، واصفًا الاتهامات بأنها غير صحيحة.

ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية اليمني الأسبق خالد اليماني وصفه لما جرى بأنه «شرخ كامل» في العلاقة داخل اليمن، مؤكدًا أن الانسحاب الإماراتي كان مفاجئًا وترك السعودية تواجه تداعيات الوضع منفردة.

وتوسّع التقرير في تناول تداعيات هذا التنافس في القرن الأفريقي، حيث أبدى مسؤولون سعوديون قلقًا متزايدًا إزاء شبكات مرتبطة بالإمارات، استثمرت في موانئ وبنت منشآت تُستخدم، بحسب محللين، لدعم بنية لوجستية إقليمية أوسع. وفي الصومال، سلطت الصحيفة الضوء على ميناء ومطار بربرة في أرض الصومال، واستثمارات الإمارات في ميناء بوصاصو في بونتلاند، إلى جانب قاعدة عسكرية يُعتقد أنها دعمت عمليات بطائرات مسيّرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة.

كما ربط التقرير ميناء بوصاصو بخطوط إمداد أوسع، مشيرًا إلى أبحاث تفيد بأن بعض الشحنات قد تكون دعمت قوات الدعم السريع في السودان، وهي الميليشيا التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني. وأشارت الصحيفة إلى أن الإمارات نفت تسليح هذه القوات، رغم تقارير عن العثور على أسلحة تم شراؤها من قبل أبو ظبي ضمن مخازن استولى عليها الجيش السوداني.

وذكرت واشنطن بوست أن الإمارات تتمتع بعلاقات طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وكانت قد استثمرت سابقًا في الذهب السوداني ومشاريع زراعية، إضافة إلى صفقة كبرى لتطوير ميناء قبل اندلاع الحرب الأهلية في السودان.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن السعودية تدرس الآن خيارات أوسع لمواجهة النفوذ الإماراتي، ليس فقط في اليمن، بل عبر قوس أوسع من الدول المتنازع عليها التي يتنافس فيها الطرفان على النفوذ الأمني والموانئ والاصطفاف السياسي. ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن هذا التنافس، رغم مخاطره على الاستقرار، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى رسم حدود أوضح للتدخل، بما يقلل من حالة الغموض ويفرض على كل طرف تحديد مستوى التدخل الذي يقبله في المناطق التي يعتبرها ضمن نطاق نفوذه.