كشفت صحيفة واشنطن بوست، استنادًا إلى تحقيق إسرائيلي، أن تل أبيب قللت بشكل خطير من شأن قدرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قبل هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023. 

وأوضحت الصحيفة أن ضباطًا إسرائيليين اجتمعوا قبل ساعات فقط من الهجوم بعد رصدهم لما وصفوه بـ”إشارات مقلقة”، إلا أنهم لم يدركوا خطورتها ولم يتخذوا أي إجراءات استباقية لمنع وقوع الكارثة.

وبحسب التحقيق، فإن فشل الجيش الإسرائيلي في التنبؤ بالهجوم لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل يعود إلى خلل عميق في المنظومة الأمنية والاستخبارية، وهو ذا نتاج استراتيجية محكمة لدى المقاومة وخصوصا القائد السنوار.

فقد استندت التقديرات الإسرائيلية إلى افتراضات خاطئة حول نوايا حماس، حيث اعتقدت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن الحركة ليست في وضع يسمح لها بتنفيذ هجوم بهذا الحجم، وأن قائدها في غزة، يحيى السنوار، كان يسعى إلى انتزاع تنازلات مالية إسرائيلية بدلاً من الدخول في حرب شاملة. 

هذا التقدير قاد الجيش الإسرائيلي إلى حالة من الغفلة الكاملة، سمحت لمقاتلي المقاومة بتنفيذ واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا في تاريخ الصراع، وكشف بها السنوار هشاشة أجهزة الاحتلال.

السنوار: القائد الذي خدع الاحتلال

لم يكن يحيى السنوار مجرد قائد ميداني أو سياسي عادي، بل كان استثناءً في تاريخ المقاومة الفلسطينية، إذ عرف بقدراته الفائقة على التخطيط العسكري والإستراتيجي، فضلاً عن براعته في الخداع الاستخباري. 

وبحسب مصادر استخبارية إسرائيلية، فإن السنوار لعب دورًا محوريًا في تضليل الجيش الإسرائيلي، حيث أوهمه بأن حماس لا تزال مهتمة بالتفاوض، بينما كان يعد العدة لواحدة من أعنف العمليات العسكرية التي تعرضت لها إسرائيل منذ نشأتها.

على عكس ما كانت تروج له الدعاية الإسرائيلية بشأن لجوء قادة المقاومة إلى الأنفاق والاختباء أثناء المعارك، أظهرت تقارير ميدانية أن السنوار قاد المعركة من قلب الحدث، ولم يكن بعيدًا عن خطوط الاشتباك. 

لقد كان حاضرًا بين المقاتلين، يشرف على العمليات، يوجه القوات، ويصنع المفاجآت التي أذهلت قادة الاحتلال.

ورغم التجهيزات المتطورة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، لم يتمكن من الوصول إلى السنوار أو إضعاف تأثيره، مما جعل منه شخصية أسطورية وكابوسًا في عيون الاحتلال.

استشهاد السنوار: معركة حتى الرمق الأخير

منذ اليوم الأول للهجوم الإسرائيلي على غزة بعد طوفان الأقصى، حاول الاحتلال بكل الوسائل القضاء على يحيى السنوار، معتبرةً أنه العدو الأول الذي يقف خلف العملية التي هزت أمنها العسكري والاستخباري. 

ورغم تنفيذ عشرات الغارات المكثفة واستهداف المناطق التي كان يُعتقد أنه موجود بها، إلا أن السنوار ظل لغزًا محيرًا، لم تستطع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فك شيفرته.

وبحسب مصادر من المقاومة، فقد استشهد السنوار وهو يقاتل حتى آخر لحظة، مؤكدًا مقولة أنه لا يقود معركة من خلف الشاشات، بل يعيش تفاصيلها من الميدان.

لم يكن استشهاده مجرد خسارة فردية، بل كان رسالة واضحة مفادها أن قادة المقاومة لا يختبئون، وأن الاحتلال لا يستطيع تحقيق “نصر سريع” كما كان يروج له. 

لقد رحل السنوار، لكن فكره ونهجه القتالي سيبقى مصدر إلهام لمئات المقاتلين الذين آمنوا بقدرته على إحداث تغيير جذري في معادلة الصراع.

إسرائيل في مأزق: اعتراف بالهزيمة

مع نشر نتائج التحقيق الإسرائيلي، بات واضحًا أن الاحتلال فشل فشلاً ذريعًا في توقع هجوم طوفان الأقصى، وأن أجهزته الأمنية والعسكرية كانت تعاني من خلل إستراتيجي قاتل. 

ورغم محاولة الجيش الإسرائيلي التملص من المسؤولية، إلا أن الواقع يثبت أن الإخفاق كان على كل المستويات، وليس فقط على مستوى الميدان أو الاستخبارات.

لقد شكلت معركة طوفان الأقصى نقطة تحول فارقة في تاريخ الصراع، حيث أثبتت المقاومة أنها قادرة على تنفيذ عمليات نوعية رغم الحصار والمراقبة المشددة. 

كما أن شخصية يحيى السنوار ستظل علامة فارقة في الذاكرة السياسية والعسكرية، باعتباره القائد الذي استطاع خداع إسرائيل وإجبارها على إعادة النظر في حساباتها الإستراتيجية.

اليوم، وبعد استشهاد السنوار، لا تزال تداعيات الهجوم مستمرة، حيث تسعى إسرائيل جاهدةً لمنع تكرار السيناريو ذاته. 

اقرأ أيضًا : نائل البرغوثي.. أقدم أسير في العالم يعانق الحرية بعد 45 عامًا في سجون الاحتلال