في مشهد يختصر التواطؤ الأمريكي مع الاحتلال الإسرائيلي، وقفت القائمة بأعمال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، لتقدم غطاءً سياسياً لمجزرة جديدة ارتكبها الاحتلال داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوبي قطاع غزة.
الغارة التي استهدفت مبنى الطوارئ بالمستشفى، وأسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 20 فلسطينياً، بينهم خمسة صحفيين وأربعة مسعفين، حاولت واشنطن تبريرها عبر خطاب مكرر مفاده أن “الهدف إرهابيون لا صحفيون”.
غير أن حجم الضحايا، وهوية المستهدفين، بدّدا هذا الادعاء سريعاً، ليكشف عن استمرار السياسة الأمريكية في توفير الحصانة الدبلوماسية للاحتلال مهما بلغت جرائمه.

التبرير الأمريكي: رواية جاهزة قبل اكتمال التحقيق
شيا قالت في جلسة لمجلس الأمن الدولي إن جيش الاحتلال خلص إلى أن ستة من عناصر حركة حماس قُتلوا في الغارة، أحدهم شارك في هجمات السابع من أكتوبر. وأشارت إلى “سرعة التحقيق”، داعية إلى إدانة ما وصفته بـ”استخدام حماس للبنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية”.
هذا الخطاب يعكس النمط الثابت للإدارة الأمريكية: تبرير الأفعال الإسرائيلية قبل ظهور أي دليل مستقل، بل وتبني الرواية العسكرية للاحتلال باعتبارها “حقيقة”، في تجاهل متعمد للضحايا المدنيين والصحفيين الذين يدفعون الثمن.
اللافت أن الموقف الأمريكي لم يأتِ في صيغة حيادية، بل جاء كإدانة مسبقة للمقاومة، مع تجاهل فادح للجرائم التي ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وكأن واشنطن أرادت القول للمجتمع الدولي إن موت الصحفيين ليس سوى “أضرار جانبية” مشروعة ما دام الحديث عن استهداف “الإرهاب”.
الاحتلال يكرر النفي: شعار “نحارب الإرهابيين”
في السياق ذاته، حاول سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة داني دانون تلطيف الصورة قائلاً إن بلاده “ما زالت تبحث تفاصيل الحادثة”، قبل أن يضيف: “هدفنا محاربة الإرهابيين وليس الصحفيين”. إلا أن هذا التصريح بدا أقرب إلى استنساخ تبريرات قديمة، إذ لم يكن الأول ولن يكون الأخير الذي يحاول إنكار الاستهداف المنهجي للصحفيين والمسعفين في غزة.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكد أن حصيلة الشهداء الصحفيين منذ 7 أكتوبر بلغت 246، بينهم ستة في يوم واحد فقط، ما يكشف الطبيعة الممنهجة للاغتيالات بحق الكوادر الإعلامية. ومع ذلك، تصر واشنطن وتل أبيب على التذرع بخطاب “الإرهاب”، متجاهلتين أن من قُتلوا كانوا يحملون كاميرات وأقلاماً، لا أسلحة.
بين خطاب الحماية وواقع الإبادة
الجرائم التي تقع يومياً في غزة ليست “أحداثاً معزولة”، بل جزء من استراتيجية إبادة واضحة المعالم. وزارة الصحة في غزة أعلنت أن حصيلة الحرب حتى الآن بلغت 62,895 شهيداً و158,927 جريحاً، إضافة إلى 9,000 مفقود تحت الأنقاض. هذه الأرقام تكفي وحدها لتفنيد الخطاب الأمريكي الذي يحاول حصر النقاش في “ذريعة الإرهاب”.
الجانب الأكثر مأساوية هو أن سياسة الحصار والتجويع الممنهج تسببت في استشهاد 313 فلسطينياً، بينهم 119 طفلاً، بسبب الجوع وسوء التغذية. ومع ذلك، لا يُسمع من واشنطن سوى ترديد نغمة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، في تجاهل صارخ لحقوق شعب محاصر يتعرض لأبشع أشكال العقاب الجماعي.
واشنطن و”إرث ترامب”: استمرارية الإجرام
تبرير إدارة بايدن لمجزرة مستشفى ناصر لا ينفصل عن “إرث الإجرام” الذي أسسه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فترامب كان أول من أطلق يد الاحتلال بلا قيود: اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، نقل السفارة الأمريكية إليها، شرعن الاستيطان، وأوقف المساعدات عن الفلسطينيين. كما أعطى الضوء الأخضر لسياسة “الاغتيالات” التي طالت قادة المقاومة.
اليوم، ورغم اختلاف الخطاب الشكلي، يواصل بايدن النهج ذاته عبر الدعم السياسي والعسكري غير المحدود. فالبيت الأبيض يرسل السلاح، والكونغرس يمدد التمويل، ووزارة الخارجية تكرر البيانات التي تبرر القتل. بمعنى آخر: ما بدأه ترامب بالوقاحة السياسية، تستكمله إدارة بايدن بالديبلوماسية المغلفة، لكن النتيجة واحدة — توفير مظلة كاملة لجرائم الإبادة.
الإعلام الدولي وردود الفعل الغاضبة
الهجوم على مستشفى ناصر أثار موجة إدانات واسعة من منظمات حقوقية وصحفية، بينها لجنة حماية الصحفيين واتحاد الصحفيين الدولي. هذه الجهات رأت أن استهداف الصحفيين جزء من سياسة ممنهجة لإسكات الصوت الفلسطيني، ومنع العالم من رؤية الحقيقة. ومع ذلك، يظل صمت بعض الحكومات الغربية أو تبنيها لرواية الاحتلال عاملاً أساسياً في استمرار هذه الجرائم.
الخلاصة: شرعية دولية مشوهة
تبريرات واشنطن للهجوم على مستشفى ناصر تعكس ليس فقط انحيازاً لإسرائيل، بل مساهمة فعلية في الجريمة. حين تقول شيا إن “المستهدفين إرهابيون”، فهي في الواقع تمنح الغطاء القانوني والسياسي لمجازر جماعية تُرتكب أمام الكاميرات. أما حديث الاحتلال عن “البحث في التفاصيل”، فهو مجرد محاولة لشراء الوقت وامتصاص الغضب، قبل أن تُطوى الصفحة بجريمة جديدة.
إن استمرار هذا النهج يكشف أن مجلس الأمن ومؤسسات القانون الدولي قد تحولت إلى مسرحيات مكررة، بينما الحقيقة على الأرض تقول إن غزة تواجه حرب إبادة بغطاء أمريكي كامل. وبدلاً من محاسبة الاحتلال على جرائمه، يُمنح مزيد من السلاح والدعم السياسي، في استمرارية مأساوية لنهج “ترامب ـ بايدن”: شراكة أمريكية إسرائيلية عنوانها القتل الممنهج والإفلات من العقاب.
اقرأ أيضًا : قصف إسرائيلي جديد يطال ريف دمشق: ستة شهداء من الجيش السوري