في موقف يكشف انحياز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سارع مبعوثه إلى أفريقيا، مسعد بولس، إلى إدانة الضربات التي نفذها الجيش السوداني داخل الأراضي التشادية، لكنه تعمد تجاهل السبب الذي دفع الخرطوم إلى استهداف تلك المواقع: استخدام تشاد ممراً لنقل الأسلحة الإماراتية إلى ميليشيا الدعم السريع.
أدان بولس الضربات، وطالب الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع بقبول هدنة إنسانية، ودعا مجلس الأمن إلى تشديد حظر الأسلحة والعقوبات، ثم تحدث بصورة مبهمة عن ضرورة وقف «الدعم المالي والعسكري الخارجي».
لكن المبعوث الأمريكي لم يذكر الإمارات. لم يتحدث عن الطائرات والأسلحة التي تمر عبر تشاد، ولم يطالب أبوظبي بوقف إمداد ميليشيا الدعم السريع، ولم يفسر لماذا تحولت الأراضي التشادية إلى هدف عسكري للجيش السوداني. الإدانة الأمريكية لم تكن ناقصة؛ كانت انتقائية ومصممة لحماية الإمارات من المساءلة.
إدانة الضربة وإخفاء سببها
قال بولس إن الولايات المتحدة تدين الضربات الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد، مضيفاً أنه لا يوجد أي مبرر لتوسيع العنف خارج حدود السودان.
بهذه الصياغة، حاول المبعوث الأمريكي عزل الضربة عن سياقها، وتقديمها وكأن الجيش السوداني قرر مهاجمة دولة مجاورة بلا سبب. لكن المواقع المستهدفة ترتبط، وفق ما أورده التقرير، بمسار إمداد تستخدمه الإمارات لنقل الأسلحة إلى ميليشيا الدعم السريع.
وأكد الجيش السوداني أنه استهدف قافلة عسكرية داخل تشاد دفاعاً عن «سيادة السودان وأمنه وسلامته». وفي المقابل، رفعت السلطات التشادية درجة التأهب إلى أعلى مستوى، ودفعت بنحو مئة مركبة مدرعة وشاحنات للتشويش على الإشارات إلى حدودها الشرقية مع السودان لمواجهة الطائرات المسيّرة.
تجاهل بولس هذا السياق كاملاً. لم يسأل عن طبيعة القافلة، أو وجهتها، أو الجهة التي أرسلتها، أو سبب تحركها قرب الحدود السودانية. اختصر المشهد في «ضربات سودانية داخل تشاد»، وأخفى شبكة الإمداد التي جعلت الأراضي التشادية امتداداً لخطوط الحرب.
تشاد ليست ممراً بريئاً
لم يظهر اسم تشاد فجأة في حرب السودان. فقد وثقت تقارير أممية وتحقيقات صحفية استخدامها محوراً لوجستياً في نقل الأسلحة والعتاد إلى ميليشيا الدعم السريع.
وقالت الأمم المتحدة إن الإمارات تمرر شحنات الأسلحة إلى الميليشيا عبر الأراضي التشادية. كما كشفت تحقيقات «ميدل إيست آي» مركزية تشاد داخل الشبكة اللوجستية الإماراتية، التي استخدمت مسارات إقليمية متعددة لإبقاء ميليشيا الدعم السريع مسلحة وقادرة على مواصلة الحرب.
وهكذا لم تعد تشاد دولة مجاورة تضررت عرضاً من امتداد القتال، وإنما أصبحت أراضيها جزءاً من البنية التي تغذي الحرب داخل السودان. ولذلك جاء سؤال كاميرون هدسون، الخبير في الشؤون الأفريقية والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، ليفضح ازدواجية موقف بولس:
لماذا لم يُدِن سماح تشاد باستخدام أراضيها لتسليح ميليشيا الدعم السريع طوال السنوات الماضية؟
سؤال هدسون يضع الموقف الأمريكي في مكانه الحقيقي. واشنطن أدانت من استهدف مسار السلاح، وصمتت عن الدولة التي فتحت أراضيها لهذا المسار، وتجنبت تسمية الدولة التي موّلته.
الإمارات طرف في الحرب وليست وسيطاً
يلجأ بولس إلى تعبير «الدعم الخارجي» وكأن السلاح يصل إلى السودان من جهة مجهولة. لكن الجهة المتهمة ليست سراً، والدور الإماراتي ليس تفصيلاً هامشياً يمكن دفنه داخل عبارة عامة.
تتولى أبوظبي، وفق الأدلة والتقارير المشار إليها، تمويل شبكة إمداد عسكرية تعبر الحدود الإقليمية وتصل إلى ميليشيا الدعم السريع. وأسهم هذا الدعم في إطالة الحرب وتعزيز قدرة الميليشيا على مواصلة عملياتها، رغم الفظائع والانتهاكات الواسعة المنسوبة إليها.
لقد بلغ الدور الإماراتي حداً دفع السفير السوداني لدى الولايات المتحدة، محمد عبد الله إدريس، إلى إعلان رفض بلاده أي خطة سلام تكون أبوظبي طرفاً في وساطتها. وقال بوضوح إن الإمارات طرف في النزاع، ولذلك لا يمكنها أن تكون طرفاً ووسيطاً في الوقت نفسه.
هذا الموقف يهدم الأساس الذي تقوم عليه «الرباعية» المعنية بالسودان. فكيف يمكن لمجموعة تضم الإمارات أن تقود خطة لإنهاء حرب تتهم أبوظبي بتسليح أحد طرفيها؟
إشراك الإمارات في الوساطة لا يمنح العملية شرعية؛ بل يمنح أبوظبي مقعداً يسمح لها بالتأثير في التحقيق السياسي للحرب التي ساعدت على استمرارها.
إدارة ترامب توفر الغطاء السياسي لأبوظبي
لا تستطيع إدارة ترامب الادعاء بأنها لا تعرف حقيقة الدور الإماراتي. التقارير الأممية معروفة، وشبكات الإمداد عبر تشاد موثقة، والاتهامات السودانية معلنة، والتحقيقات الصحفية كشفت تفاصيل المسارات اللوجستية.
ومع ذلك، تواصل واشنطن تجنب مواجهة الإمارات. وعندما تحدث مبعوث ترامب عن ضرورة وقف الدعم الخارجي، رفض تسمية أبوظبي. وعندما أدان القصف داخل تشاد، تجاهل استخدام الأراضي التشادية ممراً للسلاح. وعندما طالب بتشديد العقوبات، لم يحدد الأطراف التي ينبغي استهدافها.
هذا ليس حذراً دبلوماسياً، وإنما غطاء سياسي متعمد لحليف إقليمي لا تريد واشنطن تعريض علاقاتها معه للخطر.
تريد إدارة ترامب إظهار نفسها في صورة الوسيط الذي يقف على مسافة واحدة من الأطراف، لكنها تتعامل مع نتائج الحرب وتتجنب الطرف الذي يغذيها. تدين الضربات، وتتحدث عن المدنيين، وتطالب بالمساعدات الإنسانية، لكنها ترفض توجيه الاتهام إلى الدولة التي تساعد في تسليح ميليشيا الدعم السريع. واشنطن لا تقف خارج المشكلة؛ إنها تحمي أحد أهم أطرافها الإقليميين من دفع الثمن السياسي.
مساواة زائفة بين الجيش والميليشيا
وضع بولس الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع في جملة واحدة، وطالبهما معاً بقبول هدنة وحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات.
بهذه الصياغة، تجاهل المبعوث الأمريكي الفارق بين مؤسسة عسكرية رسمية وميليشيا انفصلت عنها، وخاضت حرباً للاستيلاء على السلطة، وارتبط اسمها بمجازر وانتهاكات واسعة ضد المدنيين.
كما تجاهل أن استمرار الميليشيا في القتال لم يكن ممكناً بالاعتماد على مواردها الداخلية وحدها، وإنما ارتبط بشبكة تمويل وتسليح وإمداد تمتد خارج السودان.
إن مساواة الطرفين، مع إخفاء دور الإمارات، تخدم ميليشيا الدعم السريع مرتين: تمنحها وضعاً سياسياً موازياً للدولة، وتحمي داعمها الخارجي من المساءلة.
ثم تُستخدم الدعوة إلى «الحل السياسي» للضغط على الخرطوم، بينما تستمر خطوط السلاح التي تمنح الميليشيا القدرة على رفض أي حل لا يحفظ نفوذها.
خطة سلام اختفت قبل إعلانها
في فبراير، أعلن مسعد بولس أن الولايات المتحدة أعدت خطة شاملة للسلام في السودان بعد عمل استمر ثلاثة أشهر، وقال إن الخطة حظيت بموافقة أعضاء الرباعية: الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر.
وعد بولس بالكشف عن النص في منتصف فبراير، لكنه لم يفعل. مر الموعد واختفت الخطة، ولم يقدم المبعوث الأمريكي تفسيراً واضحاً لتعثرها.
وعندما سأله الصحفيون عن الجهة أو العقبة التي تمنع تنفيذ الخطة، رفض تحديدها، واكتفى بوصف النص بأنه «شامل».
تحدث عن خمسة محاور: معالجة الأزمة الإنسانية، وحماية المدنيين وعودة النازحين، والانتقال إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار.
لكن هذه العناوين لم تتحول إلى خطة معلنة، ولم يحدد بولس آليات التنفيذ أو الجهات التي ستضمن وقف السلاح، ولم يجب عن السؤال الأهم: كيف يمكن وقف الحرب بينما تجلس الإمارات داخل مجموعة الوساطة وتُتهم في الوقت نفسه بإمداد ميليشيا الدعم السريع؟
اختفاء الخطة يكشف أن الحديث الأمريكي عن السلام سبق وجود توافق حقيقي عليه. كما يكشف أن واشنطن لا تريد تحديد الطرف الذي يعطل مسارها، لأن تسميته ستفرض عليها مواجهة حليفها الإماراتي.
“الرباعية” تحولت إلى مظلة لحماية الإمارات
كان يفترض أن تنسق الرباعية الجهود الدولية لإنهاء الحرب، لكنها تضم داخلها دولة متهمة بتغذية أحد طرفي الصراع. وهذا التناقض جعلها عاجزة عن فرض وقف حقيقي للتسليح.
وافقت الإمارات، وفق بولس، على نص الخطة الأمريكية، لكنها لم تواجه مطالبة علنية بوقف دعم ميليشيا الدعم السريع. ولم تكشف واشنطن عن أي ضمانات إماراتية، أو آليات لمراقبة طرق الإمداد عبر تشاد، أو عقوبات على الجهات التي تنقل الأسلحة.
وبذلك تحولت مشاركة أبوظبي في الرباعية إلى وسيلة لحمايتها من المحاسبة. فهي تظهر في صورة الدولة التي تبحث عن السلام، بينما يُدفن دورها العسكري تحت عبارات «الدعم الخارجي» و«الأطراف المتحاربة».
لا يمكن بناء سلام حقيقي على هذا التناقض. فأي عملية لا تبدأ بقطع خطوط السلاح، وتسمية الدول التي تمول الحرب، ومحاسبة من حوّلوا دول الجوار إلى ممرات عسكرية، ستكون إدارة مؤقتة للصراع وليست حلاً له.
واشنطن تريد وقف الرد لا وقف الإمداد
الموقف الأمريكي يبعث برسالة خطيرة: مرور السلاح إلى ميليشيا الدعم السريع عبر تشاد لا يستدعي إدانة صريحة، لكن استهداف الجيش السوداني لذلك المسار يستدعي تحركاً أمريكياً فورياً.
أي إن المطلوب من الخرطوم أن تراقب الأسلحة وهي تعبر إلى خصمها، وألا تستهدفها، ثم تنتظر خطة سلام لم تُنشر ووساطة تضم الدولة المتهمة بإرسالها.
تريد واشنطن وقف رد الفعل السوداني، لكنها لا تتحرك لوقف الفعل الإماراتي الذي سبقه. وتطالب باحترام الحدود التشادية، بينما تصمت عن تحويل تلك الحدود إلى ممر عسكري يغذي الحرب داخل السودان.
وهذا هو جوهر الفضيحة: إدارة ترامب لا تعمل على إنهاء الحرب بقدر ما تعمل على منع تداعياتها من إحراج الإمارات أو الإضرار بعلاقات واشنطن معها.
سلام بلا مساءلة يعني استمرار الحرب
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد الحديث العام عن الهدن وحماية المدنيين كافياً. فاستمرار القتال مرتبط بوصول المال والسلاح إلى الأطراف القادرة على إفشال أي تسوية.
إذا أرادت واشنطن وقف الحرب فعلياً، فعليها أن تسمي الإمارات، وتطالبها علناً بوقف إمداد ميليشيا الدعم السريع، وتفرض رقابة على المسارات الممتدة عبر تشاد، وتستبعد أبوظبي من أي وساطة ما دامت طرفاً في النزاع.
أما إدانة الضربات السودانية مع الصمت عن شبكة التسليح، فهي محاولة لقلب صورة المعتدي والضحية، ومعاقبة من استهدف طريق الإمداد، وحماية من أنشأه وموّله.
لقد فضح تصريح مسعد بولس حقيقة سياسة إدارة ترامب في السودان: كلمات كثيرة عن السلام، وخطة لا تظهر، ووساطة مشلولة، وصمت محسوب كلما وصل الحديث إلى الإمارات.
وبينما يدفع السودانيون ثمن الحرب، تواصل أبوظبي تغذية ميليشيا الدعم السريع، وتحصل من واشنطن على الغطاء الذي يسمح لها بالظهور على طاولة الوساطة بدلاً من الوقوف أمام المساءلة.