أثار موقف كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، من الضربة الأخيرة داخل الأراضي التشادية تساؤلات بشأن الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، بعدما سارع المسؤول الأميركي إلى إدانة ما وصفه بـ«الغارات الجوية للقوات المسلحة السودانية داخل تشاد»، بينما تشير الرواية التشادية نفسها إلى قدر أكبر من التحفظ بشأن الجهة التي نفذت الهجوم، وسط تقارير تفيد بأن الهدف كان قافلة إمداد مرتبطة بميليشيا الدعم السريع.
وتزداد المفارقة وضوحاً بالنظر إلى أن مطالبة بولس بوقف الدعم العسكري والمالي الخارجي للأطراف السودانية جاءت من دون الإشارة إلى الإمارات، رغم تراكم تقارير وتحقيقات دولية وصحفية على مدار سنوات حول مسارات أسلحة ومعدات ومرتزقة مرتبطة بأبوظبي وصلت إلى ميليشيا الدعم السريع عبر دول مجاورة للسودان.

إدانة أميركية حاسمة.. ورواية تشادية أكثر تحفظاً
كتب بولس، في 24 أغسطس/آب، أن الولايات المتحدة تدين الغارات الأخيرة التي قال إن القوات المسلحة السودانية نفذتها داخل تشاد، مؤكداً أنه «لا يوجد أي مبرر على الإطلاق» لامتداد الحرب خارج حدود السودان، وداعياً إلى تطبيق حظر السلاح والعقوبات ووقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
لكن الموقف التشادي، وفق المادة التي يستند إليها التقرير، لم يكن بالحسم نفسه؛ إذ تحدث الجيش التشادي عن طائرات ومسيّرات تابعة للقوات السودانية «أو مجموعات متحالفة معها» استهدفت رتلاً من المركبات في إقليم إنيدي الشرقي، على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر من الحدود السودانية.
الأهم أن تقارير أخرى تحدثت عن أن المستهدف كان قافلة إمداد مرتبطة بميليشيا الدعم السريع، وقدّرت بعض الروايات حجمها بنحو 200 مركبة قادمة من مدينة الكفرة جنوب شرقي ليبيا.
وهنا تظهر فجوة أساسية في الرواية الأميركية: فإذا كان المطلوب التحقيق في انتهاك السيادة التشادية، فمن الضروري أيضاً التحقيق في طبيعة القافلة المستهدفة، ومن أين جاءت، وماذا كانت تحمل، وإلى أين كانت تتجه.
تشاد.. بوابة قديمة للإمدادات
لم تبدأ قضية عبور الحرب السودانية للحدود بهذه الضربة.
فمنذ 2023، ظهرت تشاد مراراً في تحقيقات تناولت خطوط الإمداد المرتبطة بميليشيا الدعم السريع. وتشير المادة إلى تحقيقات لـ«نيويورك تايمز» بشأن النشاط الإماراتي في أم جرس، وإلى معلومات استخباراتية أميركية تحدثت عن تشغيل مسيّرات صينية بعيدة المدى من هناك لدعم الميليشيا.
كما خلص فريق خبراء تابع للأمم المتحدة إلى أن المعلومات المتعلقة بنقل أسلحة وذخائر من أم جرس إلى دارفور كانت ذات مصداقية، فيما تتبعت رويترز عشرات الرحلات بين الإمارات وأم جرس.
الإمارات، في المقابل، نفت نقل أسلحة إلى ميليشيا الدعم السريع، وقالت إن نشاطها في تشاد ذو طبيعة إنسانية.
لكن القضية لم تعد قائمة على تقرير منفرد؛ فمع مرور الوقت ظهرت بيانات رحلات وتحقيقات أممية وصور أقمار صناعية وأسلحة مضبوطة وتحقيقات صحفية تتناول مسارات متعددة للإمداد.
الكفرة.. الشريان الليبي
تحتل مدينة الكفرة الليبية موقعاً مهماً في هذه الشبكة، وهو ما يجعل الحديث عن انطلاق القافلة المستهدفة منها ذا دلالة أكبر.
وبحسب تحقيقات أوردتها المادة، تحولت الكفرة، الواقعة تحت سيطرة قوات مرتبطة بخليفة حفتر، إلى نقطة لوجستية لعبور الأسلحة والوقود والمقاتلين باتجاه مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع.
كما كشف تحقيق لـ«لايتهاوس ريبورتس» بالتعاون مع جهات صحفية أخرى عن معسكرات مرتبطة بالميليشيا في شرق ليبيا، مستنداً إلى مئات المقاطع المصورة وصور الأقمار الصناعية وبيانات الحركة وشهادات منشقين، إضافة إلى توثيق وجود متعاقدين كولومبيين.
وبالتالي، فإن معرفة حقيقة القافلة التي تعرضت للقصف ليست تفصيلاً هامشياً؛ لأنها قد تضع الضربة ضمن سياق مختلف تماماً عن الصورة التي قدمها التصريح الأميركي.
من ليبيا وتشاد إلى إثيوبيا والصومال
ولا تقف المسارات المبلغ عنها عند تشاد وليبيا.
ففي فبراير/شباط 2026، كشفت رويترز عن معسكر في إقليم بني شنقول قمز الإثيوبي لتدريب آلاف المقاتلين لصالح ميليشيا الدعم السريع. ونقلت عن ثمانية مصادر، بينها مسؤول إثيوبي رفيع، أن الإمارات موّلت إنشاء المعسكر وقدمت دعماً مرتبطاً به، بينما نفت أبوظبي هذه الاتهامات.
وبحسب المعلومات الواردة في التحقيق، كان نحو 4300 مقاتل يتلقون التدريب في الموقع مطلع يناير/كانون الثاني.
وفي الصومال، ظهرت بوصاصو في بونتلاند ضمن مسارات نقل المرتزقة والإمدادات، بينما ربطت تحقيقات أخرى بين الإمارات وشبكات نقل مقاتلين كولومبيين باتجاه السودان عبر بوصاصو وليبيا.
وتظهر هنا صورة أوسع من مجرد «دعم خارجي» مجهول المصدر: شبكة إقليمية تمتد عبر أكثر من دولة، وتلتقي مساراتها في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع.
أسلحة صينية تقود الخيط نحو الإمارات
هناك أيضاً أدلة مرتبطة بالأسلحة نفسها.
ففي مايو/أيار 2025، أعلنت منظمة العفو الدولية تعرفها على قنابل صينية موجهة من طراز GB50A ومدافع هاوتزر صينية من طراز AH-4 عيار 155 مليمتراً استخدمتها أو تركتها ميليشيا الدعم السريع في السودان.
وقالت المنظمة إن الإمارات كانت المستورد الوحيد المعروف لتلك المدافع من الصين، وخلص تحقيقها إلى أن الأسلحة أُعيد تصديرها إلى السودان عبر الإمارات بدرجة عالية من الثقة.
وسبق ذلك كشف «الغارديان» عن جوازات سفر إماراتية عُثر عليها وسط معدات مرتبطة بالميليشيا، إلى جانب ذخائر ومعدات عسكرية.
ومرة أخرى نفت الإمارات تسليح ميليشيا الدعم السريع.
المرتزقة الكولومبيون.. الوجه الآخر للشبكة
الأمر لم يقتصر على السلاح.
فقد كشفت تحقيقات متعددة عن انتقال مئات العسكريين الكولومبيين السابقين إلى السودان للقتال إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، مروراً بمسارات مرتبطة بالإمارات وليبيا والصومال.
ووفق وزارة الخزانة الأميركية نفسها، شارك هؤلاء في مهام شملت تشغيل المسيّرات والمدفعية والقنص والتدريب والترجمة والقتال، وأسهم دعمهم في العمليات العسكرية التي انتهت بسيطرة الميليشيا على الفاشر وما أعقب ذلك من عمليات قتل جماعي وتعذيب وعنف جنسي، وفق الرواية الأميركية الواردة في المادة.
وهنا تصبح المفارقة أكبر: واشنطن نفسها فرضت عقوبات على شبكات تجنيد المرتزقة، لكنها تتجنب في خطابها السياسي المباشر تسمية الإمارات عند الحديث عن وقف الدعم الخارجي للحرب.
ماذا كانت تعرف واشنطن؟
المعلومات المتعلقة بالدعم الإماراتي المزعوم لم تكن بعيدة عن المؤسسات الأميركية.
ففي يناير/كانون الثاني 2025، قال عضوا الكونغرس سارة جاكوبس وكريس فان هولن إن إحاطة قدمتها الإدارة الأميركية أكدت استمرار نقل الإمارات أسلحة إلى ميليشيا الدعم السريع، بما يتناقض مع تعهدات سابقة قدمتها أبوظبي لواشنطن.
كما أوردت المادة تقريراً لـ«وول ستريت جورنال» عن تقييمات استخباراتية أميركية وثقت زيادة الإمدادات الإماراتية، بما شمل مسيّرات وأسلحة خفيفة ورشاشات ثقيلة ومركبات ومدفعية وقذائف هاون وذخائر.
أي أن المشكلة لا تتعلق بغياب المعلومات عن واشنطن، وإنما بالسؤال عن كيفية ترجمة هذه المعلومات إلى موقف سياسي.
إبادة جماعية.. وشبكة إمداد مستمرة
تكتسب القضية بعداً أكثر خطورة لأن الولايات المتحدة نفسها قررت في يناير/كانون الثاني 2025 أن عناصر من ميليشيا الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية في دارفور.
وهذا يعني أن تحديد الجهات التي وفرت للميليشيا الأسلحة والمعدات والتمويل والمقاتلين ليس سجالاً سياسياً بين السودان والإمارات، بل جزء من السؤال عن المسؤولية عن استمرار قدرة قوة متهمة أميركياً بارتكاب الإبادة على مواصلة الحرب.
ومن هنا يبدو موقف بولس منقوصاً: من حق واشنطن إدانة أي اعتداء مثبت على الأراضي التشادية والمطالبة باحترام سيادتها، لكن تطبيق المعيار نفسه يقتضي التعامل بالجدية ذاتها مع القوافل والجسور الجوية وشبكات السلاح والمرتزقة التي عبرت حدود دول المنطقة باتجاه دارفور.
لماذا غابت الإمارات عن بيان بولس؟
هذا هو السؤال الذي يبقى بعد كل تلك المعطيات.
إذا كان بولس يطالب فعلاً بوقف «الدعم المالي والعسكري الخارجي»، فإن أول اختبار لهذا الموقف هو تسمية الجهات التي توجد بشأنها أدلة وتحقيقات متراكمة، بدلاً من الاكتفاء بعبارة عامة تخفي الفاعلين خلف وصف «الدعم الخارجي».
فالحدود السودانية لم تُخترق للمرة الأولى عندما سقطت قذائف داخل تشاد.
لقد اخترقتها، وفق التحقيقات التي تستند إليها المادة، رحلات جوية إلى أم جرس، وقوافل من الكفرة، ومسارات عبر بوصاصو، ومعسكرات تدريب في إثيوبيا، وشبكات مرتزقة عابرة للقارات.
ومن ثم فإن اختزال القضية في الضربة الأخيرة وحدها يحجب السياق الأكبر: حرب سودانية تحولت إلى شبكة إقليمية للإمداد والتسليح، بينما تواجه الإمارات سلسلة طويلة من الاتهامات الموثقة صحفياً وأممياً بشأن دعم ميليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
وإذا كانت واشنطن جادة في شعار وقف التدخل الخارجي، فلا يكفي أن تسأل من قصف القافلة؛ عليها أيضاً أن تسأل: لمن كانت القافلة، ماذا كانت تحمل، من أين جاءت، ومن موّل شبكة الإمداد التي كانت تتحرك عبرها؟