نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” عبر قسمها “ذا أثليتك” تحقيقًا استقصائيًا مطولًا، كشفت فيه عن الوجه الحقيقي لتركي آل الشيخ، الذي لا يكتفي بلعب دور المتحكم الأول في عالم الملاكمة، بل يستغل هذه الرياضة لتلميع صورته وصورة النظام السعودي القمعي الذي يُعد أبرز رجاله.

سلط التحقيق الضوء على أكثر من زاوية من حياة تركي آل الشيخ، وكلها كشفت عن شخص فاسد مستبد، لا يعرف لغة سوى القمع والتهديد، من الرياضة إلى السياسية إلى الترفيه، إلى حتى حياته الخاصة وإجباره بعض الفنانات على الارتباط به دون منحهم أي حقوق.

بدأ التحقيق بالحديث عن فعالية حضرها تركي آل الشيخ في لندن، حيث ذكر أنه في أمسية باردة من أمسيات يناير في منطقة جرينيتش بلندن، التي لطالما مثلت بوابة بريطانيا إلى العالم، شهد التاريخ كيف بات المال القذر قادراً على اجتياح أكثر معاقل الرياضة عراقة، حين تحوّل قصر الكلية البحرية الملكية القديمة إلى مسرح خضوع مذلّ لهيمنة تركي آل الشيخ. اجتمع في ذلك المساء كبار أبطال الملاكمة، أمثال أولكسندر أوسيك ودانيال دوبوا وكانيلو ألفاريز، يختنقون بربطات أعناق رسمية فوق أجسادهم المجبولة بالعضلات، ليتدافعوا إلى احتفالٍ لا يجمعهم فيه حب الملاكمة ولا شرف التتويج، بل الولاء لرجل اشترى الرياضة بالنفط والابتزاز: تركي آل الشيخ، الذي أصبح بغمزة من إصبعه قادراً على جمع هؤلاء الأبطال كما تُجمع الدمى حول مائدة سيدها.

خلال العشاء الفاخر، جلس آل الشيخ متصدرًا المائدة الرئيسية، يتوسط كبار المروجين أمثال فرانك وارن، ولا يبعد عنه سوى مقعد واحد الملاكم كانيلو ألفاريز، نجم الملاكمة الأكثر تسويقًا. وتم استقدام مايكل بافر، مذيع الملاكمة الأشهر، خصيصًا من الولايات المتحدة ليضفي بريقًا مزيّفًا على هذه السهرة الملوثة. أما المروجون الآخرون، فقد فضّل بعضهم التخلي عن بطولاتهم التي نظموها بأنفسهم فقط ليتواجدوا تحت أقدام هذا الرجل الذي لا يعرف من الرياضة سوى سلطة المال.

وفي لقطة تختصر مشهد الانهيار الأخلاقي، وقف آل الشيخ متصدرًا الصورة الجماعية تحت قبة زخرفية مذهّبة تعرف بلقب “كنيسة بريطانيا السيستينية”، يتباهى بنظاراته السوداء وغطرسته، ومن خلفه أربعون من أقوى شخصيات عالم الملاكمة، وكأنهم شهود زور على صفقة إذعان عالمية. مشهد لم يكن غريبًا عن الرجل الذي لم يتورع قبل شهور قليلة عن عزف النشيد الوطني السعودي في قلب استاد ويمبلي، معقل كرة القدم الإنجليزية، معلنًا للعالم أن النفوذ السعودي لا يتوقف عند حدود الصفقات، بل يتسلل إلى الرمزيات والكرامة الوطنية.

كشف التحقيق أن آل الشيخ يمارس سطوته عبر شيك مفتوح تموله الهيئة العامة للترفيه، المؤسسة التي حوّلها إلى ذراع مالية لشراء رموز الرياضة والثقافة، تحت غطاء “الانفتاح” المزعوم. فمن رياضة كانت بالكاد تنجح في ترتيب مواجهات كبرى، استطاع آل الشيخ أن يتحول إلى سمسار لقاءات تاريخية كان العالم يعتقد أنها لن تحدث أبدًا. لكن آل الشيخ لم يكتف بالهيمنة على ساحات الحلبة، بل مدّ يده القذرة إلى الإعلام الرياضي ذاته، عبر شراء مجلة “ذا رينج” العريقة التي يعود تأسيسها إلى أكثر من مئة عام، في نوفمبر 2024، ثم السيطرة على حساب صحفي شهير على منصة “إكس” يضم أكثر من 300 ألف متابع، وتحويله ببساطة إلى الحساب الرسمي للمجلة، في مشهد فجّ لإعادة صياغة الرواية الإعلامية بما يخدم دعايته المسمومة.

وفي محاولة مكشوفة لتبرير هذه السيطرة الفجة، تدافع بعض نجوم الملاكمة ممن استُقطبوا بالمال إلى التغني بفضائل آل الشيخ. إذ صرح تيرينس كراوفورد، أحد أبرز الملاكمين في العالم، لقناة ESPN بأن “تركي ينجح لأنه يعامل الملاكمين كشركاء لا كأعداء”، مضيفًا ببلاهة أن “تركي جاء ليصلح أعظم رياضة في العالم”. كلمات فارغة لا تخفي حقيقة أن المال السياسي الفاسد أصبح هو الحكم الوحيد فوق حلبات الملاكمة.

لم يكن تحقيق “ذا أثليتك” قائمًا على تكهنات أو اجتهادات صحفية عابرة، بل استند إلى جهد توثيقي ضخم، شمل إجراء أكثر من أربعين مقابلة مع شخصيات متنوعة من قلب عالم الملاكمة، ومن داخل أروقة الديوان الملكي السعودي، ومن دوائر الأعمال العالمية المتشابكة مع السلطة السعودية. هذا العدد الهائل من الشهادات، التي أدلى بها الغالبية العظمى من أصحابها تحت شرط السرية المطلقة خوفًا على حياتهم ومصالحهم، كشف صورة متماسكة ومروعة لتركي آل الشيخ: ليس مجرد مروج رياضي متعطش للأضواء، بل ذراع قمعية للنظام السعودي تمتد من ساحات الملاكمة إلى أقبية السجون. هذه المقابلات، بكل ما حملته من تفاصيل دامغة، تؤكد أن وراء بريق الحفلات والبطولات، رجلًا يتحرك بأوامر السلطة القمعية، وينفذ سياسات القهر والإسكات بأدوات ناعمة حينًا وفظة حينًا آخر. لا صوت ارتفع ليبرئه بين هذا العدد الضخم من الشهادات، بل كانت كل قصة وكل شهادة، طوبة إضافية في جدار الإدانة الذي يحاصر تركي آل الشيخ من كل اتجاه.

ورسمت هذه الشهادات صورة صادمة لرجل يعمل كمروج لامع أمام الكاميرات، لكنه في الخفاء جزء أساسي من منظومة قمع تحكم البلاد بقبضة حديدية. شهادات تحدثت عن قمع المعارضين لمجرد تغريدة، عن اعتقالات، عن أجنحة كاملة في السجون مخصصة لضحاياه ممن انتقدوه على وسائل التواصل الاجتماعي، عن ولائه الأعمى لمحمد بن سلمان، عن دوره في تسهيل الصعود الدموي للسلطة، عن نوبات غضبه الصبيانية في أوساط النخبة السعودية، وعن ارتباطاته بأشخاص مشبوهين فارين من العدالة الدولية، وعن فضيحة إخفاء المطربة المصرية أمل ماهر قسرًا بعد اتهامها له بالاعتداء عليها.

ورغم محاولات الصحفيين التواصل مع آل الشيخ للرد على هذه الاتهامات الثقيلة، فإنه التزم الصمت، مدركًا أن لا شيء يمكن أن يغسل هذه السيرة الملوثة. وكما قال أحد المدربين المخضرمين: “الملاكمة لطالما جذبت مثل هذه الشخصيات… لكنك لن تسمع شيئًا من أهل اللعبة، فالكل غارق في الحوض”، في اعتراف صريح بأن عالم الملاكمة اليوم صار ملعبًا لأموال الابتزاز وشراء الذمم.

هكذا، خلف الأضواء المبهرجة، والأحزمة الذهبية اللامعة، والنظارات السوداء المتعجرفة، يقف تركي آل الشيخ عاريًا من المجد، محاطًا بعار الاستبداد والفساد.

يُتبع