في إطار السلسلة التي ننشرها تباعًا عن الوجه الخفي لتركي آل الشيخ، استنادًا إلى التحقيق الاستقصائي الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عبر قسم “ذا أثليتك”، نتناول في هذا الجزء العلاقة العميقة التي جمعت بين تركي آل الشيخ ومحمد بن سلمان منذ بداياتهما، وكيف أسهم آل الشيخ بشكل مباشر في تثبيت أقدام بن سلمان على عرش السلطة، عبر سلسلة من الولاءات المطلقة والمهام القذرة التي نفذها دون تردد.
على الرغم مما يبدو من مظهر النفوذ الساحق الذي يحظى به تركي آل الشيخ اليوم، إلا أن الحقيقة، بحسب ما كشفه التحقيق، هي أن هذا الرجل يعلم جيدًا أن موقعه لا يستند إلى قاعدة صلبة، بل هو معلق برغبة شخص واحد: محمد بن سلمان. يدرك آل الشيخ أن هذا النوع من الولاء التام لا يعني الأمان، بل يعني أن أي لحظة غضب أو شك قد تعني سقوطه إلى الهاوية دون سابق إنذار. ولهذا، يعيش في حالة دائمة من القلق والارتياب، يسعى خلالها إلى سحق أي نقد شخصي، مهما كان بسيطًا، قبل أن يتطور ويصل إلى آذان ولي العهد.
تعود العلاقة بين الرجلين إلى بدايات الألفية الثانية، عندما كان محمد بن سلمان شابًا مغمورًا لا يُتوقع له مستقبل سياسي، بينما كان تركي آل الشيخ ضابطًا مغمورًا في جهاز الأمن. جمعتهما الهوايات الليلية، من ألعاب الفيديو مثل League of Legends وAssassin’s Creed، إلى متابعة عروض المصارعة الأمريكية. هذه العلاقة التي بدت تافهة في بدايتها، سرعان ما تحولت إلى رابطة سياسية متينة حين بدأ بن سلمان يتسلق سلّم السلطة. كان آل الشيخ جزءًا من الدائرة الضيقة التي أحاطت بابن سلمان، بل من الذين ساعدوه فعليًا في الإفلات من رقابة والده الملك سلمان، والتخطيط لسهراته وخروجاته بعيدًا عن الأنظار.
ومع انتقال محمد بن سلمان إلى دائرة صنع القرار، لم يتخلَ عن صديقه القديم. بل استدعى ولاءه المطلق، واستخدمه كأداة فعالة في معارك تثبيت الحكم. حين حان الوقت لإزاحة محمد بن نايف، ولي العهد السابق، عن طريق العرش، كان تركي آل الشيخ حاضرًا في المشهد. في عام 2017، اقتيد ابن نايف إلى قصر الصفا في مكة، حيث كان آل الشيخ ورفاقه بانتظاره، وأُجبر تحت الإكراه على التنازل عن منصبه لصالح محمد بن سلمان. الفيديو الذي أذاعته القنوات الرسمية لاحقًا، والذي أظهر ابن نايف وهو يبايع ابن عمه بنظرات شاردة، لم يكشف حقيقة الرعب الذي مورس خلف الكواليس. أحد المصادر أشار إلى أن محمد بن نايف بعث برسالة نصية إلى أحد مستشاريه قال فيها: “عندما أعلنت البيعة، كان هناك سلاح مصوب إلى ظهري.” في تلك اللحظة المصيرية، كان تركي آل الشيخ جزءًا من آلة الإكراه التي مهدت طريق ولي العهد الجديد.
دور آل الشيخ لم يقتصر على انقلاب القصر، بل كان عنصرًا أساسيًا في ما يعرف اليوم بـ”حملة الريتز”، عندما تم اعتقال أكثر من 300 رجل أعمال وأمير سعودي بارز تحت شعار مكافحة الفساد. خلف جدران فندق الريتز كارلتون الفاخر، تم احتجاز هؤلاء وتعذيبهم حتى وقعوا على تنازلات مالية ضخمة لصالح خزينة الدولة. التحقيق نقل عن مصادر موثوقة أن بعض المحتجزين تعرفوا على صوت تركي آل الشيخ خلال جلسات التحقيق، حيث كان يدخن الشيشة على مقربة من غرف التعذيب، فيما تعزف موسيقى خفيفة في الخلفية، وكأن الأمر مجرد سهرة عابثة على حساب كرامة المعتقلين.
بفضل هذا الولاء الأعمى وهذا الاستعداد لأداء أكثر المهام قذارة، صعد نجم تركي آل الشيخ بسرعة. ولكن مع ترسيخ محمد بن سلمان لسلطته المطلقة، تغيرت طبيعة مهمة آل الشيخ. في عام 2018، وبعد الإطاحة برئيس هيئة الترفيه السابق بسبب جدل حول عرض فني اعتُبر مسيئًا، تم تعيين تركي آل الشيخ على رأس الهيئة، ليبدأ فصل جديد من استخدام الثقافة والفنون كأداة لتطبيع القمع وتلميع صورة النظام أمام العالم.
هكذا، تحوّل تركي آل الشيخ من مجرد ضابط إداري مغمور إلى واحد من أبرز رموز النظام السعودي، لا بفضل كفاءته أو إنجازاته، بل بفضل استعداده الكامل لأن يكون خادمًا مطيعًا لتنفيذ أوامر القمع، من كواليس الانقلابات إلى صفقات الملاكمة العالمية.