الخرطوم –

في واحدة من أخطر الشهادات الرسمية منذ اندلاع الحرب السودانية، كشفت وزيرة الدولة للتنمية الاجتماعية والموارد البشرية سليمى إسحاق عن تصاعد غير مسبوق في جرائم ميليشيا الدعم السريع، مؤكدة أن الميليشيا توسّعت خلال الأسابيع الأخيرة في التجنيد القسري للأطفال والشباب، واستخدمت العنف الجنسي والاغتصاب كسلاح حرب ممنهج، شمل الاسترقاق والاتجار بالفتيات عبر الحدود، في ظل تواطؤ إقليمي ودعم خارجي “معروف المصدر”، على حد تعبيرها.

تجنيد قسري وحرب على المجتمع

وأوضحت سليمى، في تصريحات لـ”الجزيرة نت”، أن وزارتها تلقت تقارير موثقة عن حملات تجنيد قسري نفذتها ميليشيا الدعم السريع في ولايتي غرب وجنوب كردفان، استهدفت أطفالًا وشبابًا جرى اقتيادهم بالقوة للقتال. واعتبرت الوزيرة أن هذه الممارسات لا تنفصل عن استراتيجية أوسع لتفريغ المجتمع من عناصره الفاعلة، وإطالة أمد الحرب عبر تحويل المدنيين إلى وقود لها.

وأضافت أن الميليشيا لا تكتفي بالتجنيد، بل تفرض حصارات على مدن كاملة، وتقصف أحياء سكنية، وتستخدم شعار “حماية المدنيين” كأداة ابتزاز سياسي للضغط على الحكومة السودانية للجلوس إلى طاولة تفاوض تمنحها مكاسب لا تستطيع تحقيقها عسكريًا.

اختطاف واسترقاق وبيع عبر الحدود

وفي شهادة صادمة، تحدثت الوزيرة خلال لقاء مع إعلاميين سودانيين ومصريين في القاهرة عن اختطاف فتيات وبيعهن في “أسواق” بدول مجاورة، لا سيما تشاد وأفريقيا الوسطى، متهمة سلطات في تلك الدول بالتغاضي أو التواطؤ. كما كشفت عن احتجاز مئات النساء في مدينة نيالا، وحالات اختفاء واسعة تتحفظ الأسر على إعلانها خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام.

وأشارت إلى أن بعض النساء عشن في حالات استرقاق كاملة، حُرمن فيها من الطعام والدواء، وأُجبرن على تعاطي المخدرات، ما فاقم احتياجاتهن للعلاج النفسي والجسدي. وروت واقعة عن قائد ميداني يُدعى “فرعون” خلال سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة، كان يتباهى بارتداء ذهب النساء المنهوب، ويزرع الرعب أينما ظهر، في صورة تجسد منطق الإذلال الممنهج.

أرقام صادمة ومسؤولية دولية

ورغم صعوبة الحصر، قالت سليمى إن ما جرى توثيقه لا يمثل سوى “قمة جبل الجليد”. فقد تم رصد 1844 امرأة ناجية قبل سقوط الفاشر، إضافة إلى عشرات الحالات في بارا بشمال كردفان، ونحو 1300 حالة وثقتها النيابة العامة في مخيمات النازحين بالدبة شمال البلاد. وأفادت بأن 70% من الضحايا خضعن لإجهاض “قانوني”، وأن 221 حالة اغتصاب كانت لأطفال دون الخامسة عشرة، من بينهن خمس رضّع لم تتجاوز أعمارهن عامًا واحدًا.

تعقيدات اجتماعية وانهيار صحي

وتحدثت الوزيرة عن حساسية التعامل مع قضايا الاغتصاب في مجتمع تحكمه موروثات قاسية، إضافة إلى تعقيدات قانونية وطبية، خاصة مع انهيار النظام الصحي. ولفتت إلى جدل مستمر حول شرعية الإجهاض، ورفض بعض الأطباء التعامل مع الحالات خوفًا على سمعتهم، ما يضاعف معاناة الضحايا ويدفع بعض الأسر إلى حلول قسرية، من بينها الضغط على الفتيات للتخلص من الحمل.

وأكدت ضرورة إنشاء دور رعاية لأطفال الاغتصاب حتى لا يتحولوا إلى ضحايا جدد للجريمة والعنف، مشيرة إلى تسجيل حالات انتحار بين نساء تعرضن للاعتداء، وإلى وجود نساء فقدن الذاكرة أو لا تعرفهن أسرهن بعد تحرير مناطق كانت تحت سيطرة الدعم السريع.

العنف الجنسي كرسالة إذلال

وبحسب سليمى، لم يتوقف العنف الجنسي عند حدود الاعتداء، بل امتد إلى الإخضاع القسري عبر تصوير مقاطع فيديو تُستخدم لإذلال النساء وتوجيه رسالة كسر نفسي للرجال والمجتمع بأسره. وقالت إن هذه الجرائم بدأت مبكرًا منذ الشهر الثاني للحرب، خصوصًا في الخرطوم بحري، لكن المجتمع الدولي لم يبدأ التعامل الجدي معها إلا بعد عام كامل، رغم التحذيرات المبكرة.

الدور الإماراتي: دعم خفي ووقود للحرب

وفي ختام حديثها، شددت الوزيرة على أن هذه الجرائم لا يمكن فصلها عن شبكات الدعم الإقليمي، متهمة الإمارات العربية المتحدة بلعب دور خبيث في تغذية الحرب، عبر دعم سياسي ومالي ولوجستي مكّن ميليشيا الدعم السريع من الاستمرار في انتهاكاتها. واعتبرت أن الصمت الدولي إزاء هذا الدور يشجع على الإفلات من العقاب، ويطيل أمد مأساة السودانيين، خصوصًا النساء اللواتي تحوّلت أجسادهن إلى ساحات حرب مفتوحة.

اقرأ أيضا : السعودية تُعدم ثلاثة مواطنين في القصيم.. عقوبة تُستخدم على نطاق مفرط