في تصريح يعكس عمق الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي خلّفتها الحرب المشتعلة في السودان منذ أكثر من عام ونصف، قال وزير الدولة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في السودان، المستشار محمد نور عبد الدائم، في مقابلة خاصة إن الحرب “دمّرت العديد من أوجه البنية التحتية والمنشآت والقطاعات المنتجة بدرجة غير مسبوقة”، مؤكدا أن الخرطوم دخلت فعلياً أولى مراحل التعافي رغم ضآلة الإمكانات وشحّ الموارد. 

غير أن اللافت في هذه المرحلة، بحسب مراقبين، هو الدور التخريبي الذي لعبته الإمارات بتمويلها الميليشيات وإطالة أمد الحرب، وهو ما ألقى بظلال قاتمة على قدرة البلاد على النهوض السريع.

من الدمار الشامل إلى محاولة التقاط الأنفاس

يرى الوزير السوداني أن حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية الاقتصادية في البلاد “غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث”، حيث طالت الحرب المصانع، وشبكات النقل، والمخازن، والقطاعات الزراعية والحيوانية، إضافة إلى توقف المعابر التجارية وانهيار النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة. وقد تسبب ذلك في انكماش الإنتاج القومي، وإغلاق مئات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتراجع حركة التجارة الإقليمية التي كانت تشكل رئة اقتصادية للبلاد.

ويشير عبد الدائم إلى أن تراجع الإيرادات القومية وصل إلى “مستويات خطيرة”، الأمر الذي جعل الحكومة تعمل على إدارة موارد شبه منهارة، في وقت تتزايد فيه التحديات الإنسانية مع نزوح أكثر من 8 ملايين سوداني داخلياً وخارجياً.

إجرام الإمارات.. من تمويل الحرب إلى خنق الاقتصاد

ورغم أن الوزير لم يتطرق صراحة إلى الدور الخارجي في إذكاء الحرب، إلا أن التحليلات السياسية والحقوقية تربط بشكل مباشر بين الدمار الاقتصادي الراهن وبين الدعم الإماراتي الواسع لقوات الدعم السريع، التي كانت محركاً أساسياً لاشتعال الصراع.

فوفق تقارير أممية وصحفية غربية، من بينها الغارديان وأسوشييتد برس، قامت أبوظبي بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والذخيرة، وفتحت لها خطوط إمداد عبر عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى تشغيل شبكات تهريب للذهب السوداني الذي استُنزفت به خزائن الدولة. هذا الدور، الذي تصفه دوائر سودانية بأنه “إجرام ممنهج”، لم يؤدِ فقط إلى إطالة أمد الحرب، بل أسهم مباشرة في تدمير القاعدة الإنتاجية التي يقوم عليها الاقتصاد السوداني.

ويقول خبراء اقتصاد إن فقدان السيطرة على مناجم الذهب، وتهريب كميات ضخمة منه عبر وسطاء مرتبطين بشركات إماراتية، فضلاً عن تدمير سلاسل الإمداد الزراعية والصناعية، أدى إلى نزيف مالي مرعب، وحرمان الخزينة العامة من أهم مصادر الدخل في البلاد.

انهيار الصادرات.. السودان في مأزق تجاري

وبحسب الوزير عبد الدائم، فإن الصادرات السودانية من الذهب والمحاصيل الزراعية “تراجعت بصورة حادة”، ما تسبب في شلل شبه كامل لحركة النقد الأجنبي، وانهيار الميزان التجاري. ويلفت إلى أن السودان لم يتلقَّ دعماً دولياً مباشراً يذكر خلال الحرب، وهو ما جعل الحكومة المدنية تواجه الأزمة بإمكانات شبه معدومة.

هذا التراجع انعكس على سعر صرف الجنيه السوداني الذي خسر أكثر من 80% من قيمته، وعلى الأسعار التي ارتفعت بشكل جنوني، إذ باتت تكلفة النقل، والغذاء، والدواء، تفوق قدرة معظم الأسر السودانية.

من الإغاثة إلى إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية

ويكشف الوزير أن الحكومة الجديدة انتقلت من مرحلة الطوارئ الإنسانية إلى مرحلة إعادة تشغيل القطاع الإنتاجي، في خطوة تعد الأخطر والأكثر حساسية في ظرف اقتصادي هش للغاية. ويقول إن الحكومة تعمل على فتح خطوط ائتمان جديدة مع عدة دول، من أجل توفير تمويل عاجل لبرنامج إعادة الإعمار.

كما تعمل الحكومة، بحسب عبد الدائم، على إعادة ترتيب الأولويات وفق حجم الدمار، مع التركيز على إعادة البناء في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الزراعة، والصناعة، والطاقة، إضافة إلى توجيه الدعم الخارجي للفئات الأكثر تضرراً، وخاصة النازحين.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل رئيسي على وقف التدخلات الإماراتية ودعم المجتمع الدولي لحكومة مدنية قادرة على احتواء الانهيار.

بداية التعافي.. لكن الطريق طويل

يؤكد الوزير السوداني أن البلاد دخلت فعلاً “أولى مراحل التعافي”، لكنه يشير إلى أن الطريق ما يزال طويلاً وشاقاً، وأن السودان يحتاج إلى سنوات لاستعادة جزء من بنيته الإنتاجية، ما لم تتوقف الحرب تماماً ويتم تأمين موارد مستدامة لإعادة الإعمار.

ويرى الخبراء أن التحدي الأكبر يكمن في إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، واستعادة السيطرة على الموارد الطبيعية، وخاصة الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية، التي كانت تاريخياً أعمدة الاقتصاد.

خاتمة: تعافٍ بطيء في ظل جراح مفتوحة

رغم أن الوزير السوداني يقدم رؤية متفائلة نسبياً، إلا أن الواقع يكشف أن البلاد تواجه واحدة من أعقد المراحل في تاريخها. فالحرب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل أعادت تشكيل الاقتصاد عبر الميليشيات والدعم الخارجي، وعلى رأسه الإماراتي، وهو ما يعني أن التعافي الحقيقي يتطلب وقف النزيف السياسي والأمني والاقتصادي في آن واحد.

السودان، كما يقول عبد الدائم، بدأ يتعافى، لكن التعافي لن يكتمل ما لم تتوقف الحرب، وما لم تُحاسَب الأطراف الخارجية التي شاركت في تدمير بلد كامل من أجل النفوذ والذهب.

اقرأ أيضًا : منظمات حقوقية: بريطانيا تستخدم قوانين الإرهاب لقمع الداعمين لفلسطين