في تصريح يعكس العقلية الإمبريالية القديمة، طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة السماح للسفن العسكرية والتجارية الأميركية بالمرور مجانًا عبر قناتي بنما والسويس، مبررًا ذلك بأن الولايات المتحدة “هي من أنشأت القناتين”، وأنه “لولا الولايات المتحدة لما وُجدتا أصلًا”، بحسب تعبيره الصادم.

وأضاف ترامب خلال تجمع انتخابي، أنه كلّف وزير خارجيته الجديد، ماركو روبيو، بمتابعة هذا الملف “على الفور”، في إشارة واضحة إلى نيته تحويل هذا التصريح إلى ضغط سياسي واقتصادي فعلي على حكومتي بنما ومصر.

بلطجة واضحة وإحياء لمبدأ “أميركا أولًا”

تصريحات ترامب ليست جديدة على سياسته التي لطالما تبنّت مبدأ “أميركا أولًا”، لكنها هذه المرة اتخذت طابعًا فجًّا واستعماريًا قديمًا، حين تحدث عن ممرات مائية سيادية وكأنها أملاك خاصة للولايات المتحدة.

فقناة بنما، التي تم شقها بدعم أميركي كبير أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت بالفعل تحت سيطرة واشنطن حتى عام 1999 عندما انتقلت سيادتها رسميًا إلى بنما. أما قناة السويس، فقد تم حفرها بجهود فرنسية ومصرية بالأساس، وأمّمتها مصر عام 1956 في خطوة تاريخية بقيادة جمال عبد الناصر، دافعت فيها عن سيادتها ضد العدوان الثلاثي الذي شنّته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ردًا على هذا القرار.

ترامب، وهو يطالب بمرور مجاني في القناتين، يتجاهل كل الحقائق التاريخية، ويتحدث بمنطق استعماري بحت، متناسيا أن قناة السويس تحديدًا تحوّلت إلى رمز عالمي للسيادة الوطنية ولمقاومة الاستعمار والهيمنة.

بل إنه، بتصريحه هذا، يحاول إحياء نوع من “استعمار الطرق التجارية”، الذي كان سائدا في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكن هذه المرة تحت عباءة الابتزاز السياسي والاقتصادي لا الاحتلال العسكري التقليدي.

السيسي.. خضوع يفتح شهية ترامب على المزيد

وفي ظل هذه التصريحات الفظة، تتجه الأنظار إلى موقف النظام المصري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي يظهر مرة تلو الأخرى ضعفه الفادح وخضوعه الكامل أمام الإملاءات الأميركية.

ففي كل مناسبة تتعلق بالسيادة الوطنية، تثبت مواقف السيسي أن سيادة مصر أصبحت مادة للمساومة، إما لكسب دعم سياسي أميركي أو لضمان رضا إدارة واشنطن عن بقائه في السلطة.

ومن المعروف أن النظام المصري الحالي سبق أن قدم تنازلات كبيرة في ملفات استراتيجية عديدة، من بينها صفقة القرن، والتطبيع العربي الإسرائيلي، بل وحتى السماح بإضعاف دور مصر الإقليمي لصالح تحالفات إقليمية أخرى مدعومة أميركيًا.

والآن، مع تصريح ترامب الأخير، تبدو القاهرة مهددة بأن تُجبر — أو تختار طوعًا — على قبول المرور المجاني للسفن الأميركية عبر قناة السويس، بما يمثل صفعة قاسية على سيادتها واستقلال قرارها السياسي والاقتصادي.

ورغم أن قناة السويس تمثل رافدًا أساسيًا من روافد الدخل القومي المصري، ورافعة سيادية ذات طابع استراتيجي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن السيسي لن يجرؤ على التصدي لهذه الإملاءات، لا بالتصريحات ولا بالفعل.

تهديد للأمن القومي وامتحان للكرامة الوطنية

قبول أي صيغة تتيح مرور السفن الأميركية مجانًا عبر قناة السويس سيكون بمثابة تفريط خطير بسيادة مصر على أهم شريان مائي في الشرق الأوسط.

فمن الناحية الاقتصادية، يعني ذلك خسائر فادحة لعائدات القناة التي تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، ومن الناحية الاستراتيجية، يعني فتح المجال أمام الهيمنة الأميركية الكاملة على واحد من أهم الممرات الملاحية العالمية.

ولا يخفى أن قناة السويس لطالما كانت جزءًا من معادلة الأمن القومي المصري، ليس فقط لأنها ممر تجاري بل لأنها نقطة قوة سياسية وجيوسياسية أساسية.

وبالتالي، فإن أي تهاون مع الضغوط الأميركية سيؤسس لسابقة خطيرة، قد تفتح الباب لمطالب مماثلة من قوى كبرى أخرى، مما يحوّل القناة تدريجيًا إلى ممر “دولي خاضع” بدلًا من كونه مرفقًا سياديًا مصريًا خالصًا.

ومع كل ذلك، تبدو الأوساط الرسمية في القاهرة حتى الآن صامتة على هذا التصريح الاستعماري الخطير، في مشهد يلخص ببساطة حال مصر تحت حكم السيسي: خنوع كامل، وخضوع مريع أمام الخارج، ومزيد من الإفقار الداخلي والانهيار للكرامة الوطنية.

خاتمة

تصريحات ترامب الأخيرة حول قناة السويس وقناة بنما ليست مجرد زلة لسان أو دعاية انتخابية؛ بل تعبير صارخ عن التوجه الأميركي لإعادة فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العالم من بوابة الممرات المائية الحيوية.

وفي ظل نظام مصري ضعيف ومستسلم، تبدو معركة الحفاظ على السيادة الوطنية في خطر حقيقي، ما لم يتحرك الشارع المصري والقوى الوطنية لمنع بيع السيادة كما بيعت الأرض والثروات.

اقرأ أيضًا : تحذيرات من خطط السيسي لتحويل مساجد مصر إلى مدارس .. ما القصة؟