أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وفاة 20 سجيناً داخل السجون ومراكز الإيقاف في تونس خلال موجة الحر الشديدة التي تضرب البلاد منذ أسابيع، وسط اتهامات لوزارة العدل بالتعتيم على حقيقة الأوضاع داخل المؤسسات السجنية وعدم نشر بيانات رسمية بشأن الوفيات.

وقال عضو الرابطة محيي الدين لاغة إن حصيلة الوفيات جُمعت استناداً إلى بلاغات تلقتها المنظمة من عائلات السجناء والمحامين وفروع الرابطة في مختلف المناطق، مشيراً إلى أنها أعلى حصيلة ترصد داخل مراكز الإيقاف، مع ترجيحات بأن يكون العدد الحقيقي أكبر من الحالات التي تمكنت المنظمة من توثيقها.

وفي الوقت نفسه، تحقق المحكمة الابتدائية في 16 حالة وفاة، بينما حمّلت الرابطة وزارة العدل مسؤولية عدم الإفصاح عن حقيقة ما يجري داخل السجون وغياب البيانات الرسمية التي توضح أسباب الوفيات وملابساتها.

وتأتي الوفيات وسط موجة حر استثنائية شهدتها تونس خلال الصيف، تجاوزت خلالها درجات الحرارة 49 درجة مئوية في بعض المحافظات، بالتزامن مع انقطاعات متكررة للكهرباء وإمدادات المياه، ما ضاعف المخاطر التي يواجهها السجناء داخل منشآت تعاني أصلاً من الاكتظاظ وضعف التهوية والخدمات الصحية.

وكانت فروع الرابطة قد بدأت خلال أغسطس/آب بالإبلاغ عن تدهور الأوضاع الصحية داخل عدد من السجون. ففي السجن المدني بالمهدية، نُقل سجينان إلى العناية المركزة بعد تدهور حالتهما الصحية، بينما سجلت وفاة سجين في قفصة إثر سكتة قلبية، وربط حقوقيون هذه الحالات بظروف الاحتجاز الصعبة التي تفاقمت مع الحرارة الشديدة والاكتظاظ.

ولا تبدو أزمة الحرارة منفصلة عن مشكلة أعمق داخل السجون التونسية، إذ تشير بيانات حقوقية إلى أن نسبة الإشغال في بعض المؤسسات السجنية تجاوزت 200%، بينما يناهز إجمالي عدد السجناء 33 ألفاً، الأمر الذي ينعكس على المساحات المتاحة للنزلاء والتهوية والنظافة والحصول على الرعاية الصحية.

وتضم تونس نحو 30 مؤسسة سجنية موزعة على 22 ولاية، إضافة إلى مراكز إصلاح للأطفال، وتخضع جميعها لإشراف وزارة العدل، فيما تواصل منظمات حقوقية التحذير من ضعف استخدام العقوبات البديلة والإفراط في اللجوء إلى الإيداع بالسجن، بما يفاقم أزمة الاكتظاظ.

ودفعت الأزمة منظمات حقوقية إلى المطالبة بما وصفته بـ «العفو المناخي»، عبر الإفراج عن أكبر عدد ممكن من السجناء الذين تسمح أوضاعهم القانونية بذلك، إلى جانب توسيع استخدام العقوبات البديلة، خصوصاً لكبار السن والمرضى والفئات الأكثر عرضة لمخاطر الحرارة، بهدف خفض الاكتظاظ وحماية حياة المحتجزين.

وتتزامن أزمة السجون مع حصيلة ثقيلة لموجة الحر في تونس عموماً؛ إذ قدرت المنظمة التونسية للأطباء الشبان في يوليو/تموز عدد الوفيات المرتبطة بالموجة بما يتراوح بين 150 و200 شخص، وانتقدت غياب إحصاءات رسمية شاملة من وزارة الصحة تسمح بتقييم الحجم الحقيقي للأزمة.

وتضع وفاة 20 سجيناً السلطات التونسية أمام مطالب متزايدة بالكشف عن أسباب كل حالة على حدة، خصوصاً أن تزامن الوفيات مع موجة الحر لا يكفي وحده لإثبات أن الحرارة كانت السبب الطبي المباشر لجميع الحالات.

لكن الحصيلة تعيد في الوقت نفسه ملف ظروف الاحتجاز إلى الواجهة، وسط أسئلة بشأن مسؤولية السلطات عن توفير التهوية والمياه والرعاية الطبية والحماية من درجات الحرارة الخطرة، وعن سبب استمرار الاكتظاظ الشديد داخل بعض المؤسسات السجنية رغم التحذيرات الحقوقية المتكررة.

وبينما تحقق السلطات القضائية في 16 وفاة، تطالب المنظمات الحقوقية بالكشف الكامل عن نتائج التحقيقات وعدم الاكتفاء باعتبار موجة الحر ظرفاً استثنائياً، مؤكدة أن حماية حياة السجين وتوفير ظروف احتجاز إنسانية تظل مسؤولية الدولة بصرف النظر عن طبيعة التهم أو الأحكام الصادرة بحقه.