شهد شارع الثورة وسط العاصمة التونسية مساء الجمعة، وقفة احتجاجية نظمتها جبهة الخلاص الوطني للتعبير عن التضامن مع المعتقلين السياسيين الذين تقول المعارضة إنهم محتجزون بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، بينما تصر السلطات على أنهم متهمون في قضايا جنائية تتعلق بـ”التآمر على أمن الدولة” و”الفساد”.

نداءات الحرية وصوت الشارع

تجمع العشرات أمام مدارج المسرح البلدي، حيث علت الشعارات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وأبرزها: “لا قضاء لا قانون.. شرفاء في السجون” و*”حريات.. يا قضاء التعليمات”*. هذه الهتافات لم تكن مجرد صرخات في الهواء، بل جاءت لتؤكد استمرار حالة الغضب الشعبي من المسار الذي اتخذه الرئيس قيس سعيّد منذ يوليو/تموز 2021، حين أقدم على حل البرلمان وتعطيل الدستور، لتدخل البلاد في مرحلة استثنائية لا تزال مثار جدل واسع داخليًا وخارجيًا.

في كلمته أمام المحتجين، شدد بلقاسم حسن، القيادي في حركة النهضة وعضو جبهة الخلاص، على أن القضية ليست مجرد ملفات قضائية، بل هي معركة وجودية للديمقراطية في تونس. وقال: “لن نتوقف ولن نكف ولن نتراجع أبدا عن هذه القضية الوطنية والحقوقية والإنسانية”، مضيفًا أن المعارضة ستواصل النضال حتى يتم إطلاق سراح المعتقلين أو عرضهم على محاكمات شفافة وعادلة أمام الشعب.

السلطة: القضاء مستقل والمعارضة ترفض الرواية الرسمية

من جانبها، تكرر السلطات روايتها بأن “القضاء مستقل”، وأن الإجراءات القانونية بحق الموقوفين تأتي وفقًا للقانون، وأنه لا وجود لمعتقلين سياسيين في تونس. وترى حكومة سعيّد أن وصف هؤلاء بـ”المعتقلين السياسيين” محاولة لتسييس قضايا جنائية، تتعلق وفق قولها بأمن الدولة وجرائم فساد.

غير أن المعارضة تصف هذا الموقف بأنه مجرد واجهة لسياسة قمعية أوسع. فمنذ انقلاب سعيّد على المؤسسات المنتخبة، أُغلقت الفضاءات السياسية، وضيّقت حرية الإعلام، واعتُقل العشرات من قيادات الأحزاب، على رأسهم قياديون في حركة النهضة، ونشطاء حقوقيون وصحفيون بارزون. ويؤكد معارضو سعيّد أن القضاء بات أداة بيد السلطة التنفيذية، يُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين وإعادة تونس إلى مربع الاستبداد.

من الثورة إلى الانتكاسة: تونس بين حلم الديمقراطية وواقع القمع

يأتي هذا المشهد بعد أكثر من 12 عامًا على ثورة 2011، التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي وأطلقت موجة من الآمال في بناء ديمقراطية حقيقية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت انتكاسة كبيرة، مع تزايد تركيز السلطات في يد الرئيس سعيّد، وغياب الحوار الوطني الجامع، وتراجع استقلالية القضاء.

وتحذّر منظمات حقوقية دولية، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من أن تونس تنزلق إلى حكم الفرد الواحد. فقد وثّقت هذه المنظمات محاكمات وصفتها بغير العادلة، واعتقالات تعسفية، وتوظيف القضاء لإسكات الأصوات المعارضة.

وبالنسبة للمعارضة التونسية، فإن استمرار اعتقال قياداتها لا يمثل فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل يهدد السلم الاجتماعي ويقوّض أي فرصة لإصلاح اقتصادي أو سياسي. إذ إن إقصاء القوى الحزبية والمدنية من المشهد، يجعل الدولة عرضة لمزيد من الأزمات، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاتها مع شركائها الدوليين الذين يربطون دعمهم الاقتصادي والإقليمي بمدى احترام تونس للمعايير الديمقراطية.

وقفات احتجاجية أم بداية موجة غضب جديدة؟

الوقفة التي شهدتها العاصمة لم تكن الأولى، لكنها جاءت في ظرف حساس، إذ تتزامن مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وازدياد معدلات البطالة والتضخم، في وقت تعجز الحكومة عن تحقيق أي اختراق في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. هذا الوضع المتأزم يعيد للأذهان ظروف ما قبل 2011، حين أدت التراكمات الاقتصادية والسياسية إلى انفجار شعبي أطاح بنظام بن علي.

ويرى مراقبون أن استمرار قيس سعيّد في نهج “شيطنة” المعارضة ورفض أي حوار سياسي قد يدفع الشارع إلى مزيد من الغليان. ومع كل وقفة احتجاجية أو محاكمة جديدة لمعارض سياسي، يزداد خطر عودة الشارع إلى الانتفاضة.

الخلاصة: تونس على مفترق طرق

تكشف الوقفة التضامنية الأخيرة أن تونس تقف أمام مفترق طرق خطير: إما الاستمرار في مسار الحكم الفردي والقمع السياسي، وإما فتح باب المصالحة والحوار الوطني لإعادة البلاد إلى سكة الديمقراطية.

المعارضة ترى أن الأمل لم يمت بعد، وأن الشارع التونسي قادر على استعادة روحه الثورية. أما قيس سعيّد، فيبدو مصممًا على المضي في سياساته، متكئًا على خطاب “محاربة الفساد” و”التآمر على الدولة”، لكنه يواجه أزمة شرعية داخلية وضغوطًا دولية متزايدة.

وفي ظل هذا التناقض، تبقى تونس مرشحة لمزيد من التوترات السياسية والاجتماعية، فيما يواصل المعتقلون السياسيون دفع ثمن صراع السلطة بين مشروع استبدادي يحاول العودة، وقوى معارضة تتمسك بشعار الثورة: “حرية.. كرامة.. عدالة اجتماعية”.

اقرأ أيضًا : منصة فيشغراد 24.. اليمين المتطرف كذراع إعلامي للوبي الإماراتي في أوروبا