بقلم: أحمد البيلي
في زمن يتطلّب من العلماء أن يكونوا في مقدّمة الصفوف نصرةً للمظلومين، اختار الشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر، أن يقف على الرصيف الآخر من التاريخ، مدافعًا عن “الميثاق” مع قاتل الأطفال، ومهاجمًا العلماء الذين ناصروا غزة بفتاوى الجهاد والدعم.
فتواه الأخيرة، التي أثارت موجة عارمة من الغضب الشعبي والنقد الواسع، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق السياسي الذي يُحكم فيه على المواقف بالدين الرسمي لا بالشريعة، وبالمصالح لا بالمبادئ.
فتوى ضد المقاومة.. لا ضد الاحتلال
برهامي حمّل أهل غزة مسؤولية المجازر التي يتعرضون لها، زاعمًا أنهم دخلوا الحرب دون التشاور مع الأمة الإسلامية. وتناسى – عمدا – أن فلسطين كانت دائمًا قضية أمة، لا حرب خيارية. والأهم أنه تجاهل عمق المأساة، متحدثًا عن “مواثيق السلام” مع الاحتلال، رغم إقراره بأن الاحتلال ذاته هو من خرق هذه المواثيق عشرات المرات!
استند إلى الآية الكريمة:
“وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق”،
دون أن يتطرق لحقيقة أن هذا “الميثاق” قد دُنس مرارًا بقصف الأطفال، وهدم البيوت، واقتحام الأقصى، وذبح العائلات.
في مواجهة فتوى العلماء
الفتوى التي هاجمها برهامي صادرة عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والتي أكدت أن الجهاد في غزة بات فرض عين على المسلمين القادرين، وأن ما يجري هو إبادة جماعية تستوجب تحركًا عسكريًا واقتصاديًا فوريًا. كما حرّمت الفتوى التطبيع، ودعت إلى محاصرة الكيان الصهيوني.
هجوم برهامي على هذه الفتوى، لا يُفهم فقط في سياق فقهي، بل يأتي كامتداد لهجوم أوسع قادته وسائل إعلام تابعة لنظام السيسي، والتي رأت في هذه الفتوى خطرًا على “أمن إسرائيل” أكثر من خطرها على الاحتلال ذاته. فالدولة المصرية – بحسب توجهها الرسمي – تفضّل كبح الشعوب، لا دعم المقاومة.
الغضب الشعبي: خيانة لا اجتهاد
ردود الفعل على فتوى برهامي جاءت غاضبة، معتبرة أن الرجل يواصل “بيع دينه للحاكم”، تمامًا كما فعل سابقًا في دعم الانقلاب، وتبرير القمع، وترويج الطاعة العمياء للطغاة.
نشطاء وصفوا حديثه بأنه “تبرير مفضوح لتقاعس الأنظمة”، وأنه يعكس ما أصبحت عليه بعض المؤسسات الدينية: أدوات لتسكين الشعوب، وشرعنة الذل، وإطفاء جذوة الجهاد لا إشعالها.
حين يصبح الصمت أكرم من الفتوى
ربما كان الأولى للشيخ برهامي أن يصمت، بدل أن يصدر فتوى يستفيد منها جيش الاحتلال نفسه. فحين يكون الحديث باسم الدين وسيلة لتبرير العدوان، لا مواجهته، تصبح الفتوى خيانة، لا اجتهادًا.
الأنظمة التي تُطبّع وتغلق المعابر وتمنع المساعدات، تجد في أمثال برهامي غطاءً دينيًا لتقاعسها. أما غزة، فهي تدفع الثمن من دماء أبنائها، لا من فتاوى مفرغة من المروءة.
غزة ليست وحدها في الميدان، بل تواجه أيضًا خناجر الغدر من خلفها، ممن ارتضوا أن يكونوا حراسًا على أبواب الاحتلال، لا دروعًا في وجهه. والشيخ الذي يطالب بالصمت “احترامًا للميثاق”، نسي أن دماء الشهداء وحدها هي التي تصنع الميثاق الحقيقي بين الأمة وكرامتها.