أكثر من 450 شخصية يهودية من مختلف أنحاء العالم، تضم مسؤولين إسرائيليين سابقين وفنانين ومثقفين وحائزين على جوائز عالمية، وقّعوا رسالة مفتوحة غير عادية موجّهة إلى الأمم المتحدة وقادة العالم، طالبوا فيها بفرض عقوبات على إسرائيل ومحاسبتها على جرائم الإبادة الجماعية في غزة. الرسالة، التي نشرتها صحيفة ذا غارديان البريطانية، وصفت أفعال إسرائيل بأنها “فظائع لا يمكن تبريرها” و”جرائم تُذكّر العالم بسبب وجود القوانين الدولية التي وُضعت بعد الهولوكوست لحماية الإنسان من الإبادة والتطهير العرقي”.

البيان الذي حمل عنوانًا لافتًا يعكس مضمونه الأخلاقي والسياسي، جاء في وقتٍ تجتمع فيه دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل وسط تقارير عن نية بعض الحكومات الغربية تجميد مقترحات العقوبات ضد إسرائيل رغم تصاعد الأدلة على جرائمها في غزة والضفة والقدس. وكتب الموقعون: “لم ننسَ أن القوانين والمواثيق التي وُضعت لحماية الحياة البشرية جاءت بعد الهولوكوست، لكن إسرائيل انتهكتها باستمرار ودون حساب.”

الرسالة طالبت المجتمع الدولي بالالتزام بقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وبوقف كل أشكال التواطؤ مع الاحتلال عبر تعليق صادرات السلاح وفرض عقوبات محددة على المسؤولين الإسرائيليين وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، كما دعت إلى رفض ما وصفته بـ”الادعاءات الزائفة بمعاداة السامية” التي تُستخدم لتشويه الأصوات المطالبة بالعدالة وحقوق الفلسطينيين.

وجاء في نص الرسالة: “نحن ننحني بأسى بالغ ونحن نشهد تزايد الأدلة التي ستقود حتمًا إلى تصنيف ما ترتكبه إسرائيل قانونيًا كجريمة إبادة جماعية.” وأضاف الموقعون أن صمت العالم يمثل تواطؤًا، وأن مسؤولية الأمم المتحدة والعواصم الغربية ليست فقط في الإدانة، بل في اتخاذ خطوات عملية للمحاسبة والردع.

التقرير أشار إلى أن هذه الرسالة تمثل انعكاسًا لتحوّل واسع في الرأي العام اليهودي داخل الولايات المتحدة والعالم الغربي. فبحسب استطلاع نشرته واشنطن بوست، 61% من اليهود الأميركيين يرون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، بينما 39% يعتقدون أنها ترتكب إبادة جماعية فعلًا. كما أظهر استطلاع لمؤسسة Brookings أن 45% من الأميركيين يتبنون الموقف نفسه، في حين كشف مسح آخر أجرته جامعة Quinnipiac في أغسطس أن نصف الناخبين الأميركيين، بينهم 77% من الديمقراطيين، يعتقدون أن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة بحق الفلسطينيين.

بين الموقعين أسماء يهودية بارزة من مجالات مختلفة، منهم إيلان فولكوف (Ilan Volkov) – قائد أوركسترا إسرائيلي، V (إيف إنسلر سابقًا) – كاتبة مسرحية أميركية، إريك أندريه (Eric André) – ممثل وكوميديان أميركي، دامون غالغوت (Damon Galgut) – روائي جنوب أفريقي حائز على جائزة بوكر، يوفال أبراهام (Yuval Abraham) – صحفي ومخرج وثائقي إسرائيلي حائز على جائزة أوسكار، توبي مارلو (Toby Marlow) – كاتب مسرحي بريطاني حائز على جائزة توني، عمري بوهم (Omri Boehm) – فيلسوف إسرائيلي، والاس شون (Wallace Shawn) – ممثل وكاتب مسرحي أميركي معروف بمواقفه السياسية، وبطل من أبطال مسلسل Young Sheldon، إيلانا غليزر (Ilana Glazer) – ممثلة وكوميديان أميركية، جوناثان غليزر (Jonathan Glazer) – مخرج بريطاني حائز على جائزة الأوسكار عن فيلم The Zone of Interest

وقال الموقعون في رسالتهم: “تضامننا مع الفلسطينيين ليس خيانة لليهودية، بل تجسيد حقيقي لها. حين علّمنا أنبياؤنا أن قتل نفس واحدة كأنه قتل العالم بأسره، لم يستثنوا الفلسطينيين.” وأضافوا أنهم لن يرتاحوا إلا عندما يتحول وقف إطلاق النار إلى نهاية للاحتلال ونظام الفصل العنصري المفروض على الشعب الفلسطيني.

الرسالة لم تكتفِ بإدانة ما يجري في غزة فحسب، بل تناولت بالتفصيل الوضع الكارثي في القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، حيث قُتل أكثر من 65 ألف فلسطيني وأُصيب ما يزيد على 167 ألفًا، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن نحو 90% من السكان أصبحوا نازحين داخليًا بعد تدمير منازلهم ومرافقهم الأساسية. وأشارت الرسالة إلى تقرير صادر عن عضوي مجلس الشيوخ الأميركي كريس فان هولن وجيف ميركلي، اللذين عادا من زيارة ميدانية لغزة، وقالا إن إسرائيل تطبّق “خطة ممنهجة لتدمير وتهجير الفلسطينيين قسرًا”، وأن الولايات المتحدة متورطة في هذه الجرائم عبر دعمها السياسي والعسكري المتواصل لإسرائيل.

الرسالة وثّقت كذلك الانتهاكات المستمرة رغم إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، مشيرة إلى أن إسرائيل خرقت الهدنة أكثر من 80 مرة خلال 11 يومًا فقط، ما أسفر عن مقتل 80 فلسطينيًا إضافيًا، بينما واصلت قوات الاحتلال عملياتها في رفح بحجة ردّ انتهاكات من طرف المقاومة.

البيان أشار أيضًا إلى أن اتفاق الهدنة لم يشمل الضفة الغربية، حيث تتصاعد هجمات المستوطنين وسط إفلات تام من العقاب، إذ وثّقت الأمم المتحدة 71 هجومًا استيطانيًا خلال أسبوع واحد فقط في أكتوبر، وأصيب خلالها أكثر من 3,200 فلسطيني هذا العام. وفي إحدى الحوادث، تعرّضت امرأة تبلغ من العمر 55 عامًا للضرب المبرح على يد مستوطن ملثم أثناء قطف الزيتون، في واقعة وثّقها مقطع فيديو أثار غضبًا واسعًا.

وأشارت الرسالة إلى نتائج منظمة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية التي تؤكد أن فقط 3% من تحقيقات العنف الاستيطاني بين 2005 و2024 أدت إلى إدانات، فيما ساهمت إدارة ترامب في ترسيخ هذه الحصانة بعد أن رفع العقوبات المحدودة التي كان بايدن قد فرضها على بعض المستوطنين والجماعات المتطرفة.

التقرير تطرّق كذلك إلى التطورات القانونية المنتظرة، إذ يُتوقع أن تصدر محكمة العدل الدولية هذا الأسبوع قرارًا جديدًا يوضّح التزامات إسرائيل في الأراضي المحتلة، عقب رأيها الاستشاري في يوليو 2024 الذي وصف الاحتلال بأنه غير قانوني. لكن المفارقة أن وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بحسب التقرير، يتراجعون عن فرض العقوبات رغم تقارير دبلوماسية داخلية تشير بوضوح إلى وجود “دلائل على انتهاك إسرائيل التزاماتها الحقوقية” ضمن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

بهذه الرسالة، أعاد الموقعون تعريف ما يعنيه أن يكون الإنسان يهوديًا في وجه الجرائم التي تُرتكب باسم “الدفاع عن النفس”. فبدل الصمت أو التبرير، رفعوا أصواتهم ليقولوا إن السكوت على الإبادة جريمة أخلاقية لا تقل عن المشاركة فيها، وأن الوفاء الحقيقي للتجربة التاريخية اليهودية لا يكون بتكرار المأساة ضد الآخرين، بل بالوقوف مع الضحايا مهما كانت ديانتهم.

وفي ختام الرسالة، كتبوا: “لن نصمت، ولن نغفر، ولن نرتاح حتى ينتهي الاحتلال ويُحاسب المجرمون.”