في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها تونس، خرج عشرات من أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل، الأربعاء، في العاصمة تونس، في “يوم غضب” جديد ضد السلطة الحاكمة، مطالبين بفرص تشغيل حقيقية وانتداب مباشر في الوظيفة العمومية، بعيدًا عن سياسة المماطلة والتسويف التي أصبحت عنوانًا رئيسيًا لعلاقتهم بالدولة منذ سنوات.
![]()
صرخات الشارع: شغل، حرية، كرامة وطنية
المحتجون رفعوا شعارات قوية لخصت معاناتهم الممتدة لعقد كامل، من بينها: “شغل، حرية، كرامة وطنية” و*”حقي نخدم.. حقي نعيش.. يزي من التهميش”*. هذه الشعارات لم تكن مجرد هتافات عابرة، بل تعبير عن واقع صعب يعيشه آلاف من خريجي الجامعات الذين تحولت شهاداتهم إلى عبء بدل أن تكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي.
التنسيقية الوطنية لأصحاب الشهادات المعطلين عن العمل أكدت أن مطلبها الأول والأخير هو الانتداب المباشر، معتبرة أن “التناظر” (إجراء مسابقات امتحانية للقبول في الوظائف) لم يعد منصفًا لمن تجاوزوا عقدًا من الزمن في البطالة. وأشارت الناطقة باسمهم يسرى ناجي إلى أن كثيرين من هؤلاء يعيشون اليوم تحت خط الفقر، يفتقرون لأبسط مقومات العيش الكريم، وهو ما يجعل معركتهم أكثر إلحاحًا ووجودية.
قانون 38.. حلم مؤجل ومصير مجهول
القانون رقم 38 لسنة 2020، الذي أقره البرلمان، نص صراحة على انتداب استثنائي لأصحاب الشهادات العليا ممن تجاوزت بطالتهم 10 سنوات. لكن رغم مرور خمس سنوات على صدوره، ظل القانون معلقًا بلا تنفيذ فعلي، ليصبح شاهدًا على عجز الدولة عن الوفاء بوعودها.
وفق الأرقام الرسمية، هناك نحو 15 ألف خريج جامعي تجاوزت مدة بطالتهم عشر سنوات. هؤلاء يمثلون قنبلة اجتماعية موقوتة، خاصة أن معدل البطالة في تونس بلغ 15.3% في الربع الأول من 2025 بحسب المعهد الوطني للإحصاء، بينما النسبة أعلى بكثير في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا.
الاحتجاجات الأخيرة جاءت لتؤكد أن ملف التشغيل بات خطًا أحمر، وأن أي تجاهل له سيعمّق الفجوة بين الدولة وشبابها، ويفتح الباب أمام انفجارات اجتماعية جديدة قد لا تستطيع السلطة الحالية السيطرة عليها.
قيس سعيد.. وعود بلا تنفيذ وقمع في الميدان
منذ توليه السلطة، قدّم الرئيس قيس سعيد نفسه باعتباره المدافع عن “الكرامة الوطنية” و”العدالة الاجتماعية”. لكنه عمليًا، لم يحقق أي اختراق حقيقي في ملف التشغيل، باستثناء حلول ترقيعية مثل تسوية أوضاع عمال الحضائر والمعلمين النواب، وهي تسويات وُصفت بغير الشاملة وغير العادلة.
المحتجون اتهموا سعيد بـ”المماطلة والتسويف”، معتبرين أن الانتقائية في معالجة الملفات الاجتماعية تكشف عن عجز سياسي واضح، وتوظيف للملفات لتحقيق شعبية ظرفية. ويزيد الطين بلة، أن الأجهزة الأمنية لم تتردد في قمع الاحتجاجات السلمية، عبر التضييق على المسيرات ومنعها أحيانًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام سعيد بشعارات “حرية وكرامة” التي رفعها بنفسه عام 2019 حين صعد إلى الحكم.
اللافت أن هذه التظاهرة تأتي في ظل تدهور اقتصادي خانق، حيث تعجز الدولة عن إقناع صندوق النقد الدولي والدائنين بقدرتها على تنفيذ الإصلاحات، فيما تُلقي الأزمة المالية بظلالها على كل القطاعات، لتجعل من ملف التشغيل ضحية أولى لسياسات تقشفية غير معلنة.
أبعاد سياسية واجتماعية أعمق
تظاهرة “يوم الغضب” ليست مجرد احتجاج مطلبي محدود، بل تحمل أبعادًا سياسية عميقة. فهي تفضح فشل الدولة في إدارة العلاقة مع نخبتها الجامعية، وتكشف عن انهيار العقد الاجتماعي القائم على وعود الدولة بالتوظيف والتعليم المجاني مقابل الولاء والاستقرار.
كما أن استمرار البطالة لعشرات الآلاف من خريجي الجامعات يفتح الباب أمام أزمات أكبر:
-
هجرة العقول، حيث يسعى آلاف الشباب إلى مغادرة البلاد بحثًا عن أفق أفضل.
-
تآكل الثقة في الدولة، ما يعزز النزعات الاحتجاجية ويزيد من احتمالات الفوضى الاجتماعية.
- تنامي الغضب السياسي ضد الرئيس سعيد، الذي بات يُنظر إليه باعتباره جزءًا من المشكلة لا مفتاحًا للحل.
خاتمة: صرخة الغضب في وجه السلطة
“يوم الغضب” في تونس لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة قوية بأن الأزمة الاجتماعية بلغت ذروتها، وأن صبر الشباب بدأ ينفد. وبينما يرفع المحتجون شعار “شغل، حرية، كرامة وطنية”، يواجه الرئيس قيس سعيد اختبارًا حقيقيًا: إما الاستجابة لهذه الصرخات بإجراءات جادة وشفافة، أو الاستمرار في سياسة التجاهل والقمع، بما يفتح الباب أمام انفجار اجتماعي أكبر قد يهز أركان حكمه.
تونس اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تتحول مطالب أصحاب الشهادات العليا إلى بداية حوار وطني جاد حول التشغيل والتنمية، أو تصبح شرارة جديدة في مسار طويل من الغضب الشعبي الذي لم تخمد ناره منذ ثورة 2011.
اقرأ أيضًا : ابتزاز نتنياهو للسيسي العميل: الغاز مقابل سيناء