دعت 16 منظمة تونسية حقوقية ومدنية، السلطات التونسية إلى الإفراج الفوري عن ناشطين ينتمون إلى “أسطول الصمود” لكسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة. وجاء هذا التحرك في بيان مشترك حمل عنوان: “إسناد الحق الفلسطيني ليس جريمة!”، وأكدت المنظمات على أن الاعتقالات الأخيرة تمثل “استهدافًا واضحًا للحراك النضالي من أجل فلسطين، ومحاولة لتصفية النشاط المدني المؤيد للقضية الفلسطينية داخل تونس”.

وشملت القائمة المنظمات الرائدة مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحفيين، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، ما يعكس وحدة موقف المجتمع المدني التونسي ضد الممارسات القمعية التي ينتهجها النظام الحالي بقيادة الرئيس قيس سعيد.

وقالت المنظمات في بيانها إن “هذه الإيقافات غير مبررة وتفتقد لأي سند قانوني سليم، وإن المحاكمات التي تتولاها السلطات لا يمكن أن تكون عادلة بسبب إخضاع القضاء لنفوذ النظام وفقدانه المصداقية”.

تفاصيل الاعتقالات: المحاكمات السياسية والتجاوزات القانونية

أمر القضاء التونسي، يوم الاثنين، بحبس 7 أعضاء من الهيئة التسييرية لأسطول الصمود المغاربي، بينهم وائل نوّار، نبيل الشنوفي، غسان الهنشيري، غسان بوغديري، محمد أمين بنّور، جواهر شنّة، وسناء المساهلي، مع استمرار التحقيق معهم بتهم مختلفة بينها “التهرّب الضريبي وغسيل الأموال”.

وأكد عضو هيئة الدفاع عنهم المحامي وسام عثمان أن القاضي أصدر قرار الحبس دون الاستماع للمتهمين، مخالفة صريحة لللوائح القانونية التونسية التي تكفل الحق في الدفاع قبل اتخاذ أي إجراء قضائي. وأضاف عثمان أن “اتهامات التهرب الضريبي وغسيل الأموال وإدارة محاسبة مزدوجة تأتي في سياق تصفية سياسية واضحة للناشطين المؤيدين للفلسطينيين”.

سبق ذلك تحقيقات بدأت في 6 مارس/آذار الجاري، استهدفت أعضاء أسطول الصمود المغاربي بذريعة الشبهات المالية، رغم أن نشاطهم الأساسي هو الإغاثة الإنسانية ومحاولة كسر الحصار الإسرائيلي عن غزة.

أسطول الصمود: رحلة التضامن مع غزة والتعرض للاعتداء

يُذكر أن أسطول الصمود المغاربي جزء من “أسطول الصمود العالمي” الذي أبحر سابقًا نحو غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض من الاحتلال الإسرائيلي. وقد داهمت إسرائيل سفن الأسطول واعتقلت مئات الناشطين، قبل أن ترحلهم إلى دولهم، وسط شهادات عن تعرضهم لانتهاكات واعتداءات جسدية ونفسية.

ويأتي هذا النشاط المدني الدولي ضمن جهد متواصل لكسر الحصار عن قطاع غزة الذي يواجه أزمة إنسانية خانقة بسبب الإبادة المستمرة، وتدمير البنى التحتية، ومنع وصول المواد الغذائية والطبية والمستلزمات الأساسية للسكان الفلسطينيين الذين يزيد عددهم عن 2.4 مليون نسمة، بينهم نحو 1.5 مليون نازح.

غزة: حصار مستمر وإبادة جماعية مدعومة

في سياق متصل، يواصل الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي كامل، حملته العسكرية ضد غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث خلفت الحرب أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني ونحو 172 ألف جريح، أغلبهم من النساء والأطفال، إضافة إلى دمار طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.

على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في 10 أكتوبر، فإن خروقات إسرائيل اليومية تتواصل، مما أدى إلى مقتل 673 فلسطينياً وإصابة 1799 آخرين، وسط استمرار منع إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والأدوية ومواد الإيواء.

السياق التاريخي: الاحتلال الإسرائيلي وممارساته المستمرة

تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل أُقيمت عام 1948 على أراضٍ فلسطينية محتلة من قبل عصابات صهيونية مسلحة، ارتكبت مجازر وهجّرت مئات آلاف الفلسطينيين، واستمرت في احتلال باقي الأراضي الفلسطينية، مع رفضها المستمر للانسحاب وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذه السياسات التوسعية والتمييزية تجعل أي نشاط دولي مؤيد للفلسطينيين عرضة للاستهداف، كما يظهر في موقف السلطات التونسية تجاه أسطول الصمود.

النظام التونسي: إجرام داخلي وخنق للحريات

توضح هذه الاعتقالات أن نظام قيس سعيد يسعى لتكميم الأفواه وتصفية الحراك المدني الوطني، خصوصًا من ينحاز للقضية الفلسطينية، في سياق سياسة أشمل لإسكات المعارضين وتقويض مؤسسات المجتمع المدني. فالملاحقات القضائية المالية والسياسية أصبحت أداة مركزية في يد النظام لتفريغ المجتمع المدني من نشطائه، وفرض رقابة صارمة على أي تعبير عن التضامن مع غزة أو انتقاد الاحتلال الإسرائيلي.

وتشير ممارسات النظام التونسي الحالية إلى أن أي نشاط حقوقي أو مدني قد يُعتبر تهديدًا سياسيًا، مما يعكس تراجعًا حادًا في مستوى الديمقراطية وحرية التعبير في البلاد، ويزيد من عزلة تونس دوليًا وداخليًا.

الخلاصة: ضرورة التحرك الشعبي والدولي

تدعو هذه الأحداث المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى الضغط على السلطات التونسية للإفراج عن جميع المعتقلين، وضمان محاكمات عادلة لكل الناشطين، ووقف استهداف الحراك المدني المؤيد للقضية الفلسطينية. فاستمرار سياسة القمع من قبل نظام قيس سعيد لا يهدد فقط الحريات في تونس، بل يرسل رسالة خطيرة إلى جميع الناشطين الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيين، مفادها أن التضامن مع غزة قد يُعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.

إن الإفراج عن نشطاء أسطول الصمود ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية تونس في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وفرصة لتأكيد موقفها من القضية الفلسطينية على النطاق المحلي والدولي، أمام نظام يثبت يومًا بعد يوم إجرامه واستغلال القضاء لأهداف سياسية واضحة.

اقرأ أيضًا : إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي ويضع واشنطن في مأزق مالي غير مسبوق