fbpx
Loading

آخر ما تبقى لنا من الوطن

بواسطة: | 2017-10-18T20:49:39+02:00 الثلاثاء - 10 أكتوبر 2017 - 10:05 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

منذ أيامٍ والأخبارُ تتحدث عن اقتحامِ قواتِ الأمن الوطنيّ للعنبر السياسيّ بسجن القناطر الذي كنتُ رقمًا فيه ذات يومٍ، وجرّدت القواتُ المعتقلين من ملابسهم وفُرشهم وأغطيتهم ومتعلقاتهم الشخصية، حتى من الأدويةِ وما يشترونه من أطعمة على نفقاتهم الخاصة، وأنزلَت عددًا منهم إلى زنازين “التأديب” الانفرادية و”غرّبت” عددًا آخر. زنازينُ “التأديب” عبارةٌ عن حماماتٍ بلا أماكنَ لقضاء الحاجة، وإنما يقضي بها السجّانُ حاجَته في إذلالِ المسجونِ إن كان عزيزًا، في مترٍ ونصف طولًا وعرضًا، ومنعٍ من الخمس دقائق نصف الشهرية التي يرى فيها أهلَه، ومنعِه من العشر دقائق التي يتريّض فيها كل صباح، و”التريّض” بعيدٌ كل البعد -معاذ الله- عن الأفلام وما تصوّره من ملاعب لكرة القدم وكرة السلة وغيرهما، وإنما يمشي المعتقَل ذهابًا وإيابا خارج زنزانته وداخلَ الطُرقةِ، الموضوعُ معقّدٌ جدًّا ولا بُدَّ أن تُسجَن كي تفهم قصدي. و”التغريبُ” عبارةٌ عن ترحيلِ عددٍ من المساجين إلى سجون أخرى بدون علمِ أهلهم وبشكل مفاجئٍ وبلا أي سبب، وقد يكونُ التغريبُ أكثر جُرمًا في أن يُغرّب المعتَقَل إلى ما في علمِ الغيب؛ أي: لا يُعلم له مكانٌ أصلًا، وهذا اللامكان يكونُ في الأدوار ما تحت الأرض بمقرّات الأمن الوطني.

“شريف” رفيقي في الزنزانةِ الذي كتبت أختُه منذ أيامٍ أنه اختطف من السجنِ إلى مكانٍ غير معلوم، شابٌ عشرينيّ، ذو ملامح جادّة وابتسامةٍ تنغلقُ معها عيناهُ نصف اغتماضةٍ في جمالٍ يزيلُ الهمّ عن الناظر إليه، ويغزو شعرَه صلعٌ بدأ يظهرُ من شدّة التعذيب، تزامنًا مع ظهورِه في النيابةِ بعد اختفائه قسريًا لخمسين يومًا ذاقَ فيهم ما دعاهُ إلى كتابته بالدمِ على قميصه “حسبي الله ونعم الوكيل”، كان ذلك قبل ثلاثة أعوام. شريف كان من قادةِ روابط الجماهير بأولتراس النادي الأهلي، قضى فتّوته كلها في ملاعب كرة القدمِ يشجّع بكل ما أوتيَ من قوةٍ أو ضعفٍ، يعملُ ويدفعُ ما ادّخرهُ من عمله على التنقّل بين المحافظات ذهابًا وإيابًا خلف فريقِه الذي ملك عليه نفسَه.

كانت الزنزانةُ تأتي إليها الأخبارُ في ورقةٍ من زنزانةٍ أخرى بأهم الأخبار اليومية، بما فيها أخبار الرياضة إذ فاز الأهلي أمس وهُزم الزمالك، والعكسُ لا يصحّ. وكم كانتْ أوقاتُ الزنزانةِ التي تعجّ بالأفكار والاستغفار تتحولُ إلى استوديو تحليلي لما قبل وبعد المباريات، أو إلى مباراةٍ بحد ذاتِها تتنازعُ فيها الأطرافُ بتعصّبٍ للأندية، ثم تنتهي الحالُ بنظرةٍ إلى الحديد والحائط والباب والسقف.

في الغربةِ.. بمدينةٍ جبليةٍ تدنو حرارتُها من الصفر ويشبهُ ليلُها نهارَها ما دامت الشمسُ ليست شمسَ القاهرة، ولا القمر قمر القاهرة، أحمل “اللابتوب” وأمشي مئات المترات أنا وصديقايَ نبحثُ عن مكانٍ مناسبٍ لانفعالاتنا، مكان شبه فارغ من الناس الذين يقصدونَ المقاهي للراحةِ ولا يصحّ أن يعكرَ صفوَهم متعصبونَ من بلادٍ لا قِبَل لهم بحبها ولا بأهلها، ووجدنا المقهى الذي استأذنّاه فتح الإنترنت لنشاهد المباراة، وبدأت وبدأ معها قلبي يشعرُ بانتماءٍ غريبٍ إلى الأرض التي لفظتني، ومع كل تحليقٍ للعلَم تحلّق فصوصُ المخِّ خارج حلقات التنظير والسياسة المغلقة، ومع كل ركلةٍ يلهجُ اللسانُ الذي أُخرسَ في بلده بدعواتِ الفرحِ وشعورٍ صغيرٍ بالانتصار، أو كبيرٍ إن كان المنتصر هو شعب مُعدَمٌ في كل شيء، في الحياة وفي الموتِ وفيما بينهما، ومن المطارِ إلى المطارِ وما بينهما، ومن لونِ العلمِ الأسودِ إلى اللونِ الأحمر وما بينهما من نسرٍ يتربعُ وحدَه على كل أبيضٍ في البلاد، ويطردُ منه ما عداه إلى سوادِ السكوتِ أو دموية الكلام.

هنالكَ في زاويةٍ أخرى، وبالعودةِ إلى القليلِ من السياسة؛ فإن السياسيّ الذكيّ هو من يسخر وسائله للالتقاءِ والناسِ في نقطةٍ مشتركة، يوصل عندها رسائلَه.. إلا في عُرفِ المعارضةِ المصريّة؛ حيثُ وجدتُّ بعد المباراة إعلامًا محسوبًا على هذا التيار المعارِض يتحدّث في مدى أحقّية مصرَ بضربة الجزاءِ التي كانتْ لحظة الحلم، وأنّه ربما تكون غير مستحّقة. في الحقيقةِ مهما تخيّلتُ من فشلٍ ذريعٍ في الأدوات الإعلامية أو كما تقول صديقةٌ: “الدكاكين اللي سموها قنوات”؛ لم أكن أتخيّل أن تصلَ الحالُ إلى البحث عن نقاط الالتقاء وضربها في مقتل.. ليبيّن لنا الزمنُ أنَّ مجرد كرةٍ قادرةٌ على أن توضح ما تبقى من وطنٍ، وما تبقى من وطنية، وما ذهبَ من عقلٍ وفكرٍ، وما جثم على صدورنا من غباءٍ سياسيٍّ مركّب.

إنّ الأمرَ كلَّه يكمنُ في أن يحتكرَ البعضُ شُعورًا، أو يحتقرَ البعضُ مَن يشعر.. يا سادتي، إن المعتقلين يتابعونَ ما يجري وإن التقى الفرحُ مع الحزنُ على بوابةِ السجن؛ وقد كنتُ معتقلا. يا سادتي، إن المطارَدين قد يتهاونونَ بعض الشيءِ في أمنهم الشخصيّ بحثًا عن مكانٍ بتابعونَ فيه مباراةً تحمل عنهم بعض ما أثقَلهم، وقد كنتُ مطارَدًا. يا سادتي، إن المغرَّبين يفعلون ما وسعهم وتعانق عيونُهم الوطنَ البعيد، وأنا الآن مغرّب. يا سادتي، إن الشعبَ كلّه يتنفس الصعداءَ في كل ركلةٍ، فلا نقطعوا نفسَهم الواحدَ بفلسفتكم الشاحبة.

دعونَا ننظرُ بعينٍ بسيطةٍ غير متفلسفة، لا يعنيها المتاجرةُ ولا التجّار في شيء، تنظرُ إلى الملاعبِ الخضراءِ كبساتين يقطفُ منها المهمومُ “حبوب هلوسةٍ” تخفف عن عقلِه العبء الذي أثقلها، وترى في اللاعبين جنودًا ينقلونَ الغنائمَ إلى جدولِ النقاط، وتسمعُ كلمة “يا رب” كأنها في عصرِ المجاعةِ والجفاف تدعو الله وتصلي صلاة الاستسقاء. دعونا نتابعُ شيئًا واحدًا لمرّةٍ واحدةٍ في ساعةٍ ونصف الساعةِ فقط، بلا تنظير ولا فلسفة ولا رميِ كل طرفٍ الآخر بتهمةِ التفاهةِ حينًا أو ادّعاء العُمق حينًا.

إننا نفرحُ بآخرِ ما تبقّى لنا من وطن.. نستعينُ بالكرَةِ على الكُره، وبالحياةِ في ساعتين على الموت الذي يزورنا كل نهارٍ ويعانقنا عنوةً كل مساء.. فدعونا في خوضنا نلعب، وندعكم في عُمقكم تسبحون!

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق