fbpx
Loading

“ومن الحب ما حرّر!”

بواسطة: | 2017-10-31T11:45:01+02:00 الثلاثاء - 31 أكتوبر 2017 - 11:43 ص|
تغيير حجم الخط ع ع ع

حين كنتُ مختفيًا قسريًا بجهاز الأمن الوطنيّ، لم يكن بالي مشغولًا بشيءٍ بقدرِ عجزِي أمام أمرين؛ عذاب أهلي الذين لا يعرفون مكاني، وقلقُ رفيقتي المكتوم؛ إذ لا شيء أقسى على المرء من أن تنخلعَ روحُه لكنّ جسمَه يجب أن يظل ثابتًا بلا علامةِ تغيرٍ واحدة، إذ تشتجر الجوانحُ ارتياعًا وهلعًا ولكن الجوارحَ حرامٌ عليها إبداء أيٍّ من تلك المظاهر، إذ تغرقُ الدماغُ في دوامات التفكير ويتفانى الوجهُ في التمثيل. لا شيءَ في الدنيا أصعبَ من هذا السجنِ اللعين؛ سجنِ المشاعر وتكبيلِ التعبير عنها.

كانت الذكرى الثالثة لأوّل أيام حُبّنا، يوم تقابلن قدرًا للمرةِ الأولى، نتذاكرُ المشاعرَ التي كانت مصاحبةً لأول نظرةٍ، وأول سلامٍ، وأولِّ صمتٍ نقلَ إلى القلبين ما اعتراهما. البابُ ينخلعُ وقلبي معه كذلك، هرعتُ إلى الهربِ لكن لا مفرّ، أتوْا بي وكان ما كان. كبلوني فأحسستُها تشاركني حلقةً من حلقتي القيد، عصبوا عينيّ؛ فرأيتها أغمضتْ عينيها معي وقالت: “واصبر لحكم ربّك فإنك بأعيننا”، اصطحبوني إلى هناكَ فأصرّت روحُها على البقاءِ معي.

دفعوني بأقدامهم من المدرعة إلى الأرض وأنا مغمّى ومكبّلا فسقطتُّ عاجزًا؛ فوجدتها تمسحُ على وجهي وكتفي وتقول: “ولنصبرنّ على ما آذيتمونا”، أقاموني وضربوا وجهي بأقرب حائط خشن، ضعفتُ فهمسَتْ لي: “يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه”، فتشوني بطريقة وحشية قذرة؛ أغمضت عينيها ومسحَتْ على ظهري وقالت: “إن الله يدافع عن الذين ءامنوا”، أدخلوني بعد ذلك إلى مبنى الجهاز، واصطحبوني إلى الدور الرابع تحت الأرض ورموْني كذبيحةٍ تنتظرُ دورها عند الجزار، دنَت مني ووضعتْ كفّها تحت رأسي الملقاة على الأرض، وقالت: “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”، بعد سبع ساعاتٍ نادوْني وشدّوا القيد على يديّ حتى أحسستُه منشارًا ملتهبًا، وضعت أناملها بين القيد وبين رُسغي فبكيتُ، قالت: “ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين”، سحبوني إلى مكتب التحقيق عبر سلمٍ حديدي حلزوني يسعُ عرضُه فردًا واحدًا، يصعدون بي؛ واحدٌ أمامي يسحبني وواحدٌ ورائي يدفعني، حشَرَت نفسها بجواري وقالت: “يثبّت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء”، اصطحبوني إلى المكتب، أو السلخانة التي فيها مكتب، وبدأ التحقيقٌ واستمر لعشرِ ساعاتٍ متواصلة، أرتجفُ تحضُنني، يُغشى عليّ تقبل جبيني، أصرخُ من العذابِ؛ تقول: “لا تحزن إنّ الله معنا.. لا تحزن إن الله معنا”، يعريني أحدُهم؛ فتخلعُ شالَها وتغطيني به، أفقد الوعيَ فيفيقونني عنوةً ويقعدوني ليكملوا التحقيق، تضع باطن يدها على قلبي وتقول: “اصبر إن وعد الله حق.. اصبر إن وعد الله حق”.

بعدَ جلسةِ تعذيبٍ طويلة جدًّا مرّت كأنها الدهرُ كله، أقعدوني مقرفصًا خارج سلخانة التحقيق وأنا صائمٌ طولَ اليوم، كانت الساعةُ تقتربُ من الحادية عشرة ليلًا والتحقيق بدأ في الحادية عشرة صباحًا، أسمعُ صوتَ الجنودِ قريبًا مني؛ فأخبرهم أني سأموت عطشًا، أريد قطرة ماء! لا أحد يردّ، ثم يشتمني أحدهم، ثم يركلني آخر، ثم يبدو لي أنّ واحدًا منهم لان قلبُه فقال لي مدّ يديكَ نحو الشمال قليلًا، مددتُها، ثم إلى الأمام، مددتُّها، ثم إلى الأسفل، مددتُّها، فإذا بزجاجةِ مياهٍ فارغةٍ ولا شيءَ فيها! وإذ بعشر ضحكاتٍ حقيرةٍ ترتفعُ حتى تعانقَ السماء، فأسمع رب السماء وأنا تحت الأرضِ يقول لي: “ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنةِ أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين” فترددُ في أذني بصوتٍ حنونٍ: “إن يمسسكم قرحٌ فقد مسَّ القومَ قرحٌ مثله”.. يا حبيبي.

هناك في سجنِ القناطر، صديقي ذو الخمسة وعشرين عامًا، والذي اختفى في سلخانة سجن “العزولي” الحربي أحد عشر شهرًا حتى تساقطَ بعضُ لحمِه وأكثر شعرِه، يحكي لي عن تلك الحبيبةِ التي لم يكدْ يخطبها حتى تم اعتقالُه وإخفاؤه لنحو سنةٍ، لم تجزع فيها ولم تتركه رغم العُرفِ الذي يتحداها، والأهل الذين يضغطونَ عليها لتتركه، كان يحكي عنها في إجلالٍ لصبرها وتعظيمٍ لحبّها، الجميلُ أنّ عينيه كانتا تدمعانِ مع بداية الحديثِ عنها، ولا تسكتان مع إنهائه، كان يطلبُ مني أبياتَ شعرٍ لها أو بعض الكلمات التي يحبّ أن يهديها إياها في أول زيارة، وكنا ممنوعين من الزيارة حينها، أنا أثقُ أنّه الآنَ وأنا أكتب هذا المقال يفكّر لها في هدية الزيارة القادمة.

صديقي العشرينيّ المحكومِ عليه بثلاثة وخمسين عامًا، مؤبدَين وثلاث سنوات، في أثناءِ ترحيلنا من سجن الجيزة المركزيّ المشدد إلى سجن القناطر، كان في إصبعه خاتمٌ هديةٌ منها، لفّه بطريقةٍ ما وأخفاهُ حيث لا يستطيعُون اكتشافَه حتى بعد تجريدنا من ملابسنا كلها، وفيها مخاطرةٌ قد تجعله في زنزانةٍ انفراديةٍ منذ أول يومٍ له في السجن، لكنّه كان يقول أنّ هذا الخاتم هو أغلى ما له في هذه الحياة الرخيصة، ولا بأس أن ترخصَ أكثر وأكثر في سبيل هذا الغالي.

كان ليلُ الزنزانةِ الهادئ تملؤه حكايتُه لي عنها، عن زياراتها لهُ في كل مكانٍ يُرحَّل إليه، وعن تخطيطِه -وهو محكومٌ عليه بالسجن لأكثر من نصفِ قرنٍ- ليومِ الزفافِ، وأننا سنذهبُ إلى مكان كذا وكذا معًا لنشتريَ البدلة والفستان. حينَ نادوْا عليَّ لترحيلي من السجن بعد إنهاءِ قضيتي الثانية، جهّز معي متعلقاتي ووضعَ لي بعضَ البسكويت المغلّف والمياهِ لأنني ربما أذهب مجددا إلى الأمن الوطنيّ أو إلى حيث لا أعرف، سلمتُ على الجميعِ بحرارةٍ حتى اقتربتُ من البابِ والعسكري يطلب مني الإسراع، وكدتُّ أن أغادر بدون السلامِ عليه لأهربَ من هذه الذكرى اللعينة، لكنّه جذبَني إليه واحتضنني حتى بكى وبكيتُ جدًّا، نزلتُ وأنا أكادُ أستحلفُ العسكري بالله أن أبقى مسجونًا من أجله، لكن عندما فحصتُ متعلقاتي لم أجد مسبحتي التي كان يحبها كثيرًا، وعزائي الآنَ أنها تؤنسُ وحشتَه في زنزانته الانفرادية التي علمتُ بأنهم نقلوه إليه بعد محاولته الهربَ في إحدى جلساته بالمحكمة.

صديقي الطيب والمرح جدًا، وأنا في القسمِ تفاجأتُ به يدخلُ عليّ وقد قبضوا عليه بعد مطاردةٍ مريرة، كانَت الحكاياتُ سلوانا في القبو الذي حوّلوه إلى زنزانة بسبب كثرة العدد، يحكي لي عنها بتأثرٍ جدًّا وأنا لم أرَ فيه هذا الجانبَ الرقيقَ من قبل، هرّب هاتفًا صغيرًا في الزيارةِ ليحدّثها ويسمعَ صوتها، كان بعد كل مكالمةٍ يهيمُ سابحًا في خيالِه الواسع، ويعدد لي مزيّاتها بين الوفاءِ والثباتِ والأمل وأنها سر صبره على هذا القبر اللعين، وعن اليومِ الذي سيطلبُ فيه يدَها بعد خروجِه إن شاء الله.. العجيبُ أنه يواجهُ حكمًا بخمس عشرة سنة! ويحدثني عنها كل صباحٍ كأنه سيخرجُ من السجن بعد أذان المغرب.

هناكَ فيما خلف الأسوارِ ألفُ قصةٍ جديرةٍ بأن تحصل على نوبل للأدب، وألف فيلمٍ حقيقيٍّ يستحقُ الفوز بجوائز الأوسكار، وآلافٌ من الفتياتِ والنساءِ قليلٌ عليهنّ تماثيل الذهبِ في أشهر ميادين العالم. هناك عالمٌ آخر من البطولةِ والثبات لا يعرفُه إلا من وقفَ في طوابير الزيارةِ وعلى بواباتِ السجون؛ يومًا ما سينجلي كله ليقول للعالَم: “ومن الحبّ ما حرّر!”

جاء من يوسف الدموكى

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

3 تعليقات

  1. Fathy الأربعاء، 1 نوفمبر، 2017 at 8:46 م - Reply

    مهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر …… ان مع العسر يسر.

  2. هاجر عفيفى الجمعة، 3 نوفمبر، 2017 at 3:18 م - Reply

    “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”

    يالله … يالله …. فرِّج يااارب فرِّج ?

  3. Waleed ahmed السبت، 4 نوفمبر، 2017 at 2:30 م - Reply

    إلا إن نصر الله قريب

اترك تعليق