fbpx
Loading

أسطورتي: في مديح “العشرية”

بواسطة: | 2017-12-03T13:27:20+02:00 الخميس - 2 نوفمبر 2017 - 4:30 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

 ننشأ في بيئة تحتقر المحبة، في معظم الأحيان، تُلحِقه بالأفعال الحرام، وتصمه بقلة الأدب، وفي أفضل الأحوال، قد تعده نوعًا من التفاهة وألعاب المراهقين، وعندئذ، يصبح احتقارك للحب وسخريتك منه، علامة من علامات النضج المطلوب.

ولأنني أحب عالم الأطفال، وأخشى عوالم الكبار الذين يفسدون في الأرض ويشعلون الحروب، ويختلقون المبررات المنطقية لقتل الأطفال إذا لزم الأمر من أجل مصالحهم، كنت وما زلت ممن يؤمنون بقدرة الحب على الانتصار إذا ما ساعدناه على هذا.

في كل ركن هناك حكاية ما عن هزيمة الحب في مواجهة أعدائه، كل يوم أطالع مئات المنشورات على فيس بوك، تروي حكايات مختلفة عن هزيمة الحب، وخيانات المحبين وانسحاقهم وهروبهم في أغلب الأحيان من مواجهة أعداء المحبة، يتعدد الأعداء ويتنوعون، لكن أغلبهم يندرج تحت عنوان عريض اسمه الظروف.

بعض هذه الظروف يكون منطقيًا للغاية، لو فكرت في الأمر بمنطق عقلاني جاف، لكن الحب هنا يلعب دوره الفعال، وينزع عن المنطق جفافه هذا؛ ليفرض منطقه الخاص ويصبح منطقًا في حد ذاته.

ومتى يمكن لذلك أن يحدث؟

عندما تقابل من يجعلك تصدق إمكانية تحقُّقه على أرض الواقع، من يجعلك تصافح الحب، تراه وتتلمسه بنفسك، تعيد اكتشافه من خلال المعايشة الواقعية بعيدًا عن عوالم الروايات، تناجيه، وتصادقه، وتصدقه كأعز أصدقائك.

وهذا ما حدث معي… قابلتها وأنا خارج من تجربة حب أولى، استهلكتني، وتركتني بجرح غائر في الكرامة، ينزف صديدًا في روحي، كل هذا يهون مقارنةً بالخوف! نعم، قابلتها وأنا خائف، خائف من الحب، ومن أي شيء يمكن أن أتعلق به، فيجعلني عبدًا له، لا أملك من نفسي أمرًا في مواجهته.

منذ تفتح وعيي على العالم وأنا أخشى الحب، أعرف أنه، ككل شيء جميل، ثقيل، وله ثمن غالٍ، وثمنه الأغلى هو التعلق. في مراهقتي، لم أدخن مثل معظم أقراني؛ لأنني لا أطيق أن أصبح عبدًا طيعًا للسيجارة، وللسبب نفسه، ابتعدتُ عن كل شهوة يمكن أن تستعبدني.

انهزمتُ في مواجهة الحب، وبعد أن تعرضتُ لانكسارة التجربة الأولى، عدتُ للخوف القديم نفسه، وقررت بيني وبين نفسي أن هذا يكفي.

لكنني لم أكن أعلم أنها تملك أجوبة مختلفة عما كانت تعتمل في ذهني حينها. رأتْ الخوف في نظراتي، فهدهدت روحي، لم تنفر عندما أحجمتُ، بل اقتربت، وزادت من اقترابها في أكثر أوقاتي فزعًا، أخبرتني بابتسامتها الحُلوة أن كل شيء سيكون بخير، دون أن تنطق هذا بلسانها، استوعبتْ جنوني، وعنادي الطفولي في مواجهة حبها، أحببتُها منذ الوهلة الأولى، وقاومتُ هذا بنزقي المعتاد، الذي اعتدتُ قدرتها على مراوغته، وترويضه.

طمأنتني، منحتني ما سعى له الإنسان منذ بدء الخليقة: الأمان. جعلتني مطمئنًا لأن تلك الكف التي أتعلق بها لن تتركني في زحام الطريق تائهًا، جعلتني أصدق أنها هنا، موجودة، وستظل، وستقاوم كل ما قد يمنعها عن هذا. وحينها، وجدتُ نفسي أعترف بحبي لها، أصرِّح دون خوف؛ لأنها علَّمتني أن أكف عن الخوف للأبد.

في صحبتها، أدركتُ أن الحب يمكن أن يكون أكثر عمقًا من لهفة البدايات، وجمالها. عرفتُ معها نضج الحب، رسوخه في الروح. تلك اللذة المختلفة، شديدة العذوبة، التي يغلفها يقين المحبة.

وجدتُ في صحبتها مَنْ تقتسم معي همومي، تشاركني أوقات الحزن قبل الفرح، تحسب معي قروشي القليلة وقت إفلاسي، وتحثني على الاقتصاد وقت اليُسر، وتنهرني إذا ما أحضرت لها هدية غالية الثمن.

وجدتُ فيها القدرة على الاستماع لأكثر أحلامي تفاهة، دون أن يصيبها الملل، بصبر أم رؤوم، تعرف كيف تحتوي، وتمنح، دون انتظار المقابل، وجدتُها قادرة على ترتيب روحي، والاهتمام بأدق تفاصيلها، تنظر داخلي؛ فترى دون معين، تعرف متى تقترب، ومتى يجب أن تتركني لنفسي؛ وهي تعلم جيدًا أن مصيري هو أن أهرع إليها في نهاية الأمر.

والأهم من هذا كله، أنها جعلتني أستمتع بلذة العطاء معها وإليها، دون أن أخشى من الجزاء؛ لأنني أعلم جيدًا أن عطاءها لي سيكون أضعاف ما أعطيه لها، حتى في تلك الأوقات النادرة التي يدب الخلاف خلالها بيننا، تطمئنني كل مرة، عندما أجدها مدركة جيدًا أن لخلافنا مهما عَظُم حدوده، وأن كلانا هو ملاذ الآخر، مهما بدا الخلاف كبيرًا. في نهاية الأمر، كل هذا سينتهي، وسنبقى نحن هنا، معًا.

كلما فكرتُ فيها، تذكرتُ أغنية العم أحمد منيب: أم العيال العِشريَّة، وكلما رأيتُ ابتسامتها الحلوة، وملامحها الطيبة، وكلما سمعتُ صوتها، أجد نفسي أردد مع منيب: “أصلك أصيلة يا عِشريَّة”!

نعم، أعلم أن النهايات السعيدة ليست هي الواقع الغالب في الدنيا، لكنني أؤمن أيضًا أنها ليست مستحيلة، كما أدرك أن نجاح الحب في تجاوز عقباته ليس بالأمر السهل، لكنه ممكن. ممكن لأننا نحتاجه، نحتاج سحر المحبة، القادر على تهوين الحياة بصعوباتها الضاغطة.

هو الحب وحده فقط القادر على منحك بعض الوقت؛ لتلتقط أنفاسك، وتتوقف عن الجري في سعيك الدائم خلف رزقك، هو وحده القادر على منحك تلك الطبطبة التي تمكنك من استكمال الطريق، رغم صعوباته، دون أن يصيبك الهوان.

أؤمن بالحب؛ لأنني ما زلتُ أؤمن بجدوى المقاومة، وإمكانية الانتصار، وعدم الانكسار في مواجهة قبح الواقع، لأنني مثل أمنا رضوى عاشور، وكما اختتمتْ كتابها البديع أثقل من رضوى، أؤمن أن هناك احتمالًا آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا.

( من كتابي “بسكاليا: حكايات الحب والشقا”- نُشر في مطلع عام 2016 )

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.


اترك تعليق