fbpx
Loading

«الدين والمساعدات والاقتصاد» ثلاثي القوة الناعمة التركية في إفريقيا

بواسطة: | 2017-11-01T17:35:34+02:00 الأربعاء - 1 نوفمبر 2017 - 5:35 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منذر العلي:

بخطوات حثيثة يبدو أن تركيا تمضي قُدمًا في ترسيخ نفوذها بإفريقيا، واستغلال قوتها الناعمة بجانب قوتها العسكرية لتصبح واحدة من المتنافسين الإقليميين على القارة السمراء.

سفير تركيا لدى إثيوبيا والاتحاد الإفريقي “فاتح أولوصوي”  كشف أمس الاثنين، اعتزام بلاده فتح 5 سفارات جديدة في إفريقيا، في كل من: بورندي، وإفريقيا الوسطى، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا الاستوائية، ليرتفع بذلك عدد السفارات التركية في إفريقيا الى 44 سفارة.

ولعل تلك الخطوة تفتح المجال أمام الحديث عن اتساع الدور التركي في إفريقيا، حيث بدأت أنقرة سياسة الانفتاح على القارة الإفريقية عام 1998، مع قدوم حزب العدالة والتنمية الحاكم، واكتسبت زخمًا مع إعلان الاتحاد الإفريقي تركيا شريكًا استراتيجيًا عام 2008، إلى جانب عقد قمة التعاون التركي الإفريقي في العام نفسه بمدينة إسطنبول، لتدخل تركيا عام 2013 كلاعب أساسي في سياسة الشراكة الإفريقية.

دوافع غزو إفريقيا

يبدو النفوذ التركي الآخذ في الاتساع بالقارة السمراء، نابعًا من رؤية أنقرة الجديدة لنفسها منذ عام 2002، بأنها دولة مركزية ذات دور إقليمي ودولي فاعل متخطيًا لحدودها، ومستندًا إلى سياسة خارجية متشابكة ومعقدة.

الجغرافيا تلعب دورًا في هذا الإطار أيضًا، فبعيدًا عن كونها دولة تشطرها قارتي آسيا وأوروبا، فإنها ترتبط تاريخيًا بدول شرق البحر المتوسط مدخل القارة السمراء، لتستحق لقب “إفروأوروآسيوية”.

الاستراتيجية التركية سالفة الذكر، يعززها ما تمتلكه إفريقيا من مقومات تغري الجميع، فهي ثاني أكبر قارة من حيث المساحة ويزيد عدد سكانها عن مليار نسمة 70% منهم في سن الشباب، كما أنها قارة غنية بالموارد الطبيعية والثروات البشرية غير المتكررة في أي مكان بالعالم.

لكن يشكل المنطلق الحضاري عند محاولة البحث وراء دوافع الدور التركي التعاظم في إفريقيا، حيث تسعى أنقرة حاضرة الخلافة العثمانية، لتوظيف البعد التاريخي والديني الذي يميزها عن غيرها من المتنافسين الدوليين في كسب معركة الصراع من أجل النفوذ في محيطها العربي والإسلامي والإفريقي.

ومن أبرز خطوات تركيا في هذا الصدد، الذي يعتبر أحد مصادر قوتها الناعمة الكامنة، استضافة مدينة إسطنبول مؤتمر “رجال الدين الأفارقة” عام 2006،  في إسطنبول، والذي ضم ممثلين عن 21 دولة أفريقية.

كما يأتي الاقتصاد في مقدمة الدوافع التي تشكل الاستراتيجية التركية الجديدة تجاه إفريقيا، ذات الموارد الاقتصادية الكبيرة والمتنوعة، والأسواق الواعدة، والفرص الاستثمارية المغرية (سيأتي تفصيلها لاحقًا).

وكانت “خطة إفريقيا” التي أطلقتها تركيا عام 2005، منطلق هذا التوجه الاقتصادي، وفي 2008 احتضنت إسطنبول قمة (تركيا – إفريقيا)، بمشاركة 49 دولة أفريقية، تُوجت بتسمية تركيا “شريكًا استراتيجيًا” للقارة السمراء من قِبل الاتحاد الإفريقي، ودُشن “إعلان إسطنبول للتعاون التركي الإفريقي”، و”إطار التعاون للشراكة التركية الإفريقية”، كما مُنحت تركيا صفة “مراقب” داخل الاتحاد الإفريقي، وأصبحت عضوًا في بنك التنمية الإفريقي منذ عام 2008.

في 30 سبتمبر الماضي، افتتحت تركيا أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها في الصومال، لتنتقل من إطار القوة الناعمة إلى القوة العسكرية “الخشنة” في علاقاتها مع إفريقيا، مدفوعة بتنافس إقليمي ودولي واسع على النفوذ في منطقة شرق إفريقيا المطلة على مضيق باب المندب، بما له من أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى.(تفاصيل أكثر حول دلالات وتداعيات افتتاح القاعدة هنا)

كما تبدو القيادة التركية حريصة على التواجد بقوة على خارطة التنافس الدولي والإقليمي على التغلغل والنفوذ في القارة الإفريقية بين قوى تقليدية كأوروبا وأمريكا، وقوى آسيوية ولاتينية صاعدة، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل.

فضلًا عن التنافس مع إيران وإسرائيل على الصعيد الشرق أوسطي، وهو ما كشفته صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية في تقرير نشرته نوفمبر من العام الماضي.

بوابة العبور

ولا يمكن الحديث عن النفوذ التركي في إفريقيا، دون التطرق إلى المساعدات الإنسانية التي تقدمها الحكومة والمنظمات المستقلة، والتي تعتبر بمثابة بوابة العبور إلى القارة السمراء، بشعوبها قبل حكامها.

وتبدو كلمات وزير الإعلام الصومالي عبد الرحمن عمر عثمان، التي صرح بها أكتوبر الجاري، دليلًا قاطعًا على ما نجحت تلك المساعدات، كأحد نوافذ القوة النعامة لتركيا، في الوصول إليه من أهداف، حيث قال: “استطاعت تركيا حقًا أن تكسب قلوب وعقول الشعب الصومالي”.

الخطاب الرسمي التركي يروج لتلك المساعدات بشكل محترف للغاية، حيث يربطها بمنظور قيمي، ينبع من دور إنساني وإغاثي مفروض عليها كقوة كبرى، وليس أدلَّ على ذلك من تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان خلال زيارته لشرق إفريقيا في 2014، عندما قال: “البعض جاء لإفريقيا من أجل الذهب، لكن تركيا أتت لإفريقيا لكي تضمّد الجراح”.

وتبوأت تركيا مكانةً مرموقة في مجال المساعدات الإنسانية الدولية خلال السنوات القليلة الماضية؛ ففي عام 2012 أصبحت رابع أكبر جهة حكومية مانحة للمساعدات الإنسانية في العالم، وأكبر مقدم مساعدة إنمائية غير غربي، خارج إطار لجنة المساعدة الإنمائية (DAC) التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

وفي مساعداتها الإنسانية لإفريقيا، تركز تركيا بشكل كبير على المساعدات الموجهة لقطاعات الصحة والتعليم والزراعة والمياه والصرف الصحي، باعتبارها الأكثر تأثيرًا واستدامة.

وتضطلع بهذا الدور على الصعيد الدولي هيئة إدارة الكوارث والطوارئ، والهلال الأحمر التركي، والوزارات المختلفة، ووكالة التعاون والتنسيق التركية، وتندرج كل من وكالة التعاون والتنسيق التركية وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ تحت إشراف مكتب رئيس الوزراء مباشرة، مما يتيح لهما موارد وفيرة وخبراء على أعلى مستوى.

وبالمقارنة مع أمريكا وأوروبا؛ فإن الفرق بين العمليات الإنسانية التركية والبلدان الأخرى، هو أن تركيا تصدر رسالة مفادها أنها تنطلق في جهودها الإنسانية من بُعد قيمي وديني، ولا تتوقع الحصول على مقابل.

ولعل تلك الجهود ساهمت في رسم صورة إيجابية للغاية عن الدور التركي في قضية المساعدات الإنسانية، ما انعكس على صورة كلية لتركيا في أذهان الأفارقة بأنها دولة “خيّرة” وليس لها مصالح شخصية أو أغراض خفية من وراء تقديم تلك المساعدات.

ولا تقتصر المساعدات على الجانب الحكومي فحسب؛ فقد ساهمت جهود منظمات المجتمع المدني التركية في تنمية أواصر التعاون مع إفريقيا، مثل هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، والوكالة التركية للتنسيق والتعاون (TIKA).

الاقتصاد قاطرة أخرى

بجانب البعد الديني وقضية المساعدات الإنسانية، فإن قطار التغلغل التركي في إفريقيا يمر على محطة استراتيجية أخرى، والمتمثلة في الاقتصاد، حيث تعمقت المصالح الاقتصادية التركية في إفريقيا، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002.

وأثمرت الاستراتيجية الاقتصادية التركية المنفتحة على إفريقيا إلى زيادة التبادل التجاري بين الجانبين؛ من 3 مليارات دولار فقط عام 2002، إلى نحو 25 مليار دولار عام 2015، وخلال عشر سنوات ارتفعت الصادرات التركية إلى إفريقيا من نحو 1.7 مليار دولار أمريكي في عام 2002، إلى نحو 14.1 مليار دولار في عام 2012.

وخلال العقد المنصرم، ارتفع نصيب إفريقيا من مجموع الصادرات التركية، لتصل إلى نحو 9.3% فى عام 2013، الأمر الذي يؤشّر إلى أهمية إفريقيا المتزايدة بوصفها سوقًا واعدة للمنتجات التركية.

وعلى الصعيد الاستثماري، وصلت الاستثمارات التركية المباشرة في إفريقيا، وفقًا لتقديرات عام 2015، إلى نحو 6 مليارات دولار؛ منها 2.5 مليار في إثيوبيا، و500 مليون في جنوب إفريقيا، و 160 مليون دولار في السودان، و60 مليونًا في نيجيريا


اترك تعليق