fbpx
Loading

المراجعات والتكيف مع المستجدات

بواسطة: | 2017-11-02T13:08:26+02:00 الأربعاء - 1 نوفمبر 2017 - 11:55 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

لا يتميز الغرب عن العالم الإسلامي والعربي بمزيد دهاء أو بقدرات خارقة للكون، إنما يتميز بعدة ميزات منها مراجعته لأخطائه وقدرته على التكيف المرن والسريع مع المستجدات والمتغيرات.

وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه الميزات ضمن الميزات العقلية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي لمسوها عند الروم، فقد ورد في صحيح مسلم أن ” المستورد القرشي” قال عند “عمرو بن العاص” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال له عمرو أبصر ما تقول، قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربع):إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك) .

تحرص الدول الغربية عقب الحروب والحوادث الكبرى على تشكيل لجان تقصي حقائق لدراسة الأحداث والخروج منها بدروس مستفادة، وأثناء وقوع الأزمات تحرص على تشكيل لجان لتقييم الأزمة وطرح توصيات لكيفية التعامل معها. وباستعراض مجريات الغزو الأمريكي للعراق نجد نموذجا جليا لسرعة الإفاقة الأمريكية بعد مصيبة التورط في المستنقع العراقي، ففي بداية الحرب اعتمدت أميركا على عقيدة عسكرية تنص على أن (النجاح في الحرب يتحقق في أفضل صوره بواسطة التفوق التكنولوجي الساحق). وعمليا نجحت أميركا خلال أقل من شهر من بدء الغزو في دخول العاصمة بغداد، وأعلن الرئيس الأميركي “جورج بوش” انتهاء العمليات الحربية في مايو 2003 والتي سقط خلالها 127 قتيلا من الجيش الأميركي، ولكن سرعان ما بدأت الحرب الحقيقية على يد الجماعات الجهادية وحركات المقاومة ليبلغ متوسط الهجمات اليومية عام 2006 ضد الجيش الأميركي 180 هجوما بمتوسط قتلى 100 قتيل شهريا وبمتوسط نفقات 8 مليار دولار شهريا ، وشعرت آنذاك القوات الأمريكية بأنها تقوم بمهمة ليس لها نهاية.

 

ومن ثم تعالت أصوات القادة والخبراء العسكريين في أميركا بعدم ملائمة الطرق التقليدية الأمريكية للحرب في العراق وأفغانستان، لأن التكنولوجيا الأمريكية والتدريب والتعاليم القتالية المصممة لمجابهة التهديد السوفيتي    و حرب العصابات الشيوعية غير ملائمة لطبيعة القتال في العراق وأفغانستان. فالمقاومة في البلدين لا تملك هيكلا عسكريا نظاميا متطورا، ولا تستخدم الطائرات والدبابات إنما تستخدم العبوات الناسفة والسيارات المفخخة.

ومن ثم أدركت أميركا عام 2004 فشل استراتيجية بوش بالاعتماد على القوة العسكرية وحدها لحل المشاكل السياسية إذ أدت تلك الاستراتيجية الصدامية إلى مشكلات أكثر مما حلت، فأعادت أميركا مراجعة استراتيجيتها وفقا للمستجدات على الأرض، ومن ثم تبنت استراتيجية جديدة تستند إلى فهم الحدود التي يؤدي استخدام القوة بعدها إلى نتائج سياسية عكسية، وأدركت أن النجاح في ذلك يعتمد على حسن التقدير المبني على فهم دقيق للخصوم.

وصرح الخبراء الأمريكيون بأن (معرفة العدو وثقافته ومجتمعه قد تكون أكثر أهمية من معرفة نظام أو طريقة قتاله، وأن مركز الثقل في مكافحة التمرد هو الشعب، ومن ثم فإن فهم المجتمع المحلي ونيل دعمه ضروة للنجاح) ومن ثم  نظم البنتاجون في نوفمبر 2004 مؤتمرا بعنوان (معرفة ثقافة العدو والأمن القومي) وهو المؤتمر الرئيسي الأول لوزارة الدفاع الأمريكية حول العلوم الاجتماعية منذ عام 1962. وخلصت توصيات خبراء علم الإنسان بأنه (لدحر التمرد في العراق يتعين على أمريكا وحلفائها التعرف على البناء القبلي الأصلي للبلاد واستثماره، والاستفادة من الإسلام كمذهب فكري سياسي ومن المصالح التنافسية للشيعة والسنة والأكراد، فضلا عن التمييز بين الحضر والريف).

كما شكل الكونجرس عام 2006 لجنة من كبار الساسة الأمريكيين ممن لهم خبرة واسعة بشؤون العراق والشرق الأوسط لتقييم الوضع بالعراق واستشراف مآلاته المستقبلية، وتقديم النصح للحكومة الأمريكية للخروج من المأزق العراقي بأقل الخسائر الممكنة، واشتهرت تلك اللجنة باسم لجنة(بيكر- هاملتون) وقدمت اللجنة تقريرا مهما ومفصلا ختمته ب79 توصية لكيفية التعامل مع الأزمة العراقية محليا وإقليميا ودوليا.

كما أصدر البنتاجون عام 2007 (دليل الميدان  للجيش الأميركي وقوات المارينز لمكافحة التمرد) والشهير باسم دليل الجنرال” بترايوس “. والذي مثل ابتعادا عن نهج الاعتماد على القوة العسكرية بمفردها ضد الخصوم، وأعطى أهمية لمد جسور التعاون مع القوى المحلية والقبائل.

ولاحقا سحبت أميركا معظم جيشها من العراق واعتمدت على  الحروب بالوكالة وإثارة النزاعات الطائفية والعرقية، وتركت مساحة للتمدد الرافضي في المنطقة بل ودعمته باعتباره الأقدر على تحقيق الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة المسلمين السنة وتقليم أظافرهم دون التورط في حروب دامية مباشرة معهم ، كما استغلت أميركا المظلومية الكردية، ودعمت العديد من الأحزاب الكردية دعما غير مسبوق لتكون بمثابة حائط صد ضد التنظيمات الجهادية، وفزاعة لدول الجوار الإقليمي.

على النقيض من تلك المراجعات الأمريكية نجد معظم القوى الفاعلة في العالم الإسلامي تتمترس خلف استراتيجيات جامدة مهما ثبت فشلها عمليا، وتتكلس حولها دون أن تراجعها وتطورها على ضوء مستجدات الواقع.

كما نجد أن مصطلح (المراجعات) حرفه البعض إذ جعلوه مرادفا للاستسلام للخصوم وإسباغ الشرعية عليهم لا العمل على إعادة تقييم المشهد والخروج بتوصيات عملية سعيا للانتصار أو النجاة من المآزق بأقل الخسائر الممكنة، وهو ما يحتاج لتغيير جوهري وعميق لنكون على مستوى الأحداث التي يمر بها العالم الإسلامي.

 

المصادر:

1-مونتجمري مكفيت- دراسة (علم الإنسان “الانثروبولوجي” والعمليات العسكرية ضد المتمردين)- العدد الأول بالعربية من مجلة (العرض العسكري) الفصلية الصادرة عن مركز الأسلحة الموحد بالجيش الأمريكي– عام 2005.

2-تقرير لجنة (بيكر- هاميلتون) الصادر عن مجموعة دراسة العراق.

3- الجنرال ديفيد بترايوس- دليل الجيش الأميركي وقوات المارينز لمكافحة التمرد ) FM3−24 ).

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

أحمد مولانا
أحمد مولانا
مهندس مصري من مواليد 1984، أصدر كتابين: "العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية" عام ٢٠١٢ ، و"جذور العداء" عام ٢٠١٣.

اترك تعليق