fbpx
Loading

“الموت” الفقدُ الأسهل!

بواسطة: | 2017-11-05T22:58:03+02:00 الأحد - 5 نوفمبر 2017 - 9:11 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

كانت أيامًا قاسيةً جدًّا، تجرّعنا فيها الخوفَ والفقد والحرمان معًا، مخلوطين في كأسٍ واحدةٍ، ولا شيء قادر على أن يفصل بين ثلاثتهم. ثلاث سنواتٍ من المطاردةِ اللعينةِ التي قطفتْني وأنا برعمٌ في الخامسة عشرة من عمري، وأجهضتني وأنا جنينٌ ابن عقدٍ ونصف، وقطعت الحبلَ السُّرّيّ الذي يصلُ بيني وبين أمّي والناس والحياة. لم يكن عاديًّا بالمرةِ أن يَضربَ هذا الطفلُ كل ليلةٍ ويطوي برودة الأرضِ تحت قدميه المرتعدتين باحثًا عن مكانٍ يأويه هذه الليلة، ثم إذا وجده لم يستطع النومَ خشيةَ عينٍ تترصدُه أو بابٍ سيُضرب بقوةٍ فجأة، وإذا نام هذه الليلة، فهو سيكرر المأساةَ ذاتَها غدًا وبعد غدٍ إلى أن يشاء الله.

لم يكن بسيطًا على هذا الصغيرِ أن يَخرُجَ من سريره ومكتبه وغرفته وهو لم يبدأ حياته بينهم بعد. لم يكن سهلًا أن يحمل كتبَه فوق ظهرِه كل يومٍ مرتحلًا باحثًا عن سقفٍ شبه آمنٍ يذاكرُ تحتَه، وهو في الثانوية التي تقرّب بين كل أمٍ وابنها أكثر من أي وقتٍ آخر. لم يكن طبيعيًّا أن يأكلَ من يدٍ غير أمّه، وأن ينامَ بلا قبلتِها الحانية على جبينه، وأن يسحبَ الغطاءَ على جسمِه بيديه، الأمر أكبر من مجردِ سحبِ الغطاء، الأمر في اليدين اللتَين تسحبانه!

لم أكن رأيتُ أبي منذ ستة أشهرٍ قبل هذه المرة، اتفقنا على موعدٍ متزامنٍ مع إنجازهِ خفيةً أوراقًا مطلوبةً لسفرِه، وكانَ المشهدُ صادمًا.. كانت هذه الأيامُ التي قضاها وحدَه هذه المرةَ أبعد وأطول وأقسى. قضى قبلها عامين وحيدًا مطاردًا أيضًا لكن بالقرب، كنا نتقابل ونتجالسُ ساعةً في يومين، ثم ساعةً في أسبوع ثم في أسبوعين ثم في الشهر.

ذلك اليوم الذي حاصرت فيه القواتُ البيتَ والمسجدَ والشارعَ والمدرسةَ، مأمورةً بتصفيتِه، ومداهِمةً هذا كله في التاسعة صباحًا على غير عادتِها، وبقائها إلى الرابعة عصرًا تبحث كالكلابِ المسعورةِ عن لحمٍ تنهشه، منذ ذلك الحين وصار أبي أبعد أضعافَ ما كان، لا اتصالاتٍ ولا رسائلَ ولا زيارة ولا علم بمكانِه حتى. كان أبي بعد هذه الأشهرٍ الأخيرة الطويلة كمدينةٍ خاويةٍ على عروشها، الشعرُ استحالَ إلى الأبيضِ قبل موعدِه بسنوات، والوجهُ كثرت انثناءاتُه، والعينانِ محدّقتان ذاهلتان، والجبينُ مقفرٌ وهو الذي لم يكن يومًا إلا نديًّا.

تقابلنا في حافلةٍ عامة، غُصنا في بعضنا كموجتين كبيرتين التقتَا فذابت كلٌ منهما في الأخرى. السكوتُ على غير المتوقعِ كان مختزلًا كل شيء، كل الكلامُ الذي جهزته مسبقًا لأخبره به في هذه الساعة العابرةِ قد تبخر، كل اجتهاداتي في الجامعةِ وسعيي في مرحلتي الجديدةِ لم أستطع الحديثَ عنها، كان يسألُ أسئلةً طويلة، وكنتُ أجيب بردودٍ مقتضبة، كأنه يتغلبُ على جمودِ الموقفِ، وكأنني أفورُ فقط من الداخل، ولكن بالخارجِ جبلٌ جليديّ إن انهارَ ستقوم القيامة ولن تقعد.

“رنا” الصغيرةُ كانت أسئلتُها بريئةً كعينيها، تسأل وهي لم تزل في الثالثة من عمرها، عن “بابا” ويوسف والأمن، تعلمتْ من أمّي أن تتعجّل مغادرتي للبيتِ إذا دخلتُه متخفيًا في كل أسبوعٍ مرة! كان الأمرُ أقسى من أن يكون بالحساباتِ العقلية أو الدلالات والنتائج، كان الموقفُ أكبر من كل رسائل التثبيت المحفوظة، كان متمردًا على ترويج المخدرات التي تقول: اصبر وعن الحكَم التي ملّت الأذن سماعها، كان الموقف لا يستدعي إلا أن تغمض حتى تفيق منه، كطفلٍ تسلل إلى عربةٍ ببيت الرعب، في مدينة الملاهي، يتفاجأ بجدية الأمر وقسوة التجربة، فيغمض عينيه ويضع يديه بشدة على أذنيه ويصرخ! يصرخ وفقط!

يقولونَ أن الحرمانَ بالموتِ هو أقسى أنواعِ الفقد، لكنني أقول أنه أسهلهم. قسوتُه نعم في أنّ أحدهم انخلعَ من فؤادك فتركه خاويًا.. لكنّه انخلع!.. ولا يستوي هذا مع مَن لا يغادر ولا يثبت، وإنما هو بين المرتبتين متعلّقًا بجلدةِ الفؤادِ، تقولُ ليتَه رحل فلا أموتُ بأنه معلّقٌ هكذا، أو ليته ثبتَ بالداخلِ. حتى في سلخانات التعذيب؛ فإن أقسى وسيلة هناك أن تتركَ الضحية معلّقا بين السماءِ والأرض، لا هو يسقطُ عليها فيموت، ولا هو مثبّت بالأعلى فيتكيّف وينجو.. هذا هو الحرمانُ أو الفقدُ الذي أقصدُه؛ الموتُ المتعلّق بآخر شعرةٍ من الحياة.

يموتُ لي حبيبٌ فأدعوَ بأنْ ألحق به على خير. أزور قبرَه وأنثر الوردَ حول لحدِه، أذهب إليه متى شئتُ ويأتيني في الحلم متى اشتاقَ وأدثره بالدعاءِ وأحضنُه على بابِ السماء الأولى كل ليلة. لكن إن كان هذا الذي فقدته، لم أفقده بالموت! وكان الحرمانُ منه أرضيًا لا سماويًا، فسيكون الموتُ روحيًّا لا بدنيّا، والفقدُ لاعنًا وملعونًا في الوقت ذاته.

أن تفقدَ أحدهم ويفقدك أحدهم وكلاكما حيّ، أن تنعي أو تأخذَ العزاءَ في موجودٍ لا مفقود، أن يموتَ كل شيءٍ ووحدَهما الزمان والمكان يعيشان بينكما، أن يلدغَك عقربٌ سامٌ والمصلُ على بعد شبرٍ من يدكَ لكنه في صندوقٍ مقفَل؛ هو أقسى منعٍ وحجبٍ ووأدٍ في الكون كله! يا صديقي.. حتى الأمواتُ –وهم أموات- لا تكون صناديقهم مقفَلة! أرأيت؟! كيف يكون الحرمانُ المميتُ أقسى من الموتِ الحارِم؟! وكيفَ يكونُ صعودِ الروحِ أحيانًا هو الإفراجُ الوحيدُ من السجن، ويكون الموتُ هو السبيلُ الوحيدُ إلى اللقاء؟!

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

يوجد تعليق واحد

  1. أمنية السيد الإثنين، 6 نوفمبر، 2017 at 12:56 م - Reply

    بربك لقد مزقت الفؤاد بكلماتك تلك .. وضغطت علي جرحٍ نحاول أنا نضع عليه ضمادًا حتي يقف نزيفه!
    أكمل ولا تقف ، ولا تحرمنا من عذب كَلمك .. ?
    شكرًا لقلمٍ أستطاع أن يعبر عنّا! ?

اترك تعليق