fbpx
Loading

رسالةٌ مُسرّبةٌ من سيناء

بواسطة: | 2017-12-02T14:08:52+02:00 السبت - 25 نوفمبر 2017 - 8:41 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

هنا في صفّي لتلعم اللغة بالجامعة، عشرون طالبًا من ثلاث عشرة جنسية، كلهم بلا استثناءٍ يرونَ مصرَ قلعةَ الدنيا وأصل الجمال فيها، ويُجزمون أنها جنّة الأرضِ وعروس الحياة، ودائمًا لا يكفّون عن طلبهم منّي الحكاية عنها، أزيدهم ولا يرتوون، وأحدثهم ولا يملّون من الاستماع، ويسألونني وأجيبهم عن كل شيء.. حتى جاء السؤال عن سعر التذكرة من إسطنبول إلى القاهرة وتكلفة أسبوعين فيها؛ ليدّخروا ما يمكّنهم من السفر بعد أشهرٍ من الدراسة..

حينها اضطُّررتُ إلى أن أريَهم الوجهَ الآخرَ لمصر؛ أن أحكيَ لهم عن أنها غير آمنة الآن، عن الشباب الذين في سني لكنهم يقضون أعمارهم في السجون، عن الشيوخ الذي يقضون نحبهم في السجون، عن الزهرات اللواتي ذبلن في السجون.. اضطررتُ إلى أن أصدّق لهم على قصص التفجيرات والإرهاب الذي يسمعون عنه بين الحين والآخر، عن “سيناء” ساحةُ الحربِ والتصفية بين الجيشِ والجماعات المتطرفة.

“آيداي” هي الأكثر حبًّا واطّلاعًا بشأن مصر وجمالها، وتقول بالحرف الواحد أنها “حلم الحياة” بالنسبة إليها؛ ولا بأس عندها أن تزورها ثم تموت ضحيةً في تفجيرٍ بإحدى مدنِها ما دام الوضع كذلك! إلى هذا الحدّ تراها جميلةً حدّ الموت، بلا مبالغةٍ مني ولا تحريف لحديثها. اليومَ علموا بما جرى وأرسلوا جميعًا ببالغ الحزن والأسى يعزّونني في الحادثة البشعة، وقد بدا لهم الوضعُ الآن أكثر وضوحًا؛ لماذا لا أستطيعُ العودةَ إلى مصر، ولماذا لا يستطيعون السفر إليها.

كان مثلي تمامًا، أو كان “أنا”.. بعيدًا عن صخب هذه الحياةِ، كان يسعى إلى إنهاء ثانويّته ثم السفرِ إلى الخارج، ربما كان سيفوز بمنحةٍ إلى تركيا، وبعدها سيذهب إلى تعلم اللغة في الجامعة مع جنسياتٍ كثيرة. كان حتمًا سيحكي لهم عن أنه من بقعةٍ مبارَكةٍ في مصر اسمها سيناء، ولا بأس إن لم يسمعوا عنها من قبل إلا مرتبطة بأصوات الرصاص، ولم يروها إلا مصبوغةً باللون الأحمر، كان سيحكي لهم عن الخير الكثير في أرضها، وعن عهدِها المجيدِ الذي تفوح منه رائحة الصادقين الذين دفعوا دماءَهم ضريبةً لبقائها حية.

كان يومَ الجمعة، لا دروس ولا مذاكرة ولا شيءَ سوى الترفيه عن النفس والسباحة بالخيالِ في ذلك اليوم الذي سينتهي فيه ضغط هذه السنة الطويلة. يستيقظ بعد الفجرِ لتناولِ الإفطارِ مع أهله الذين ينقصُهم ربّ الأسرةِ مختفيًا منذ ثلاث سنواتٍ في سجن العزولي الحربي الذي يسدّ القائمون عليه عقدة نقصهم، بالنيلِ من الأبرياء من الأهالي الذين لا ناقةَ لهم ولا جمل.

على كل حال فإن الأسرة تأقلمت على الواقع، هم في بيتهم والأب في السجن، والله يرعى كليهما بقدرته. بعد الإفطار يغتسلُ الفتى للجُمعة ويقرأ أول الكهف، ويحاول جاهدًا بما يلتقطُ من إشارةٍ ضعيفةٍ أن يبحث في الإنترنت عن النصائح التي تقوّي فرص القبول بالمنحة التركية، تبتهجُ أساريرُه مع اقتراب موعد التقديم، وهو يثقُ في أنّ مواهبَه والشهادات التي حصل عليها متفوّقًا في البحث العلميّ، ستؤهله إلى هذا الحلم الذي يرقبه وينتظره..

ينظر في ساعتِه فيجد متّسعًا من الوقتِ لموضوع التعبير الذي طلبه منهم أستاذ اللغة العربية، تدريبًا لهم من الآن على امتحانات الثانوية العامة، أخذ ورقةً من على مكتبِه وكتب على رأسها في منتصف الصفحة: “عنوان الموضوع: سيناؤنا الحبيبة.. بين الألم.. والأمل” وأخذت تجود عليه قريحتُه ويكتبُ عن الجمالِ الذي لن يغلبه القبح، وعن الطهر الذي لن يدنسه الرجس، وعن الواقع الموجود والخيال المنشود، وقبل أن ينتهي من الموضوعِ قطع تفكيرَه صوتُ النقشبندي بالابتهالات التي تسبق وقت الصلاة بساعة، تذكّر وصية أبيه له دائمًا بقدسية تواشيح الجمعة وأهمية حضورها في المسجد، فهبّ من على كرسيه دون أن يكمل الموضوع، ودسّ الورقة في جيبِه ومعها القلم ليكتب الأفكار التي تخطر بباله وتكون في قمة الإبداع تزامنًا مع الخطبة المملة كالعادة، تعطّر وانطلقَ إلى مسجد الروضةِ الذي على الطريق، وهو المسجدُ الأقربُ إلى بيته، وصلَ إلى المسجد قبل الأذانِ بأربعين دقيقة، صلى ركعتينِ وجلس يذكر الله إلى أن صعد الإمام المنبر وأذّن المؤذن وبدأت الخطبة، وبدا كلُّ شيءٍ معها طبيعيًّا..

فجأةً سمع صوتًا مدوّيًا بالخارجِ وصرخاتٍ انطلقت ولم تسكت، فزع مع مَن فزع ليرى ما حدث، لكنه لم يلبث أن خرج حتى رأى عربات الدفعٍ الرباعيّ مقابل المسجد، يعتليها مسلحون ملثّمون، وبين أيديهم رشاشاتٌ تعوي.. رأى عينيْ هذا الرجل تلتقي بعينيه، وفي اللحظة ذاتها رصاصةٌ تخرج من فوّهة سفّاكة الدماء التي معه، لكنه لم يسمع صوتها هذه المرة، لأنّ سرعةَ الرصاصِ تفوق سرعة الصوت، ولا أحد يسمع صوت الطلقة التي قتلته.

سقطَ على الأرضِ وتخضبّ جلبابُ الجمعةِ الأبيضِ بدمائه الساخنة، وتسللتْ ورقة التعبير من جيبه كأنها تستطلعُ الخبر لتكملَ الموضوع بنفسها؛ فاختلط الدمُ بالحبر حتى تاهت الأحرفُ وتشرذمت الكلمات، ولم يسلم من الدماء إلا الجانب الأيمن من رأسِ الورقة؛ مكتوبًا فيها: “عنوان الموضوع: سيناؤنا الحبيبة.. بين الألم.. و….”. ولكن تكملة العنوانِ في شمال الورقةِ.. كانت قد غرقت بالدماء.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

اترك تعليق