fbpx
Loading

كيف نتعامل مع بيانات وزارة الداخلية المصرية؟

بواسطة: | 2017-12-02T14:06:09+02:00 الأربعاء - 29 نوفمبر 2017 - 9:55 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

تتوالى بيانات وزارة الداخلية المصرية بخصوص الأحداث التي تمر بها البلاد منذ الانقلاب العسكري حتى اليوم، ويدور الكثير من الجدل حول منهج التعامل مع هذه البيانات، فالبعض يرفضها بشكل كامل نظرا لسوابق تضمنها معلومات كاذبة، كادعاء تصفية شباب مناهض للانقلاب في اشتباكات ومداهمات، بينما هؤلاء الشباب سبق إلقاء القبض عليهم وإخفائهم قسريا وفقا لشهادات ذويهم، بل وصل الحال إلى تصفية أشخاص سبق نشر أخبار توقيفهم بالصحف كما في حالة الشاب “عمر عادل” من الشرقية، والدكتور “محمد كمال” أحد كبار قادة جماعة الإخوان المسلمين.

وعلى الطرف الآخر توجد قطاعات مؤيدة للسيسي تصدق بشكل كامل ما تورده بيانات الداخلية من تفاصيل نظرا لسوابق صحة بعض المعلومات التي أوردتها بخصوص عدد من الحوادث.

بينما الصواب التعامل مع هذه البيانات بمنهج وسطي، يدقق في المعلومات والمعطيات الواردة في تلك البيانات ويحللها على ضوء القرائن و المعلومات الأخرى المتوافرة، فيقبل الصحيح ويرد الكاذب منها. إذ يصعب على وزارة الداخلية تمرير الأكاذيب دون اكتشافها، وهو ما يتضح جليا في  أشهر واقعة في تاريخ مصر المعاصر كذبت فيها وزارة الداخلية، ألا وهى فبركة اعترافات المتهمين بمحاولة اغتيال الوزير السابق ورئيس جهاز مباحث أمن الدولة والمشرف على تعذيب المعتقلين في حادثة اغتيال السادات اللواء “حسن أبوباشا” . وهى الحادثة التي تستحق ايراد تفاصيلها للتأكيد على صواب المنهج  سالف الذكر في التعامل مع بيانات الوزارة.

ففي الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم 6/5/1987 الموافق للثامن من رمضان، وأثناء عودة “أبوباشا” إلى منزله  عقب حضوره  حفل افطار بمنزل زوج نجلته الدكتور “حسام بدراوي” . تعرض الوزير لوابل من إطلاق النيران من قبل شابين  أمام  منزله بالعجوزة، وغادر المنفذان مكان الحادث في سيارة ربع نقل عقب سقوط الضحية على أرض الشارع مضرجا في دمائه. وذكر شهود العيان أن الشابين كانا يشربان مياه غازية في كشك قريب من منزل “أبوباشا” الذي نجا من الموت بأعجوبة، ولكنه ظل بقية حياته مقعدا لشدة إصابته.

آنذاك كان “زكي بدر” يتولى منصب وزير الداخلية ، وكان معروفا بسلاطة لسانه، حتى وصل به الحال إلى شتم زملائه الوزراء في مؤتمراته  ولقاءاته، ومن ثم ضغط “بدر” على جهاز أمن الدولة متهما إياه بالفشل ومطالبا بسرعة القبض على الجناة. وتم اعتقال قرابة ألفين شخص معظمهم ممن سبق اعتقالهم في حادث اغتيال السادات احترازا من وقوف بعضهم خلف الحادث انتقاما من إشراف “أبوباشا” على تعذيبهم عام 1981.

أعلنت وزارة الداخلية عقب الحادث بأيام القبض على المنفذين، ومطابقة بصماتهم للبصمات الموجودة على زجاجات المياه الغازية التي تم تحريزها، وأعلنت أن الضالعين في الحادث هم:

– “مجدي غريب فايد” الذي سبق سجنه 3 سنوات على خلفية حادث اغتيال السادات ، وهو شقيق زوجة قائد تنظيم الجهاد “محمد عبد السلام فرج”.

– “محمد طه البحيري” الذ يسكن في نفس العقار مع “مجدي غريب” ويعمل سائقا على سيارة ربع نقل. واتهم بقيادة السيارة التي استخدمت في تنفيذ الحادث.

-“فاروق عاشور” الذي تطابقت بصماته مع  البصمات الموجودة على إحدى زجاجتي المياه الغازية.

وعندما تم عرض الثلاثة على النيابة فجر المتهمون مفاجئة بنفيهم الضلوع في الحادث. وذكر “مجدي غريب”  أن أحد كبار ضباط أمن الدولة عرض عليه صفقة للاعتراف بتنفيذ الحادث مقابل التعهد بالإفراج عنه لاحقا، وقال أن الضابط قال له ( ضرب “أبوباشا” واطلاق الرصاص في الشوارع معناه أن مصر ليس فيها أمن مما يعني التأثير على السياحة والاستثمار، كما أن عدم ضبط الجناة يضر بجهاز أمن الدولة، فزكي بدر مجنون، ولابد من تقفيل القضية).

ثم كانت المفاجئة الأكبر بالعثور على السلاح المستخدم في تنفيذ الحادث بسيارة الشاب (محمد كاظم عبدالقوي) بالمنوفية  إثر مشاجرة بين كاظم وخاله على أحقية كاظم في ميراثه من والدته، إذ أطلق النار على خاله  دون إصابته أثناء جلسة تفاوض بينهما لإنهاء النزاع، ومن ثم حاول أولاد خاله الإمساك به ولكنه تمكن من الفرار، وأثناء تحطيم أهالي القرية لسيارته الربع نقل عثروا بداخلها على سلاح ناري سلموه للشرطة، فكشف تحليل بصمة السلاح عن أنه هو السلاح المستخدم في محاولة الاغتيال.

ومن ثم أطلقت الوزارة حملة بحث واسعة عن “محمد كاظم” والمقربين منه، وخلال تلك المدة نفذ كاظم  حادثين آخرين فاستهدف في 7/7/ 1987 نقيب الصحفيين “مكرم محمد أحمد” بإطلاق النيران على سيارته ، واستهدف في 8/8/1987 وزير الداخلية الأسبق اللواء “النبوي اسماعيل” أثناء وقوفه في شرفة منزله  بشارع جامعة الدول العربية.

تمكنت قوات الأمن من تحديد مكان “كاظم” ورفاقه في قرية “الخرقانية” بالقناطر الخيرية، وخاضت معهم اشتباكا ضاريا أسفر عن مقتل أمين شرطة وإصابة 26 أخرين من عناصر الأمن، بينما تمكن كاظم ورفاقه من الفرار، إلى أن عثرت عليه الشرطة مجددا في قرية “سنتريس” بالمنوفية وقتلته في اشتباك بتاريخ 28/8/1987. وقبضت على رفاقه بالتدريج.

-وفي النهاية تبين عدم وجود أي علاقة للأفراد الثلاثة الذين سبق القبض عليهم واتهامهم بتنفيذ الحادث، بل والطريف أن زجاجات المياه الغازية لم تحتفظ ببصمات المنفذين عليها نظرا لأنها كانت “مشبرة” مثلما يقال بالعامية المصرية، فساهم بخار الماء في إزالة آثار البصمات من عليها، وقامت الداخلية بإجبار بعض العناصر المتهمة على مسك الزجاجات عقب توقيفهم، ومن ثم أعلنت كذبا مطابقة بصماتهم لبصمات المنفذين!!

هذه الواقعة أمكن تبين كذب الداخلية فيها من خلال 3 أمور:

1-شهادات أقارب المتهمين وجيرانهم عن وجود المتهمين في منازلهم وقت تنفيذ الحادث، فمجدي غريب كان مريضا بآلام في الكلى يتلقى منها العلاج بمنزله، بينما “فاروق عاشور” كان يقيم بقرية الخيرية بمركز المنصورة بعيدا عن محافظة الجيزة التي وقع بها الحادث.

2- نفي المتهمين في تحقيقات النيابة ضلوعهم في الحادث، واثبات تعرضهم لتعذيب وحشي لإجبارهم على الاعتراف.

3- العثور على السلاح المستخدم في الحادث بسيارة “محمد كاظم” رغم القبض على المتهمين الثلاثة ، ووقوع حادثين آخرين تبنتهما جماعة “المسلمون” التي اشتهرت إعلاميا باسم “الناجون من النار” وهى من تبنت أيضا حادث “أبوباشا”.

ومن عجائب الأقدار أني قرأت بعض تفاصيل تلك الحادثة في كتاب للدكتور “محمد مورو”  تناول فيه التعذيب في السجون، ثم سمعت القصة بحذافيرها على لسان المنفذ الثاني لمحاولة الاغتيال الأستاذ “يسري نوفل” في معتقل أبوزعبل عام 2010، والذي حُكم عليه بالمؤبد منذ عام 1987، وكان من المفترض أن تنتهي محكوميته عام 2012، ولكنه خرج من السجن أثناء أحداث ثورة يناير، ليتم القبض عليه لاحقا نهاية عام 2011 ويتهم مع د. محمد مرسي في قضية الهروب من السجون، ويحصل على حكم بالإعدام ، ليكون أقدم سجين في مصر حاليا.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

أحمد مولانا
أحمد مولانا
مهندس مصري من مواليد 1984، أصدر كتابين: "العقلية الأمنية في التعامل مع التيارات الإسلامية" عام ٢٠١٢ ، و"جذور العداء" عام ٢٠١٣.

اترك تعليق