fbpx
Loading

“ملوك الجدعنة” يتراجعون.. هل فقد المصريون مروءتهم؟

بواسطة: | 2017-11-04T12:47:46+02:00 السبت - 4 نوفمبر 2017 - 12:42 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منذر العلي:

“ملوك الجدعنة” لطالما اكتسب المصريون هذه الصفة على مر الزمن، شاملة جامعة لكل معاني النخوة والشهامة والمروءة، وغيرها من الصفات التي تدل على المعدن الطيب لعموم الشعب، بغض النظر عن سلبية هنا أو حالات فردية هناك لا يخلُ منها أي مجتمع.

أما الآن ومنذ سنوات قليلة، فقد تبدلت الأحوال وانقلبت الصورة، ليعكس الشارع المصري حالة من السلبية واللامبالاة والفردية وصل إليها الشعب، وكأنه فجأة أصبح شعب آخر!

ترى الفقير المُعدم مادًا يده طالبًا للمساعدة فلا تجيب، تتزاحم مع النساء والأطفال والعجائز على أولوية ركوب المواصلات العامة بلا خجل، تترك فتاة فريسة لذئب متحرش وكأن الأمر لا يعنيك، أما تلك “الخناقة” فالتعامل معها مختلف فأنت لا تدعها وشأنها بل تتدخل فقط “للفرجة” والتصوير بكاميرا الموبايل إن استدعت الظروف وكانت المشاجرة “دامية”.

بعض اللقطات التي نشاهدها ونكون جزءًا منها في حياتنا اليومية، وربما تتكرر أمامك أو تشارك فيها أكثر من مرة في يوم واحد، لكن يبقى الشعار المرفوع دائمًا “خليني ف حالي”، “وأنا مالي”، و”ياكش تولع” و”ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه”.

فما الذي حدث لـ”ابن البلد”، وهل تنازل طواعية عن تلك الصفات أم أن هناك ما أجبره على ذلك؟!

فتش عن لقمة العيش

في الصباح الباكر يذهب “محمود” الموظف في إحدى المصالح الحكومية، وبأنفاس متسارعة وضربات قلب متزايدة مع سنه الذي تخطى الأربعين بقليل فقط، يجد “الموقف” فارغًا من سيارات الميكروباص التي يستقلها لعمله، بينما يتجمهر العشرات في انتظار أحدها.

وما إن أتى “السرفيس” إلا وهرول “محمود” نحو الركوب غير أنه لمح سيدة تحمل طفلًا ورجلًا في سن أبيه وقد همّا بأن يسبقاه إلى الباب، فسارع الخُطى ليحظى بآخر مقعد بعد تجاوزهما.

وبعد أن استقر في مكانه وانطلقت السيارة، استيقظ ضميره وأخذ يلوم نفسه مرات ومرات: كيف أسمح لنفسي أن أزاحمهما، أو ليس من المروءة أن أعطي لأحدهما الأولوية، أليس أي منهما أحق بهذا المقعد؟.

أسئلة كثيرة ولوم وعتاب وجهه لنفسه، إلا أنه سرعان ما تذكر مصروف بيته الشهري، والتزاماته المادية نحو أبنائه في مراحل الدراسة المختلفة، وفواتير الكهرباء المتأخرة، والأقساط المستحقة، وغيرها من الالتزامات.

وعندما ربط “محمود” بين هذا كله، ومديره “المتسلط” الذي يتمنى له غفوة مثل التأخر عن مواعيد العمل ليجتز راتبه، هان أمر التسابق على مقعد الميكروباص في عينيه، وهدّأ نفسه بطمأنينة أوقفت اللوم والعتاب، وتحولت إلى تبرير، رأى خلاله أنه لم يكن ليتصرف بغير ذلك.

هذا الموقف التخيلي، ربما يلامس الواقع تمامًا ويعكس صورة قاتمة لأحد أكثر الأسباب أهمية في تراجع أخلاقيات المصريين، وتواري الشهامة والنخوة والجدعنة خلف ظلال كثيفة من الصراع على لقمة العيش ومتطلبات الحياة اليومية.

وبفعل قرارات اقتصادية غاية في الصعوبة، منذ تعويم الجنيه وضريبة القيمة المضافة وخفض دعم الوقود وكهرباء المنازل والمياه، شهدت مصر ارتفاعات قياسية في أسعار السلع والخدمات الأساسية على مدار السنوات القليلة الماضية، أثقلت كاهل المواطن، وجعلت عينيه في وسط رأسه بالتعبير الشعبي، باحثُا فقط ومهتمًا حصريًا بالحصول على لقمة العيش.

لا تربية ولا تعليم

كثيرون لا يستطيعون نسيان بعض البديهيات والمسلمات التي كانت سائدة في الأسرة المصرية قبل عقود، لكنها اختفت من حياتنا.

اجتماع الأسرة كلها بلا استثناء أيًا كانت الظروف على وجبة واحدة على الأقل يوميًا، فضلًا عن الطقوس المقدسة ليوم الجمعة العطلة الأسبوعية، بداية من الاستيقاظ المبكر مرورًا بالإفطار والذهاب للصلاة، وصولًا إلى المشاهدة الجماعية للبرامج الشهيرة على قناتين فقط في التليفزيون.

وكان مشهدًا اعتياديًا أن ترى الجميع في هذه الجلسات يتبادلون أطراف الحديث، ولا ينشغل أحدهم إلا بالآخر دون مؤثرات خارجية، وهكذا كانت الأسرة تلعب دورًا هامًا في النصح والإرشاد والتوجيه للنشء.

أما الآن فلا تجتمع الأسرة الواحدة إلا في المناسبات، وربما لا تجتمع لفترات طويلة بسبب الانشغال، وإذا اجتمعت رأيت كل شخص منهمك إما في مشاهدة التلفاز أو في تصفح تليفونه المحمول و”الشات” مع أصدقائه عبر برامج التواصل الاجتماعي.

وبهذا تفككت الأسرة وفقدت دورها في الاهتمام بزرع القيم الدينية والخلقية، وانشغلت فقط بالكسب المادي من أجل تلبية حاجات أفرادها.

الجناح الثاني الذي كان يلعب دورًا مساندًا في منظومة القيم الموجهة للمصريين كان المدرسة، ولعل لهذا السبب كانت تسمية وزارة التربية والتعليم، أي أن التربية قبل التعليم.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت انهيارًا غير مسبوق لتلك المنظومة، بدءًا من غياب دور الحكومة في التطوير، وإهدار كرامة المعلم ماديًا على يد الحكومة لتصل إلى الإهانة على يد الطلاب وأولياء أمورهم، مدفوعين باستماتة المعلم من أجل الدروس الخصوصية.

وفي النهاية تضافرت العوامل كافة، حتى كان المُخرج في احتلال مصر المرتبة قبل الأخيرة (139 من بين 140 دولة حول العالم) في جودة التعليم الأساسي، بينما تسابقت على الصدارة دول عربية تأسس التعليم فيها على يد المصريين.

الانفلات الأمني في قفص الاتهام

وكما كان غياب دور الأسرة والمدرسة في توجيه النشء مسؤولًا عن الانحدار الأخلاقي الذي بات مسيطرًا على الشارع المصري، فإن ثمة أسباب أخرى ربما لا تقل أهمية.

“محمود بطامي”، أستاذ علم النفس والاجتماع، قال إن التغيير الذي طرأ على سلوك بعض المصريين سببه طبيعة المرحلة التى تمر بها البلاد في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وما تلاها من مشاهد وأحداث عنف وصور دموية لم يعتد المصريون على مشاهدتها.

تلك المشاهد، بحسب بطامي”، “أدخلت الخوف في قلبه، وجعلته يتراجع عن التدخل لفض أي مشاجرة أو خلاف بين المواطنين في الشارع خشية تعرضه لإيذاء بدني بسبب انتشار البلطجية والانفلات الأمني.

وأضاف في تصريحات صحفية، أن الأحداث التي أعقبت الثورة من انفلات أمني وانتشار للأسلحة البيضاء والنارية وعمليات النهب والسرقة للمحلات، وحالات خطف الأطفال والفتيات جعلت سلوك المصري “سلبي” تجاه الأحداث اليومية التى يشاهدها.

ولعل المشاهد المتكررة لسحل وضرب متهمين بالسرقة أو حتى لصوص في الشوارع وأمام المارة وبأيديهم بصورة بشعة ودموية، ليست دليلًا على النخوة والمروءة، بقدر ما هي انعكاس لحالة الانفلات الأمني التي غابت فيها الدولة وتوحش المجتمع.

من فعل هذا؟

تدني الاقتصاد وسوء الأحوال المعيشية وتراجع التعليم وغياب دور الأسرة والانفلات الأمني، تبدو جميعها أسباب تنهل من منهل واحد، وهو طبيعة النظام السياسي القائم في البلاد.

هذا النظام الذي تسببت ممارساته في غياب العدالة، وترسيخ مفهوم أن “الناس درجات” وليسوا سواسية تبعًا للمستوى الاجتماعي أو المادي أو حتى طبيعة الوظائف التي يشغلونها.

فهل يجرؤ مواطن عادي ليس على معارضة النظام الحاكم، بل على معارضة ضابط مرور أو حتى أمين شرطة أوقفه لتحصيل مخالفة مرورية لا تمت للقانون بصلة، أو يجرؤ على سؤال نفس الضابط عن تلك السيارة المخالفة التي مرت بسلام وأدى لها التحية لمجرد أن صاحبها قاض أو ضابط بالجيش أو الشرطة؟.

اليقين الذي أصبح لدى المواطن العادي، يتلخص في أن مجرد هذا التساؤل قد يودي به في غياهب السجون حيث يمضي الأيام والشهور دون أن يعرف عنه أحد شيئًا، أو حتى يموت جراء التعذيب، أو تُلفق له اتهامات تلف حول رقبته حبل المشنقة، فيؤثر الصمت.

تراكم هذه الأمور حتى أصبحت مسلمات لا يستغربها أحد، أفقدت المواطن الشعور بالعدالة وسط من يفترض أن يكونوا أقرانه، ما خلّف لديه إحساسًا باللامبالاة انعكست على سلوكياته التي يتصرف فيها وكأنه يعيش بمفرده ولا يعنيه شأن الآخرين.

غياب العدالة كذلك أضاع بصيص الأمل في التغيير الذي لاح أمام المصريين في أعقاب ثورة يناير، وقضى على فتات التفاؤل بتحسن الأوضاع.


اترك تعليق