fbpx
Loading

يوم مات أبي!

بواسطة: | 2017-11-23T14:14:52+02:00 الخميس - 23 نوفمبر 2017 - 2:30 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

أيقظوني في فجر يوم من الأيام على خبر لم أتوقع سماعه يوماً في حياتي، لقد مات أبوك! أبي صاحب الهيبة والأثر قد مات، أبي صار راقداً بعد مسيرة حراك طويلة، يُفعل به في ذلك اليوم ولا يفعل، أُقبل يومها يده دون أن يسحبها إلى الخلف كما عودني،

كانت اللحظات تمر بسكون حتى رأيتهم يحملون أبي على أعناقهم ويسيرون، انتابتني لحظات من عدم التصديق بل وودت لو صحت فيهم حينها كيف تجرؤون؟!

أما وقد علم أبي قبلها بحاجتنا إليه حتى بعد وفاته، فقد صحبنا بما قاله لأمي وقد كانت من أواخر كلماته قبل أن يطبق في صمت طويل، حين قال لها (رسول الله مات فلا تجزعي).

هذه هي الحقيقة المعلومة المجهولة، في حياتنا حقائق لا ندركها إلا حين يشاء الله لنا ذلك، أعيد على نفسي مقولة (الناس نيام فإذا ما ماتوا انتبهوا)، وأشرع في إيقاظ نفسي وتنبيهها بلا جدوى، ويبدو أنها ستظل حقيقة عصية على الفهم مهما حاولت الاقتراب منها إلا أن تكون ميتاً عن حق.

حقيقة موت رسول الله التي أعلمها، لكن لم أقترب منها إلا حين ذكرنا بها أبي قبل وفاته فهان علي رقوده، فهكذا رقد رسول الله!.

ولم يعزُّ علي أن وضعوك في صندوق وحملوك يا أبي؟! فقد حمل هكذا رسول الله و ووري جسده الشريف تحت الثرى وهو محمد خير خلق الله وأعزهم عليه.

يوم مات أبي أدركت ما كنت أعلمه، شعرت بمنة الله علينا إذ بعث فينا رسولاً (من أنفسنا)، وعجبت ممن منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى أن قد بعث الله إليهم بشراً رسولاً!، واستعصى علي فهم توقعهم بأن يرسل الله إليهم ملكاً ولو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لأنزل الله عليهم من السماء ملكاً رسولاً.

بل كان رسول الله بشراً يمر به ما يمر بنا من أحوال، قضى رحلة حياة طبيعية، من ضعف إلى قوة ثم من بعد قوة ضعفا.

امتزجت خلال رحلته النبوةُ بالبشرية، فرأينا كيف تهذب الرسالةُ السماوية أصحاب الصفات الأرضية، كيف هذبت غضبه فكان لله، وكيف هذبت نفسه فكان لا يثأر لها قط، وكيف هذبته زوجاً فكان ودوداً وأباً فكان حنوناً.

حين يمر علينا ما تأباه نفوسنا لكبر فيها أو ضعف، تراه أعيننا وقد مر على أكرم الناس عند الله فنرضى، وهو من هو وقد فقد الوالد والوالدة والزوج والولد.

يشعرني ما نقله لنا الحبيب المصطفى ببشريته بكثير من الأمان والطمأنينة، لا يتركك رسول الله وحدك أبداً، إذ لن يمر عليك وضع أو حال إلا ورأيت لنبي الله فيه مثال أو مقال.

أقرأ عن حاله حين خاطبته السماء بوحيها لأول مرة وأقول في نفسي سبحان الله لقد خاف وعجب رسول الله!، فأقبل من نفسي بعض الخوف الذي ينتابها، لقد شرح الله صدره ووضع عنه وزره لكن بقيت فيه مشاعر الإنسان من حزن وفرح وخوف وهم وقلق لتظلَ قريباً منه مستعداً أن تتلقى عنه، يصحبك رسول الله في كل أحوالك، فيما قلَّ يصحبك وأنت تركب دابتك بدعاء الركوب، وأنت تعلو بها فوق مُعتَلٍ بالتكبير، وأنت على منزل بالتسبيح، وأنت على باب بيتك داخلاً بالتسمية وخارجاً بالتسمية وبالتوكل، يصحبك في الحِل وفي الترحال، وفيما عظم يصحبك حين تُظلَم أو تَحكُم، حين تُعطَى أو تُسلَب، حين ترضى أو تسخط.

بل أشفق أحياناً أن لم يعد في حياة رسول الله سراً لا نعلمه ولا خصوصية لا تذكر، تركنا على المحجة البيضاء، لم يكن يدخل داره فيغلق خلفه باباً نقف نحن على أعتابه منتظرين خروجه ليستكمل بنا مسيرة الاقتداء، بل ندخل خلفه ونراه في بيته ومع زوجاته، نائماً، مستيقظاً، آكلاً و شارباً.

في أدق الأمور ترك لنا هدياً حتى أن الناظر يجد لدخول الخلاء أكثر من عشرة آداب!. كان هذا جانباً لا نلتفت إليه من تضحيات المصطفى، فقد روت لنا حياته بتفاصيلها ليس تباهياً ولا شهرة وإنما تأسياً وعلماً.

استوقفني حديث في العقيدة عن (حاجة) الناس إلى إله يعبد، هكذا خلق الله فينا ضعفاً وفاقة تجعلنا دائماً في حاجة إلى عظيم يبين لنا ويسير أحوالنا، حتى إذا غشي الكافر موج كالظلل دعا الله مخلصاً له الدين مع كفره.

كفانا الله حاجتنا ولم يتركنا لسبل تفرق بنا عن سبيله، ليس فقط بأن هدانا وكان لنا رباً صمداً وإلهاً مطلقاً في كل محمود، وإنما أتم فضله بإرساله لنا محمداً بشراً مبيناً ومعلماً، ليكتمل بذلك ركنا الرسالة والشهادة، إذ لا يكتمل إيماننا بتوحيد الله رباً إلا إذا أقررنا بأن محمداً عبد الله ورسوله، صلة السماء بالأرض، حدثنا عن الله، وتلا علينا ما تلاه الله على مَلك أمين، قربنا من غيب نجهله، أرسل لنا نذيراً  بين يدي عذاب أليم.

لقد كانت البشرية حين بعث المجتبى في أمس الحاجة إليه وإلى رسالته، ولا نزال حتى يومنا هذا نحن من نحتاج إلى رسول الله.

نحن من إذا اهتدينا بهديه هدينا، ومن إذا سرنا على نهجه وطريقه  كفينا.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

خليدة أبو زيد
خليدة سناء ابوزيد .. مدوِنة مصرية دارسة و مهتمة بالمجال التربوي .. عملت بالتدريس وإعداد البرامج التلفزيونية .. ام لثلاثة أبناء

اترك تعليق