Loading

مصر تغيب عن قائمة “تهديدات إسرائيل”.. فتش عن عقيدة الجيش

بواسطة: | 2018-01-03T16:36:55+00:00 الأربعاء - 3 يناير 2018 - 4:55 م|الأوسمة: , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

على مدار عقود كانت إسرائيل هي العدو الأول لمصر، وكانت القاهرة في مقدمة المخاطر التي تهدد أمن كيان الاحتلال ووجوده، لكن الأمر تغير تدريجيًّا، منذ توقيع اتفاقية السلام المعروفة باسم “كامب ديفيد” في 1979، بعد 6 سنوات من حرب أكتوبر.

هذا التغير وصل إلى حدود غير مسبوقة من التعاون والتنسيق السياسي والأمني والعسكري، تجلت في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، علنًا للمرة الأولى في سبتمبر الماضي، بعد تسريبات عن لقاءات سرية جمعتهما.

ثم كان التجلي الثاني في اشتراك القوات الجوية المصرية مع نظيرتها الإسرائيلية في مناورات مشتركة، بالتزامن مع ذكرى انتصارات أكتوبر، قبل نحو 3 أشهر من الآن، فضلًا عن علاقات معلنة تخص تأمين الحدود المشتركة والوضع في سيناء.

 

مصر ليست تهديدًا

تلك القضية أعادها للأذهان تقرير أصدره معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (تابع لجامعة تل أبيب الحكومية)، وقال إن أخطر التهديدات التي تواجهها إسرائيل في العام الجديد، هو خطر نشوب حرب على الجبهة الشمالية، أمام 3 قوى أساسية؛ إيران وحزب الله والنظام السوري.

وجاء في التقييم الإستراتيجي الذي سلمه رئيس المعهد الميجر جنرال احتياط عاموس يدلين، الاثنين، للرئيس الإسرائيلي رؤوفين رفلين، أن التهديد الثاني يتمثل في خطر وقوع مواجهة عسكرية مع حركة حماس في قطاع غزة.

أما التهديد الثالث والأخير، فيتعلق بتنظيم “داعش” الذي يقترب من الحدود مع إسرائيل، رغم هزيمته في العراق وسوريا، حسب التقييم.

خريطة تبين حدود “الأراضي المحتلة” من جميع الجبهات

 

وتابع: “إلا أنه على خلفية هذه الهزيمة، انتقل تنظيم الدولة بنشاطاته إلى جنوب سوريا مع الحدود مع الجولان، وكذلك في سيناء، فتواجد هذا التنظيم في المنطقتين القريبتين من إسرائيل، يزيد من مخاطر محاولة التنظيم ارتكاب عمليات إرهابية ضد أهداف إسرائيلية”.

وأوصى التقييم بمواجهة إيران، من خلال بلورة تفاهمات رسمية مع الولايات المتحدة، وإستراتيجية مشتركة تجاه كافة التهديدات الإيرانية في الشرق الأوسط.

وبشأن الملف الفلسطيني، أوصى المعهد في التقييم، “باستغلال استعداد دول عربية للمساهمة في المسيرة السياسية، والتعاطف الأمريكي مع إسرائيل، بغية التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع الفلسطينيين، يؤدي في نهاية المطاف إلى حلّ الدولتين”.

إذن، غابت مصر عن التهديدات التي تواجه الاحتلال، وأصبحت الجهة الحدودية الوحيدة المأمونة بالنسبة له، الأمر الذي يطرح تساؤلًا في منتهى الخطورة، مفاده: ما الذي تغير على مدار العقود الماضية؟

 

العقيدة العسكرية تتبدل

قبل سنوات أعد “كينيث بولاك”، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، ومدير قسم الخليج في مجلس الأمن القومي سابقًا، دراسة تكشف كواليس ما يدور داخل المؤسسة العسكرية المصرية.

“ضباط مصريون وأمريكيون كبار، أكدوا حدوث تحول وانقلاب كامل في العقيدة العسكرية للجيش المصري ومهامه وإستراتيجيته، ومجمل خططه التي تقوم على اعتبار أن إسرائيل لا تشكل تهديدًا له، كما لم تعد بالنسبة له هدفًا”.

ضباط جيش مصريين و “إسرائيليين”

 

هكذا خلصت الدراسة التي جاءت بعنوان “أبو الهول والنسر: القوات المسلحة المصرية والعلاقات العسكرية الأمريكية المصرية” والتي استندت إلى وثائق أمريكية ومقابلات ميدانية مع قادة كبار في الجيشين المصري والأمريكي.

وعلى الرغم من التحول الكبير في العقيدة القتالية للجيش المصري، والتي تحولت إلى عدو آخر وهو “الإرهاب” بدلًا من العدو التقليدي “إسرائيل”، إلا أن الأمر لا يزال يشغل بال أمريكا، التي قادت عملية السلام بين البلدين، وتسعى إلى ضمانات كثيرة؛ حتى لا تتحول فوهة السلاح المصري إلى إسرائيل مرة أخرى.

 

كيف نجحت أمريكا؟

وفي هذا الصدد كشف السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة “إسحاق ليفانون”، أن الولايات المتحدة طلبت من مصر رسميًّا “تغيير العقيدة العسكرية التقليدية، التي تُميز الجيش المصري الآن، بعقيدة تناسب أكثر الحرب على الإرهاب”.

التوجه الأمريكي، تمت ترجمته بشكل فعال عام 2012، في أعقاب تعيين الفريق أول (حينها) عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، بقرار من الرئيس الأسبق، الذي أطاح به الأول لاحقًا في يوليو 2013.

السعي الحثيث للولايات المتحدة، كشفته مصادر أمريكية في أبريل 2015، حيث قالت: إن “تفاهمات جرت مع قيادة الجيش المصري، بعد تعيين السيسي وزيرًا للدفاع، تتعلق بإعادة هيكلته، وتحديثه وتغيير عقيدته القتالية”.

التحكم الأمريكي في الجيش يرجع إلى المعونة العسكرية، التي تقدر بنحو 1.3 مليار دولار، تمثل أكثر من خُمس ميزانية الدفاع المصرية، البالغة 5 مليارات دولار.

ووفق بيان لهيئة المعونة الأمريكية، فإن إدارة “أوباما” قررت “توجيه المساعدات العسكرية المخصصة لمصر، والتي تقدر بـ1.3 مليار دولار، إلى أربعة مجالات، هي: مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والأمن البحري، وأمن سيناء، وذلك بدءا من عام 2018”.

“السيسي” يتفقد قوات التدخل السريع

 

السيسي عبَّر صراحةً عن هذا التوجه، قبل أن يصل إلى سدة الرئاسة بأشهر قليلة، حيث قال في مارس 2014، خلال إعلانه تشكيل قوات التدخل السريع المحمولة جوًّا لتنفيذ مهام “نوعية” داخل البلاد وخارجها: إن “القوات المسلحة يعاد تنظيمها وتطويرها، وفقًا لأحدث النظم القتالية لتنفيذ جميع المهام، وزيادة قدرة الجيش المصري على بذل أقصى جهد لمجابهة التهديدات والتحديات التي قد تواجه الوطن وأمنه القومي”.

 

اتفاقيات تخرق السيادة

مركز واشنطن للدراسات، نقل عن مسؤولين بوزارة الدفاع الأمريكية قولهم: إن “الولايات المتحدة أرادت لسنوات إعادة هيكلة الجيش المصري، من كونه قوة عسكرية أُعدت لخوض حروب تقليدية، خصوصًا مع إسرائيل، ليصبح جيشًا أكثر فعالية في مواجهة ما تراه الولايات المتحدة مخاطر أمنية رئيسية تواجه مصر”.

وأشار المركز إلى أن الهيكلة تعني تقليص أعداد القوات، ونوعية أسلحتها، وتطوير مهامها، لتناسب المجالات الجديدة التي حددت لتعمل فيها.

لم يتوقف التدخل الأمريكي عند حدود تحديد نوعيات الأسلحة والتدريب المقدم للقوات المصرية، بل تعداه إلى اتفاقيات تكشف السيادة المصرية أمام أمريكا.

فبعد أن كانت مصر ترفض على مدار عقود توقيع اتفاقية cismoa، فقد وقعتها في عهد السيسي، وتلك الاتفاقية اختصارًا، تسمح للقوات الأمريكية بتسهيلات مرور برية وجوية وبحرية إلى مواقع عملياتها، ارتكازًا وعبر الأراضي المصرية، وربطٍ “عَمَلِيَّاتيٍّ” بين الجيشين المصري والأمريكي، مما يعني انكشافا كاملا للسيادة المصرية أمام أمريكا.

السيسي “واقفا” في مكتب ترامب

 

وقد رافق قبول تلك الاتفاقية إتمام صفقات تسليح بالمقابل، وهي صواريخ جافلين وTow-2b  وإتمام تركيب صواريخ “امرام” على طائرات F16 الممنوحة لمصر، حيث كانت مصر قبل قبول الاتفاقية تتسلم طائرات F16 بدونها.

الفائدة الأمريكية من وراء تلك العلاقة، شرحها القائد الأسبق للقيادة المركزية للجيش الأمريكي في الشرق الأوسط، أنطوني زيني، أواخر أبريل 2013، حيث قال: “إنه تغيير شامل في المفاهيم والعقيدة والتسليح، إنهم لا يدركون أية فوائد نجنيها من وراء علاقتنا بالجيش المصري”.

وتابع: “علام حصلنا من وراء ذلك؟، حرب الخليج، والصومال، والقدرة علي القتال المشترك، بناء على العقيدة العسكرية نفسها، ومكان للتدرب يتميز بمساحة جوية وبحرية متجاورة تمكننا من العمل على مستوى كنا بحاجة للتدرب عليه، لقد قدم المصريون ذلك لنا”.


اترك تعليق