fbpx
Loading

عندما بكينا في الزنزانة

بواسطة: | 2018-02-26T19:17:27+02:00 الإثنين - 26 فبراير 2018 - 7:17 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

ليلة القدر

في ليلةٍ وتريٍة تحديدًا التاسع والعشرين من رمضانِ عام 1937 هجريًا من عام 2016 ميلاديًا … حقا إنها ليلةً يأبى العقل نسيانها، والفؤاد يُحبها والنفس تطمئنُ لها والجوارح تقشعرُ في كل مرةٍ يقبض جفن العينِ ليعيش مرةً أخرى في وجدانها.

كنا في زنزانةٍ كغيرها، أُناس كغيرهم، نتجمع على الآذان تنفرطُ من أصابعنا حبات التمر لِتسقُط في أيدي أخي ليوزعها بدورهِ على الآخر وشخصٌ قادم من بعيد ليس له منّا حاجة يتبسم فرحًا بفطوره يتمنى أن يُقبلَ صيامه داعيًا، حاملًا على كتفيه صينية بها أكواب لبن يُحاط بها ما يشابههُا من العصير … ومازال صوت الآذان يُطرب الآذان مجددًا حتى انتهى … الآن توضأ الجميع، قُمنا فَصليّنا وراء الإمام حتى انتهى وسلم.
اجتمعنا على مائدةِ الطعامِ، وفينا من ينقل الطعام الذي طُهيَّ بواسطة أخٍ لنا، يستعد الجمِع لاستجابة نداء جوفه وهو يستغيث جوعًا، قُسِمَ الطعام، ضحكنا، شبعنا وانتهينا.

في صلاة التهجد .. عندما بكينا إلى الله

نرتصُ جميعًا في صفوفٍ توازي رأسيًا بعضها البعض .. نتهجد ونجتهد إلى اللهِ كل يوم ثمانِ ركعات يتبعها اثنانِ خفيفتانِ شفع وواحدة وأخيرة وتر نختم بها قبل ركعتين فجر ..

صوت عذب، يقرأ آيات الله بقلبه يقبض جفنيه ويقرأ، ففؤاده يُرتل دون تردد أو تلعثم ولسانه يتفوه دون خجل أو تفلت، ومن يخجل من الحق؟ وآذاننا تسمع دقات قلب من خشوع أرواح تطير واحدة تُلو الأخرى .. لا أحد يعرف إلى أين تذهب؟ .. ربما إلى السماء الدنيا ولكن كان يقيننا أن الأخرة خير وأبقى .. أبقى من سنوات الأسر التى سوف تفنى مهما طال أمَدِها وأوسع من ضيقِ الزنزانة مهما أَحاطتنا جُدرانها وأقوى من ضعفِ القطبانِ مهما زادت صلابتهِ.. بل نهارها أبيض من ليلِ المصباح وميزان نعيمها أرجح من ذهبِ الدنيا .. كنا محلقين بضمائرنا نندم عن غفلة يقظة النفسِ نحاول أن نستقيمُ عن الهوى أو تهوى إلينا استقامةً لا انحراف بعدها.

بدأ الصوت يعلو ويعلو والركوع والسجود يمتدُ والأفئدة والنفوس تُبصر والدعاء يفيضُ بلا جفاف، حتى جاء بنا الوقت إلى ركعة الوتر الأخيرة في الليلة الأخيرة في شهر رمضان المبارك ولعلها تكونُ ليلة القدر فهي خيرٌ من ألف شهر لا نريد سلامها ولكن لا محالة إلى مطلع الفجر، ركعنا وقبل السجود بدأ الدعاء من صاحب الصوت العذب الذي يقرأ الآن ما أكتبه ولعله يعرف مقصدي أو يجهله.. بدأنا نردد آمين ورائه ثنائه وحمده لله وصلاته على خاتم الأنبياء والرسل “مُحمد” صلى الله عليه وسلم في الأولين وفي الأخرين وفي كل وقتٍ وحين.  

وبدأ يدعو لغفرانِ ذنوبنا وتكفيرُ سيئاتنا ومَحو خطايانا والعفو عنا وطلب الرضا وبدأت عُقولنا في استرجاع ما نطلب غفرانِه ومحوهِ والتوبة عنه فسقطت رؤوسنا أسفل من الخشوعِ والخجلِ من صحوةِ الضمير وتعالت سواعِدُنا إلى أعلى وامتدت كفوفنا لله وحده تطالب بما نُأَمِنُ عليه.

ثم بدأت أصواتنا تُأمِنُ بلهفة عندما ردد مراتٍ كثيرة “اللهم فكِ أسرنا” ومن منّا لا يريد الحرية؟ وما أسمى تلك الكلمة، يعيش الإنسان حياته يبحث عن كل شيء سريرته في الحرية .. حرية الدين والنفس والعمل، كان السجن سببه الحرية وفيه دعونا بالحرية وبعده نسعى للحرية،

ولكن أيقنت بعدها أن اللهفة ليست للحرية المادية بمفهومها الدنيوي بل لرد الظلم عنّا وإجبار الضعف لنا وتجبر الظالم فينا واستضعاف المظلوم منّا ونصرة للحقِ وإبطال للباطلِ فيهم، و رحمة وعفو لأهالينا الشيوخ الذين كَهِلوا من زيارتنا ومَرِضوا من فُراقِنا وحزنوا على أسرنا، فعندما سمعناه يردد وهو يتقطع صوته من دموع عينيه “اللهم ارحم ضعف أُمهاتنا” كان البكاء مع الإغاثة هو صوتنا جميعًا .. لا أحد فينا يستطيع تحمُل ضعف أمه، ومن منّا لا يحب من تأتيه كل حينٍ وآخر حاملةً له كل ما يحتاج، أما عن نفسي فلم أستطيع سوى البكاء والنداء بالإغاثة، رأيت صورة وجه أمي وهو مجعدُ من الأسر عجوز من الحزن باكيًا من الدمع ما لا أحد يستطيع حصاد عدده، تذكرت دمعتها وهي تتساءل في صمت! لماذا ابني هنا؟ متى يخرج؟ كيف أنال حضنه بلا منازع من أسلاك شائكة؟

وكان لسان حالنا جميعًا كذلك.

وبدأت تجفُ وجوهنا مرة أخرى في دعائنا للقصاص، يوم القصاص لا دمع لنا ولا حزن بل ثأرنا منهم فيه شفاءٌ للعينِ والصدرِ، فجفَّت أُعيُننا للثقة بدموع العدل ولو بعد حين أَمَدَّ وطالَ، ويوم النصر الأكبر في القصاص الأكبر في اليوم الأكبر، يوم قيامة العدل وحساب الظالم وثأر المظلوم، يوم النعيم الأكبر باذن الله.

وسَجَد وسجدنا جميعًا نؤكد على حاجتنا عند الله نطالب بالاستجابة،

وسلمَّ صديقي العذبِ وجههِ كصوته، ثم هدأ كل واحدة منا دقيقة وفُتحت الأنوار وشُرحت الصدور وهدأت النفوس واطمئنت القلوب لوعد الله وقام كل واحدٍ مِنَّا بدوره لِنُعيد تكرار مشهد الفطور ولكن ليس لانتهاء الصيام ولكن لبدأه.

كانت تلك الأيام تَمُر بمرارة اللذة واليقين فما أجمل أوجاعها وما أسهل آلامها، أيام مرَرنا بها وما زال أخوة لنا يعيشونها، نسأل الله العفو عنهم .. والحرية لهُم.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

 

عن الكاتب

احمد الأزهري
احمد الأزهري
باحث في الشأن السياسي والاجتماعي، ومؤلف قصص قصيرة

يوجد تعليق واحد

  1. محمود وحيد السبت، 3 مارس، 2018 at 11:30 م - Reply

    مقال أكثر من رائع .. موفق ان شاء الله

اترك تعليق