fbpx
Loading

في حُبّ “سيّدة النّساء”

بواسطة: | 2018-02-23T15:49:26+02:00 الجمعة - 23 فبراير 2018 - 3:49 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

“العالم ليس مثل أمّك، تغضب عليها وتصرخ في وجهها في النّهار، وفي نهاية اليوم تناديك للعشاء؛ العالم سيترككَ تموت جوعا!”..

Empire of the Sun

 

 

إلى سيّدة النّساء، عنها وإليها أكتب، رغم أنّني على يقين أنّها لن تقرأ كلماتي، فهي ليست من هواة القراءة والتصفّح ولا علاقة لها بهذا العالم، كلّ ما يربطها به كبسة زرّ تضغطها كي تُدير جهاز الحاسوب لأبي عندما يطلب منها ذلك، حتّى هذه لم تُكن تعرفها فطلبت منّي يومًا أن أعلّمها إيّاها.

أمّي بسيطة بالقدر الذّي يجعلني من حين لآخر أتعَجّب كيف لا تزال فطرتها صامدة إلى الآن لم تلوّثها مغريات الحياة بعد!

أمّي دُرّة ونجم من السّماء، كقطرة عسل على طرف اصبع، كقطعة حلوى بُرِعَ في تزيينها تَخلب لُبّ من رآها، كلوحة رسمتها الملائكة وأبدعت في تفاصيلها، كثوب نسجته أمهر الأيادي، كعنقود عنب من الجنّة تدلّى، كغَرفة ماءٍ من الكوثر في يوم الحشر، كآخر نفسٍ لغريق أوشك الموت أن يتخطّفه.

هي قرّة عيني، حصني الأعظم بعد الله تعالى الذّي أتخفّى خلفه، يحفّني ويحفظني، النّور الذّي أهتدي به، هي أمّي وأماني وإيماني وأمّتي، دعواتها مأمني، أتعلّق بها فأنجو، وسهمي الذّي لا يُخطئ ليردّ عنّي قدرا بقدر، أرمي به دومًا فيُصيب، مفتاحي لكلّ الأبواب الموصدة بألف قفل ولولاها ما فُتِحت.

أنا ابن سيّدة جعلتني ملكا بين الرّجال، علّمتني كيف أُقدّر النّساء وأُجِلّهم، وكيف يكون الإحترام بين الأزواج وحسن العِشرة حتّى تطيب الحياة.

فأمّي لأبي كما زينب بنت الرّسول ﷺ لأبي العاص بن الرّبيع. أمّا أبي، فهو لأمّي كأبي زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ غير أنّه لا يُطلّقها، فلا هو يقدر على فراقها أو هجرها ولا هي كذلك تقدر، مُذْ وعيتُ على الدُّنيا لم أرَ بينهما غير التّفاهم والإحترام والحُبّ، كلاهما سَكن وأمان للآخر، كثيرًا ما كانا يشدّان انتباهي للحظاتهما معًا سواءً كنتُ مشغولا أو قادما من الخارج فأراهما يفترشان الأرض سويّا ويتهامسان ويسرّان الحديث إلى بعضهما، هذا الموقف كثيرًا ما يتكرّر وكثيرًا ما أتمنّى لو نحاكيهما أنا وزوجتي يومًا ما.

هي نِعم العون والسّند لأبي مهما عصفت بهما الحياة، عايشتها معه بحُلوها ومُرّها ولم أرَها أبدًا تتذمّر من شيء ولا أكاد أذكُر أنّ ثمّة خلاف كبير وقع بينهما يومًا، وحتّى الخلافات الصغيرة التّي لا تتعدّى الاختلاف في وجهات النظر لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، هي موضع ثقة أبي الأوّل في الحياة، كانت ولازالت قلبه وروحه وعينه علينا حينما تضطرّه الظروف إلى الغياب، فكانت تحفظه وتحفظنا كأنّه لم يبرح جوارنا.

أمّي لم تقرأ يومًا كُتبًا في التّربية ولم تأخذ دورات في الحياة الأسريّة، فكلّ ما لديها ينبع من فطرتها كأمّ وممّا تشرّبته من جدّتي رحمها الله.

لم يحدث قط أن تركتنا نستيقظ ونذهب إلى مدارسنا دون أن تكون هي من أيقظتنا وأعدّت لنا الفطور وودّعتنا، وإلى اليوم هي من توقظني للذّهاب إلى عملي أو لأيّ غرض شخصي، ترتّب لي ملابسي وتلمّع لي حذائي وتُعِدّ لي الفطور أو الغداء وتودّعني إلى باب شقّتنا، وما إن غادرتُ حتّى هبّت مُسرعة إلى الشّرفة ترقبني بعينيها إلى أن أغيب عن ناظريها.

لا تعرف عينيها سبيلًا للنّوم والخلود إلى الرّاحة وأنا خارج البيت، تنتظرني حتّى أعود وإن تطلّب الأمر السّهر إلى الفجر كي تطمئنّ عليّ وتحضر لي العشاء، وإن تأخّرت يومًا عن موعد إيّابي بقليل، أجد هاتفي يرنّ دون توقّف ولا تهدأ حتّى أطمئنها فيستريح قلبها.

وإن مرض أحدنا يومًا ظلّت بجواره لا تفارقه أبدًا، تمسح على رأسه ولسانها لا يفتر عن الدّعاء وعيناها تقطر دمعا.

ورغم مرور أكثر من الثّلاثين عاما على زواجها بأبي فهي لا تعرف من قريتنا إلّا جيراننا الملاصقين مع أنّنا نسكن قرية غالب من فيها معارف وذوي قُربى بحكم القبلية، ولا تعرف من شوارعها سوى المحيطة بنا، وأجزم أنَّها إن زارت المدينة يومًا قد تتوه لأنّها لم تعرف التنزّه فيها.

تخنقني العَبرات كلّما تفكّرتُ لو أنّي فقدتها يوما، فكيف لي أن أتحمّل غيابها عنّي؟ فأنا كلّما استيقظتُ من النّوم كنتُ كالطّفل الذّي لم يبلغ عامه الثّاني بعد، ينهض من فراشه كالملهوف يطوف أرجاء البيت يفتّش عن أمّه ولا يهدأ حتّى يراها.

عند فقد الأمّ، مهما كنت كبيرا سَتصغُر وتبكي كما لم تبكِ من قبل، ومهما كنت صغيرًا ستشيخ فجأة! من ذاق لوعة فراقها يدرك جيّدًا معنى كلماتي، ومن مثلي لازالت بهجة حياته موجودة فليبرّها وليُكرمها، وليُدرك نعمة اللحظات بقربها، فالفقد مؤلم!

مؤلم حدّ التّيه، حدّ اللّاشعور، حدّ اللّامبالاة في لحظة وكُلّ الوجع والشّعور في اللّحظة التّي تليها، يُفقدكَ صوابك حدّ الجنون، حدّ اللّاوعي، وسريعًا ما يَرُدّك ويُعيدُك إلى رُشدك، يُبقيك غارقًا في بحور الذّكريات والتّمنّي أيّامًا وينتشلك لِتأخذ أنفاسا معدودة كي لا تفارق الحياة، ثمّ يُعيدكَ للغرق مرّة أخرى.

أمّي الغالية سامحيني عن كلّ يوم أغضبتكِ فيه، أحزنتكِ، خذلتكِ، لم أكن لكِ كما تتمنّين، اغفري لي زلّاتي وعبثي، والله لم أفعل هذا إستخفافًا بكِ أو استهوانا بقَدرِك ولكن غفلة منّي وتدلّلا عليكِ، ويقينا أنّكِ أنبل من يتحمّل ويغفر.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

وليد سالم
منقب في التاريخ الإسلامي وقضايا الأمة ومختص في القضية الفلسطينية

اترك تعليق