fbpx
Loading

القلوب .. هل عنينا بطهارتها كما اعتنينا بطهارة الحدَثِ والخبَث ؟!

بواسطة: | 2018-03-05T16:50:33+02:00 الإثنين - 5 مارس 2018 - 5:00 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

سامحينا يا قدسُ، كم قلنا لكِ انتظري واخلفنا المواعيدَ!

نعم، القدس وسوريا وبورما فالغوطة أخيرًا، بل والكثير من ظلم ومجازر باتت تلاحق عزة الإسلام و رفعة المسلمين، كلٌ ذلك كان – الإنسانُ – عنه مسؤولًا؛ حيث أن كل ذلك يندرج تحت جملة بالخط العريض وهي “اليومَ لا ظلمَ فِيمَا لا يملكُه القلبُ”، نعم، فبئسمًَا هُو الإنسان متى أضحى هكذا، فسارعَ دون مغفرة وجنة عرضها السموات والارض في طلبِ العون ولرفع بلاءِ ما قويَ عليه الأخرون، فرويدًا رويدًا حتى بدا عليه حال ذاك الأعرابي حين سرقت إبله وعاد لأهله قائلاً :
” أشبعتهم شتماً وفازوا بالإبل “.

“فالعدلُ أكثرَ ما ترقى به الأُممُ”، فأين العدل من عنوان الموضوع وإن كان الإعناء أقل تكلفةً ومعنىً من الاعتناء عند أهل اللغة.

أمرنا ربنا -عز وجل- بنظافة الظاهر وأخذ الزينة في مواطن ومنها؛ عند إرادة الصلاة لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد).

كما أمرنا بالطهارة عند إرادة الصلاة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا )، ورتّٙبٙ على ذلك الفضل العظيم؛ فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع أخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع أخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرج من رجليه كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع أخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب)- رواه مسلم.

إذا كانت طهارة الظاهر من البدن بهذه المنزلة والفضل، فما بال طهارة القلب! فطهارة القلب يا صديقي أولى بذلك، بل وأعظم من ذلك؛ لأن مدار الأعمال والثواب والعقاب والقبول والرد، إنما هو بطهارة القلب؛ (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

وطهارة القلب ليست بالماء كطهارة البدن؛ إنما هي بالتخلص من الأوصاف الذميمة والاتصاف بالأوصاف الجميلة؛ فأعمال طاهر القلب كلها لله.

أنظر – أعزك الله – بعيدًا كدتْ أن تجد ..
ذاك الذي لا يطلب من المخلوقين مدحا ولا تقديرا ولا إجلالا، بل هو يستسِر في العبادة، يود لو لم يطلع عليه أحد، ومع ذلك هو خائفٌ وجِلٌ من أن يكون لأحد نصيبٌ في أعماله، فإذا عمل عملا سأل نفسه: لماذا هذا العمل؟ وإن ترك شيئًا سأل نفسه: لماذا تركتُ هذا العمل؟ فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن ابغضَّ ابغضَّ في الله، وإن اعطىَ اعطىَ لله، وإن منع منع لله، وإن تقدم تقدم لله، وإن تأخر تأخر لله؛ فسلِّم مِن عبوديةِ هواه وكل عبوديةِ ما سوى الله، لا يريد أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجه من الوجوه؛ فقد اخلص عبوديته لله و طهر قلبه من تحكيم غير رسول الله فيه؛ عَقَدَ قلبه على الإقتداء به وحده -صلى الله عليه وسلم- ، دون غيره في الأقوال والأعمال؛ كأقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب وهي الإرداة والمحبة والكراهة وتوابعها وأعمال الجوارح؛ ليكون الحاكم عليه في ذلك كله هو ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يتقدم بين يديه بعقيدة باطلة ولا قول ولا عمل على خلاف السُنَّة كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).

قد طهر قلبه تجاه إخوانه المسلمين؛ لا يحسدهم على نعمة أنعمها الله عليهم، بل يفرح بها لأنه يعلم أن محبة الخير للمسلمين مما افترضه الله عليه وأنه إذا أخلَّ بذلك أخلّٙ بالإيمان الواجب لقوله -صلى الله عليه وسلم- (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، لا يحتقر إخوانه المسلمين؛ لعلمه بعظم ذلك عند الله تعالى لقوله -صلى الله عليه وسلم- (بحسب إمرءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، لا يتطرق الكبر إلى قلبه الطاهر؛ لأنه يعلم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، يحمِلُ ما يصدر من إخوانه المسلمين على المحملِ الحسن؛ فهو لا يسيء الظن بهم بل يلتمس العذر لذلاتهم وهفواتهم ؛ممتثلًا أمر ربه -عز وجل- لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )، يعلم أن ما هو فيه من خير وصلاح واستقامة من نعم الله تعالى عليه (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ)، يبدأ إخوانَه بالتحية ولو كان عند الناس أنه أعلى منهم قدرا لأنه يعلم أن هذه التحية سببا لدخول الجنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.. أولا أدلُكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم.. افشوا السلام بينكم)، يقابل إخوانَه بالإبتسامة وطلاقة الوجه؛ تعبدًا لله تعالى مستحضرًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقَّ أخاك بوجهٍ طلق)، يعلم أنه بحسن خلقه يدرك درجة الصائم القائم؛ إذا رأى من عليه آثار المعاصي تذكر أنما الأعمال بالخواتيم وأن الهداية بيد الله تعالى، فخاف على نفسه من سوءِ الخاتمة واستعاذ بالله من الحَور بعد الكَور وتذكر نعمة الله عليه؛ فربما كان في وقت من الأوقات أسوأ حالًا من هذا العاصي؛ (كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).

وعندما طهر قلبه استقام لسانه؛ فلا يتكلم إلا بخير، يزن كلامه قبل أن يتكلم به، لأنه يعلم أن أقواله من أعماله متذكرًا قول النبي صلى الله عليه وسلم- (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، علم أن اللسان دليل على صلاح القلب أوفساده لقوله -صلى الله عليه وسلم- (لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه).

يا صديقي -اعزك الله-، إذا كان الواحد منا يتعاهد نفسه في الطهارة؛ في طهارة الحدث في اليوم الواحد مرات ومرات، ويقف أحيانًا مع نفسه يستذكر ويسترجع هل هو طاهرٌ من الحدث أو لا؟ إذا أصاب ثوب أحدنا بللٌ نظر إلى هذا البللِ، هل هو طاهر أم لا؟ فإن كان نجسًا سارع في تطهيره لأن الله تعهدنا بالطهارة من الخبث.

إن طهارة القلب أهم من طهارة الحدث والخبث، فهل اعتنينا بها كما اعتنينا بطهارة الحدث والخبث؟ هل التفتنا إلى قلوبنا ونظرنا في طهراتها؟ اصلحنا ما بيننا وما بين ربنا عز وجل في الظاهر، بل ماذا عما هو بيننا وبين عباده؟ هل هي طاهرة أو لا؟ هل هي سليمة من إرادةٍ تعارضُ الإخلاصَ وهوىٌ يعارض الإتباعَ؟ بل أن هذه حقيقة طهارة القلب التي تضمن لأصحابها النجاةَ والسعادة؛ حيث لنا في (خليل الرحمة) أيضًا أسوة حسنة؛ حيث اثنى الله عليه بسلامة قلبه لقوله تعالى (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

اعلم يا صديقي أنه لا يتم للقلب سلامة مطلقة حتى يسلم من خمسة أشياء؛ من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تخالف السنة ،ومن شهوة تخالف الأمر، ومن غفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد؛ فصاحب هذا القلب في جنة معجَّلةٍ في الدنيا قبل الآخرة؛ فلا تظن أن قوله تعالى (إِنَّ الاَبْرَارَ لَفِى نَعِيم وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جحِيم) لا تظن بأن هذا يختص فقط بيوم الميعاد، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاث؛ في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، بل وعلى العكس أولئك في جحيم في دورهم الثلاث.

وأي لذة ونعيم في الدنيا هي أطيب من بر القلب و سلامة الصدر و معرفة الرب – تبارك وتعالى – ومحبته وجهد العمل على موافقته. والله تعالى جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحا كما بيَّنَ (مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥحَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، وقد قال من ذاق هذه اللذة: “إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”.

لماذا نظرت بعيدًا!
لأنه بات من الخطأ الذي يقع فيه البعض منا؛ أنه إذا نُبِّه على بعض المعاصي فإنه يشير إلى صدره ويقول: “التقوى هاهنا ” ولا شك أن هذا القول حق، بل هو قول من لا ينطق عن الهوى، ومن قال هذا القول هو نفسه القائل: “ألا في الجسد مضغة إذا صلحتَ صلح الجسد كله وإذا فسدتَ فسد الجسد كله.. ألا وهي القلب”؛ فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه وإجتنابه للمحرمات وإنتقاءه للشبهات يكون بحسب صلاح قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا.. صلحت حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك إجتناب المحرمات وتوقي الشبهات، أما وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه إتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدتَ حركات الجوارح وانبعثت إلى المعاصي والشبهات بحسب إتباع هوى القلب.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

حسام رمضان
تعريف مطول - طالب بالهندسة المدنية، وكاتب معاصر يهتم بسلوكيات شباب جيله -شباب الألفية الثالثة، باحث ومهتم بالشأن الأكاديمي ومنهجية وطرق التدريس عند المدارس النظامية والجامعات

اترك تعليق