Loading

حبس مخرج ومؤلف عمل مسرحي.. حتى “الفن” لم يسلم من قمع السيسي

بواسطة: | 2018-03-08T19:18:53+00:00 الخميس - 8 مارس 2018 - 8:00 م|الأوسمة: , , , , , , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – جلال إدريس

في الوقت الذي كان عبد الفتاح السيسي يشاهد فيه “عبد الفتاح السيسي” وضيفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عمل مسرحي شبابي بعنوان (سلم نفسك) يمجد بطولات الشرطة والجيش في مصر، كانت الأجهزة الأمنية تلقي القبض على شابين آخرين قام بإخراج وتأليف عمل مسرحي آخر، لكنه كان يجسد معاناة المجند في مصرتحت مسمى (سليمان خاطر).

السيسي الذي أراد بمشاهدة العمل المسرحي مع “بن سلمان” أن يبعث رسالة للعالم أنه يدعم الفن والفنون، لم يتسع صدره لعمل مسرحي آخر لمجرد أن شعر بعض أنصاره أنه يسيء للجيش، فحرك أجهزته الأمنية لتلقي القبض على مخرج العمل ومؤلفه، وتحيلهم الأجهزة للنيابة العسكرية بتهمة الإساءة للقوات المسلحة.

إذن “لا فن إلا ما يراه السيسي فنًا، ولا حرية إلا في حدود ما يسمح بها الجنرال”، ليسطر السيسي وبكل وضوح فصلا جديدا من فصول القمع في مصر، لكنه هذه المرة لم يقمع سياسيين أو معارضين، بل قمع فنانين على خشبة المسرح.

ووفقا لمحامين، فقد أمرت النيابة العسكرية بحبس أحمد الجارحي، مخرج مسرحية “سليمان خاطر”، ومؤلف المسرحية وليد عاطف بعد التحقيق معهما في بلاغ تقدم به المحامي سمير صبري ضدهما بتهمة إهانة الجيش والإساءة له.

مراقبون اعتبروا أن اعتقال مخرج ومؤلف مسرحية “سليمان خاطر، يعكس بوضوح الحالة التي تسعى “سلطة عبدالفتاح السيسي” لفرضها في مصر، كما يعكس هيمنة الدولة على كافة المنابر الإعلامية والفنية والصحفية.

السيسي وبن سلمان ُناء مشاهدة المسرحية

السيسي وبن سلمان ُناء مشاهدة المسرحية

 

حكاية المسرحية

“مسرحية سليمان خاطر”، هي عمل فني يتناول حياة الجندي المصري “سليمان خاطر” الذي كان قد فتح نيران بندقيته على سبعة جنود إسرائيليين عام 1985 فأرداهم قتلى، قبل أن تعلن السلطات المصرية انتحاره في محبسه، وبعدها تكمل المسرحية استعراض الحياة البائسة للجندي المصري والمتاعب والصعوبات التي يواجهها.

بدأ العرض الأول للمسرحية داخل أحد قصور الثقافة التابع للدولة بمدينة الإسكندرية قبل عامين، حيث عرضت المسرحية آنذاك ولاقت إعجابا كبيرا من النقاد والجمهور، كما تمكنت المسرحية من الفوز بتصنيف أفضل 11 مسرحية، من بين 156 عرضا مسرحيا عرضوا وقتها.

وخلال الأسبوعين الماضيين قام فريق عمل “سليمان خاطر” بالتمثيل المسرحي بأحد أفرع نادي “الصيد” بالقاهرة، إلا أن بعضا ممن شاهدوها لم تعجبهم طريقة تناول الأحداث، واعتبروا أن أحداث المسرحية بها إساءة للجيش المصري.

لم تمض سوى أيام قليلة حتى تناول الإعلامي “أحمد موسى” قصة المسرحية على برنامجه بإحدى الفضائيات وشن هجوما لاذعا عليها وعلى فريق التمثيل والمخرج والمؤلف، كما نال النقد “رئيس نادي الصيد لسماحه بعرض تلك المسرحية”

وعلى الفور وصل الأمر لمحامي النظام “سمير صبري” الذي قام بتقديم بلاغ ضد فريق عمل المسرحية واتهمهم بالإساءة للقوات المسلحة، وهو ما أعقبه قيام قوات الشرطة بالقبض على مخرج ومؤلف العمل المسرحي، وإحالتهم للنيابة العسكرية بتهمة الإساءة للقوات المسلحة.

صورة من مسرحية سليمان خاطر

صورة من مسرحية سليمان خاطر

 

النقاد منزعجون

من جانبهم أبدى عدد من النقاد انزعاجهم من الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع العرض المسرحي، كما سادت حالة  من التوتر بين متابعي مواقع السوشيال ميديا، والانقسام حول إيقاف العمل دون الاطلاع عليه.

وقال المخرج عصام السيد، إن الذين يهاجمون المسرحية لم يشاهدوها، وبنوا رأيهم على ما أورده الإعلامي أحمد موسى في برنامجه “على مسئوليتى”، وهو أيضًا لم يشاهد العرض الذي يتناول موضوع بطولة واحد من أبطال القوات المسلحة وهو سليمان خاطر، الذي نفذ الأوامر بمنع تخطي الحدود المصرية، وكان يجب تكريم العرض لا وقفه.

وأضاف “السيد” لـ”الوطن”: “أسعى للحصول على نسخة من المسرحية، للحكم عليها، والزملاء المتخصصون الذين شاهدوا العمل من قبل عند تقديمه للمشاركة في أحد المهرجانات، أكدوا أنها لا تسيء إلى الجيش، وهذا رأي الدكتور جمال ياقوت رئيس مهرجان بلا إنتاج، الذي تقدمت المسرحية للمشاركة به، ومحمد طايع أحد الذين شاهدوا العرض، منذ عامين”، مؤكدًا أن ما ورد في البرنامج محض كذب، فالمسرحية عرضت لليلة واحدة لا لشهر، وتم عرضها على لجنة التحكيم فقط ولم تعرض للجمهور، وهذا يؤكد أن البرنامج مخطئ.

ولفت “السيد” إلى أن العرض كان لليلة واحدة بنادي الصيد، وبذلك فلا يحتاج تصريح الرقابة على المصنفات الفنية، مضيفا: “كنا نعرض للية واحدة أيام الجمعة على مسرح الجامعة دون الحاجة إلى تصريح الرقابة، وحتى لو تمت مخالفة الرقابة فهذا يختلف عن تهمة القوات المسلحة، فكيف يتم اتخاذ إجراء على رأى واحد؟ فنحن فى حالة مزايدة على موقف وطني”.

وطالب بتشكيل لجنة من المسرحيين لمشاهدة العرض، وتقرير ما إذا كان به إهانة للقوات المسلحة أم لا، وإذا ثبت أن المسرحية لا تهين القوات المسلحة، تتم محاسبة البرنامج ومقدمه.

السيسي غاضب ويطيح بالكل

المثير في الأمر أن قرار “حبس مؤلف ومخرج” مسرحية “سليمان خاطر” جاء بعد أيام قليلة من تصريحات غاضبة للجنرال عبدالفتاح السيسي، اعتبر فيها أن الإساءة للجيش والشرطة هي بمثابة “خيانة عظمى” لمصر.

السيسي بدا ممتعضا خلال كلمته في افتتاح “مدينة العلمين الجديدة” مما أسماه التطاول والإساءة للجيش والشرطة، معتبرا أن الإساءة لهم ليس لها علاقة بحرية الرأي والإعلام.

تصريحات السيسي  الغاضبة تزامن معها موجه كبيرة من القمع والإضطهاد للصحفيين والإعلامين والحقوقيين في مصر، حيث شهد الأسبوعان الماضيان قرارات بحبس عدد من الصحفيين احتياطيا، أبرزها قرار حبس صحفية ومصور بالإسكندرية، وحبس عدد من أعضاء فريق عمل فيلم تسجيلي، وصحفي أجرى حوارا مع رئيس جهاز المحاسبات السابق، بتهم تتعلق في معظمها بـ”نشر أخبار كاذبة”.

كما طال القمع إعلاميين مؤيدين للسلطة، حيث أخلت النيابة المصرية الاثنين سبيل المذيع التليفزيوني خيري رمضان بكفالة مالية على ذمة التحقيق معه بتهمة “الإساءة للشرطة المصرية”.

كما قامت الأجهزة الأمنية باعتقال حقوقي بارز وهو المحامي “عزت غنيم، المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات”.

ليست المرة الأولى

ولا يعد “وقف مسرحية سليمان خاطر” واعتقال المخرج والمؤلف، هو التدخل الأول للأجهزة الأمنية في الأعمال الفنية في مصر، خلال حكم السيسي، حيث منعت الشرطة المصرية في نوفمبر الماضي عرض فيلم «اللي حصل في هيلتون» وهو الفيلم الذي كان يسلط الضوء على شبكات الفساد المتحكّمة في منظومة الشرطة المصرية، والتي تعرقل القبض على المتورطين الحقيقيين في الجريمة.

ورغم عرض الفيلم لأوّل مرّة في مهرجان “صندانس” للأفلام المستقلة بالولايات المتحدة الأمريكية في يناير 2017، وحاز وقتها على جائزة لجنة التحكيم، إلا أن ذلك لم يشفع له أن يعرض في دور العرض المصرية، بسبب تدخل الأجهزة الأمنية.

أيضا فقد تدخلت الأجهزة الأمنية العام الماضي، وأثار إعلاميون قريبون من السلطة ضجة كبيرة عند عرض حلقة من مسلسل “لا تطفئ الشمس” في رمضان الماضي، يظهر فيها شعار ضد عبدالفتاح السيسي على أحد الجدران، حيث كتب عليها “السيسي خائن”.

وقتها تم حذف الحلقة ومهاجمة القائمين عليها وإعادتها منقحة بعد محو الجملة من خلفية المشهد.

وكذلك لا يختلف منع عرض “حادثة النيل هيلتون” كثيرًا مع رفض التصريح الرقابي لفيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، الذي لم يعرض حتى الآن في مصر رغم جولاته العالمية منذ قرابة العامين، وحصوله على جائزة رفيعة من مهرجان “برلين” السينمائي، ولكنه مُنِع في مهرجان القاهرة السينمائي قبل عام، ثم مهرجان شرم الشيخ قبل عدة أشهر، مع عدم إعطائه تصريحًا للعرض العام حتى اللحظة.

كما أن هناك أعمالًا أخرى لم يسمح لها بالعرض في دور السينما أو على الشاشة الفضية، مثل فيلم “18 يومًا، ومسلسل (أهل اسكندرية) وفيلم “بعد الموقعة”،و فيلم “فبراير الأسود”، بطولة الفنان الراحل خالد صالح، وغيرها من الأعمال التي طالها القمع.

أيضا لا يبتعد كل ذلك عن سياق حجب مئات المواقع الإخبارية والسياسية خلال الشهور القليلة الماضية، والتي يرى نظام السيسي أنها “معارضة” وتمثل خطرًا على الأمن العام.

كما شهدت السينما المصرية التي أنتجت نحو 3 آلاف فيلم على مدار 110 عاما، الكثير من المنع لأفلام سينمائية بسبب اقتحامها محطات سياسية لم ترغب السلطات المتعاقبة على مصر طرحها، كفيلم (وراء الشمس، وزائر الفجر، ومسمار جحا والشيخ حسن والله معنا) وغير ذلك من الأعمال الفنية.

الفن لخدمة النظام فقط

وخلال الأعوام الخمس الماضية، وتحديدا منذ إطاحة الجيش بمحمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في مصر بعد ثورة يناير، وتعيش الأعمال الفنية في مصر (سينما ومسرح وتليفزيون وإذاعة) حالة تردي شديدة، إذ تتدخّل أجهزة المخابرات والجيش في إنتاج الأعمال الفنية بشكل مباشر بما يخدم السلطة والنظام.

فعلى سبيل المثال ظهرت بعد الثالث من يوليو على الساحة الفنية أعمال فنية في مصر توصف بالوطنية تمجد النظام العسكري، والجيش وتهاجم التيارات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين وثوار يناير، وتضع جميع معارضي السلطة في خانة الإرهاب أو الخيانة.

أغاني “بشرة خير” و”تسلم الأيادي” و”احنا شعب وانتوا شعب” وأعمال غنائية أخرى، جميعها كانت شاهدة وبقوة على حالة الاستقطاب والخضوع الشديدة، التي بات يعيشها الفن المصري في عهد السيسي.

كذلك فإن الشؤون المعنوية التابعة للقوات المسلحة تشرف بنفسها على إنتاج أعمال درامية وأفلام وثائقية تخلد ما تسميه بطولات القوات المسلحة، وتعزز من تخوين أي معارض لها على اعتبار أنه يخون الوطن.

فيما يعد “فيلم سري للغاية” والذي أثار ضجة واسعة الفترة الماضية، هو أحدث الأعمال الفنية التي تدعمها الشؤون المعنوية للجيش وتشرف على انتاجها أجهزة مخابراتية وأمنية.

الفليم يتحدث عن الفترة ما بعد ثورة يناير 2011 حتى يونيو 2013، ويظهر فيه الفنان المصري أحمد السقا بطلا، ليؤدي دور الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، كما يظهر فيه الفنان أحمد رزق ليجسد شخصية الرئيس محمد مرسي.

ولمعرفة الغرض الحقيقي من الفيلم يكفي معرفة أن الفيلم إنتاج مشترك بين رجلي أعمال بارزين؛ أحدهما أحمد أبو هشيمة، المقرب للغاية من السلطات المصرية.


اترك تعليق