fbpx
Loading

هلّا عرجت معنا!

بواسطة: | 2018-03-02T19:07:07+02:00 الجمعة - 2 مارس 2018 - 7:07 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

تائهٌ في ظلماتِ الدُنيا، تارّةً تستقيم له الأمور، وتارّةً يتخبّط..

حالُه كحالِنا، لكنه في مرّةٍ جلس مُتفكّرًا أن إلى متى؟، ألم يأنِ أن أحيا سعيدًا كالبقيّة؟، لماذا يحدث ليّ ما يحدث؟ وفورًا جاءته الإجابة عن طريق المذياع، فتلى القاريء من سورة طه: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا”، علم وقتها من أين جاء الخلل..

ذهب للمسجد، وكانت المرّة الأولى التي يذهب إليه بقلبِه لا بقدميه، وكلّه رجاء بأن يجد الحل في رُكنٍ ما هُناك، دخل وحَيّى المسجد وجلس بجوار عجوزٍ قد تجمّعت الدُنيا بهمومِها على ظهره فأثقلته، وجده مُبتسم المَحيا.. مُطأطئًا رأسه على المُصحف ويتلوه بصوتٍ لم يسمع مثله قبلًا..

لحظات ونادَى المُنادِي، فكانت لأوّل مرّة يُصغي إلى الأذان، الله أكبر؟ .. إنه أكبر من كلّ تلك المصائب التي أجدها مُحلّقةً في وجهي صُبح مساء، حَيّ على الفلاح.. أجل، إنه الطريق الصواب، هيّا فلنصلِّ..

وبدأ الإمام، فقرأ الفاتحة ثم بدأ في سورة طَه مرّة أخرى، -تلك التي طالما سمعها كلّما أرهقه المسير، وطالما بعثت في نفسه الطمأنينة-، وعندما جِييء عند آية

“وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى”

شَرَد بذهنه وأتى يُفكّر، لماذا سَألَ اللهُ موسَى -عليه السلام- عن تلك العصا رُغم عِلمه؟ بل لماذا حينما أجابَه موسَى -عليه السلام- لم يكتفِ بقول أنّها عصاه وأخذ يُعدّد ما يفعله بها “التوكّؤ، يهُشّ بها الغنم، مآربه الأخرى”؟

توصّل حينها أنّ المولَى أحبّه، وفعل هو الآخر، فلا يملّ الحبيبُ من حديثِ حبيبه، بل ويطيلُ فيه وإن كان ما يقوله سيُفهم من سياقِ الكلام دون أن يُنطَق به، لكنّه الحُب. وما أجمل أن يكون بين عبدٍ ومولَاه!

ثم ركع وسجد، وفي السجود .. أحسّ أنه يريد التحدُّث، لا يدري بما يبدأ، لكنه يريدُ، ولا يستطيع أن يحولَ بينَ نفسِه ومُبتغاها، -ومن حُسن حظّه أن الإمام كان يُطيلُ في سجوده حتى لَيحسِب المارّ أنه قد وافته المنيّة أو أُغشِي عليه-، فما وجد نفسه إلّا وقد بكى كالطفل الذي ضلّ طريق العودة وفجأة تظهر له أمّه لتحتضنه وتبكيه ويبكيها -وللهِ المثلُ الأعلى- واستطرد في شكواه من نفسه ثم من الدنيا، وأن ضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت ولا ملجأ له سواه..

كرّر فعلته لثلاث ركعات، ثم سلّم واستند إلى الحائط، فأتى له العجوز وجلس بين يديه قائلًا “هنيئًا لك يا بُنيّ، إنّ البداية من ها هُنا..

يا بُنيّ، إنّي لا أدري ما الذي أتى بك، ولكنّ ما أعلمه أن الله قد أحبَّ لقائك وانت لم تفعل، فأتى بك رُغمًا عنك..

يا بُنيّ، إن الله -عزّ وجلّ- غنيٌّ عنّا .. غنيٌّ عن عبادتنا، أتراه يفعل الذي يفعله كراهيةً لنا أو أنّه يريد بِنا سوءً؟ .. حاشاه! إن لله عبادًا أسرفوا في حقّه، وعلم اللهُ فيهم خيرًا فأتى بهم بالابتلاء، أرادَ أن يرفعَ قدرهم ويكونوا أعزّاء كما خلقهم، أما تفكّرت لماذا فرضَ اللهُ علينا الصلاة ولم يجعلها نفلًا؟ .. فأجابه: لحبّه لقاءَنا؟، قال: بل لعلمه -سُبحانه وتعالَى- أنّنا نحتاج إليها لنبُث كل آلامَنا وأحزاننا وما تتوقُ له أنفسُنا.

خلقك -جلّ في عُلاه- “أجوف”، فإن لم تملأ روحك بالصلاة، فَسَدَت. “هَشّ”، ستنكسر وستُهزم، ثُم تأتي لصلاتك فينجَلي عنك ما بكَ بمُجرّد التسليم.

يا بُنيّ، إنّي حينما جئت مثلك أوّل مرة وجلسَ إليّ عجوزٌ مثلي، قال لي ما لن أنساه ما حييت: (بوّابة النور سجدةٌ في خُلوَة، وضَراعةٌ في خُفية بين يدي الرّحيم الودود، الذي يُحبُّ العفو والجود ، فباللهِ لا تضلّ الطريق)..

فبِاللهِ يا وَلَدي لا تضِلَّه.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة

عن الكاتب

ميّ عبدالغني
شخصٌ لا يُجيد الحديثُ، لكنّه يرجو الثبات له ولمن حوله، فيؤثر الكتابة لعلّها تمس قلبًا ما!

يوجد تعليق واحد

  1. Hasnaa الثلاثاء، 8 مايو، 2018 at 10:03 م - Reply

    جميل يا مي ..استمري <3

اترك تعليق