Loading

“ماكينة الفتاوى”.. السعودية تدور من أجل عيون التطبيع!

بواسطة: | 2018-04-06T15:24:24+00:00 الجمعة - 6 أبريل 2018 - 3:24 م|الأوسمة: , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

لم يمض يومان على التصريحات المثيرة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا وتسارعت الحسابات المدعومة من اللجان الإلكترونية في نشر فتوى قديمة للشيخ عبدالعزيز بن باز مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار علمائها الراحل، قيل إنها تبرر التطبيع.

اللعب أصبح على المكشوف، بعد أشهر من التسريبات والشكوك حول توجه “بن سلمان” نحو التطبيع مع إسرائيل، فهل ننتظر أن نرى فتوى رسمية تبرر ذلك، أم يُكتفى بفتوى ابن باز، رغم تناقض تصريحات ولي العهد مع فحواها؟.

الشعب يرفض توجيهات “الذباب الإلكتروني”

فيما بدا وكأنه تعليمات موجهة، نشطت العديد من الحسابات التي تتمتع بملايين المتابعين على “تويتر” دفعة واحدة، في نشر فتوى سابقة للشيخ ابن باز، تجيز الصلح مع اليهود وفق ما تقتضيه المصلحة الشرعية التي يحددها ولي الأمر، وذلك بعد ساعات فقط من تصريحات “بن سلمان” التي قال فيها إن بلاده تتقاسم الكثير من المصالح مع إسرائيل.

“خبر عاجل” من أبرز تلك الحسابات، ويحظى بمتابعة أكثر من 7 ملايين شخص، نشر فتوى منسوبة لابن باز مصحوبة بصورة له، الأمر الذي جدد الجدل حول ما يثار بشأن “الذباب الإلكتروني” أو اللجان الإلكترونية، وتزعم المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني لها.

وجاء نص الفتوى كالتالي: “كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر فلا بأس في ذلك، وإن رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود في ذلك”.

وتنوعت التعليقات على التغريدة بين مرحب بما أبدته من شرعية التطبيع مع إسرائيل، ومعارض للمبدأ، ومشكك في الغرض الحقيقي من الفتوى ومسألة المساواة بين اليهود فيها وبين كيان الاحتلال الغاصب لأرض فلسطين.

لكن المتابعة الحقيقية لردود أفعال السعوديين عقب تصريحات “بن سلمان”، تكشف رفضًا شعبيًّا جارفًا للتطبيع مع الاحتلال، خاصة لتزامن إثارة القضية مع استشهاد نحو 19 فلسطينيًّا برصاص الاحتلال في مسيرة العودة بقطاع غزة قبل أيام، وما سبقها من قراري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.

ابن باز “بريء”!

لكن الحقيقة تنطوي على عملية خداع كبرى مارستها تلك الحسابات ضد متابعيها، من خلال اجتزاءها لجزء صغير فقط من الفتوى الرسمية لابن باز بما يتماشى مع رغبة “بن سلمان” وتوجهاته.

وفق ما هو منشور على الموقع الرسمي للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، فإن فتاوى ابن باز في هذا الشأن متعددة، ويلاحظ فيها تفريق بين اليهود كأهل كتاب وكيفية تعامل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم معهم، وبين إسرائيل كدولة احتلال تغتصب أجزاء من أرض عربية إسلامية.

اللافت في تصريحات “بن سلمان” مثلُ قوله بعدم الاعتراض على وجود أي شيء يناقض بشدة جزءا من فتوى ابن باز الرسمية، والذي قال فيه إن “الصلح مع اليهود أو غيرهم من الكفرة لا يلزم منه مودتهم ولا موالاتهم، بل ذلك يقتضي الأمن بين الطرفين، وكف بعضهم عن إيذاء البعض الآخر، وغير ذلك كالبيع والشراء، وتبادل السفراء، وغير ذلك من المعاملات التي لا تقتضي مودة الكفرة ولا موالاتهم”.

وقالت الفتوى أيضا: “الصلح والمهادنة لا يلزم منهما محبة ولا موالاة ولا مودة لأعداء الله، كما يظن ذلك بعض من قل علمه بأحكام الشريعة المطهرة.. وبذلك يتضح للسائل وغيره أن الصلح مع اليهود أو غيرهم من الكفرة لا يقتضي تغيير المناهج التعليمية ولا غيرها من المعاملات المتعلقة بالمحبة والموالاة”.

“بن سلمان” رد في مقابلته مع مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، عما إذا كان يؤمن بحق الشعب الإسرائيلي في الحصول على جزء من الأراضي، بقوله إنه يعتقد أن من حق الفلسطينيين والإسرائيليين العيش على أراضيهم.

لكن ابن باز كان له رأي آخر، ورد أيضًا ضمن الفتوى سالفة الذكر، حيث قال نصًّا: “الصلح بين ولي أمر المسلمين في فلسطين وبين اليهود لا يقتضي تمليك اليهود ما تحت أيديهم تمليكًا أبديًّا، وإنما يقتضي ذلك تمليكهم تمليكًا مؤقتًا حتى تنتهي الهدنة المؤقتة، أو يقوى المسلمون على إبعادهم عن ديار المسلمين بالقوة في الهدنة المطلقة، وهكذا يجب قتالهم عند القدرة حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.

تاريخ جدلي وفتوى مرتقبة

وفق تاريخ من الفتاوى المثيرة للجدل الممهورة بختم هيئة كبار العلماء، فمن المرتقب أن يسدل الستار على مسألة التطبيع مع إسرائيل بفتوى مجهزة، تبيح لابن سلمان تطبيعًا مريحًا بلا رفض شعبي أو ديني، رغم أنه بات غير آبه بردود الأفعال تجاه قراراته وتوجاته خلال الفترة القليلة الماضية.

تعيد القضية إلى الأذهان الجدل المتجدد بشأن الفتاوى المتضاربة والمتعاكسة في الشأن الواحد وفقًا لقرار الحاكم وهوى السلطان.

ولعل تلك الفتاوى المتعلقة بالمرأة حازت النصيب الأكبر من الفتاوى المتضاربة، ولعل المثال الأحدث والأكثر وضوحًا، هو قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، فبعد أن كانت “شرًّا”، أصبحت مثالًا لتوخي الملك لما تقرره الشريعة الإسلامية، وهو ما ذهبت إليه الهيئة في تغريدة عبر حسابها على “تويتر”، تعليقًا على قرار الملك سلمان، الهيئة غرّدت نصًّا: “حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية”.

اللافت، أن الأمر السامي يكشف تعارض الفتوى التي استند إليها، والصادرة من الهيئة مع فتوى أخرى منشورة على الموقع الرسمي للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء (التي يرأسها المفتي)، برقم (2932) جاء نصها كالآتي: “لا يجوز للمرأة أن تسوق السيارة في شوارع المدن ولا اختلاطها بالسائقين؛ لما في ذلك من كشف وجهها أو بعضه، وكشف شيء من ذراعيها غالبًا، وذلك من عورتها، ولأن اختلاطها بالرجال الأجانب مظنة الفتن ومثار الفساد”.

وفي 2013، شهدت السعودية حملة قادتها ناشطات دعت لقيادة المرأة للسيارة في 26 أكتوبر، الأمر الذي أسفر عن ملاحقات أمنية تعرضت لها الداعيات للحملة، وتوجيهات على جميع المستويات بتضييق الخناق على تلك الدعوات، وبعد أقل من شهر على تلك الدعوة، رأى المفتي العام للمملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، أن قرار منع المرأة من قيادة السيارة هو “حماية للمجتمع من الشر”.

وفي سبتمبر 2011 أصدر العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمرًا ملكيًّا يسمح للمرأة بعضوية مجلس الشورى، والترشح والمشاركة في الانتخابات البلدية، وحينها وصف مفتي المملكة عبدالعزيز آل الشيخ الأوامر بأنها “كلها خير”، قائلًا في تصريحات صحفية: “نحن في بلد الإسلام، ونرجو الله أن يثبتنا على الحق، ويرزقنا الاستقامة والهدى”.

غير أنه وبالبحث في موقع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، وُجدت فتوى معاكسة أصدرها “آل الشيخ” نفسه تحت عنوان “مشاركة المرأة في السياسة”، وكانت عبارة عن ردٍّ على تساؤل بشأن المطالبات بمشاركة المرأة في الانتخابات ودخول مجلس الشورى.

ومما قاله المفتي في فتواه نصًّا: “.. إن مثل هذه المطالبات يجب أن يعاد النظر فيها، هل هي تخدم دين الإسلام؟..”، وقال: “إن الأمر أيها الأخوات.. استمرار لمكائد الأعداء ضد هذه الأمة، لن يألوا جهدًا في إيصال الأذى إلينا، لن يألوا جهدًا في تفريق صفنا وتشتيت كلمتنا، لن يألوا جهداً في إيقاع الفتنة بيننا، وما يروجون له في هذه العصور المتأخرة من حقوق المرأة، كل هذا نوع من أنواع الكيد”.


اترك تعليق