fbpx
Loading

صداقة ونفوذ .. لماذا تصرّ تركيا على إنعاش خزائن القارة السمراء؟!

بواسطة: | 2018-05-18T16:07:50+02:00 الجمعة - 18 مايو 2018 - 4:07 م|الأوسمة: , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف:

منتدى اقتصادي جديد بين الأتراك والأفارقة، وصفه عبد الرحمن كآن، رئيس جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (موسياد)، بأنّه سعي من بلاده إلى تعزيز أواصر الصداقة مع القارة السمراء وتحقيق النمو المتبادل، بدأ الأربعاء في ولاية قونية وسط تركيا واختتم الخميس، بمشاركة أكثر من 200 سفير ورجل أعمال من 33 بلدًا إفريقيا، إضافة إلى وزير الزراعة والثروة الحيوانية التركي أحمد أشرف فاقي بابا، بالتزامن مع إعلان مسؤولين في تركيا عقد لقاءات مكثفة مع نظرائهم في البلدان الإفريقية لبناء علاقات قوية مستدامة بين تركيا وبلدان القارة السمراء، للوصول بحسب “موسياد” بأنشطة تركيا التجارية والاقتصادية إلى 30 بلدًا إفريقيا خلال العام الحالي، وهو ما نتوقف على أبعاده ودوافعه من زواية مستقبل الشراكة الاقتصادية بين القارة السمراء والإمبراطورية العائدة.

فوائد مشتركة

السياسة التركية في إفريقيا مثالًا جيدًا وفق محلليين على كيفية تطوير التعاون الصحيح مع دول القارة من الصفر في غضون فترة قصيرة من الزمن من خلال تحديد المهام الدقيقة وتوفير الأدوات اللازمة لتنفيذها. وعلاوة على ذلك، فبالنسبة لبعض الدول مثل الصومال أصبحت تركيا شريكًا تجاريًا واقتصاديًا رئيسيًا ومانحًا، ويعدون تركيا أملًا رئيسيًا في حل الأزمة على المدى الطويل. ولهذا السبب لم يكن غريبًا أن سكان مقديشو خرجوا إلى شوارع المدينة في 16 يوليو2016، احتجاجًا على الانقلاب العسكري ضد أردوغان.

ويأتي المنتدي الإفريقي التركي موازيًا مع حديث الرئيس التركى أردوغان وتركيزه على الجانب الاقتصادي، خاصة مع إثيوبيا التي تعد الدولة الإفريقية الأولى من حيث الاستثمارات التي تتجاوز ال 3 مليارات دولار، متفوقة بذلك على الصين والهند، ويوجد بها 350 شركة تركية، يعمل بها أكثر من 500 ألف إثيوبي، مع تحرك تركي واضح في منطقة دول جنوب الصحراء الكبرى؛ لاسيما مع غانا وكوت ديفوار؛ حيث وقَّع أردوغان خلال جولته الأخيرة، تسع اتفاقيات اقتصادية؛ بهدف زيادة التبادلات التجارية؛ لتصل إلى مليار دولار بحلول عام 2020.

الناطق الرسمي باسم رابطة رجال الأعمال الأتراك جون أفريك أكد في وقت سابق أنّ “الاقتصاد الإفريقي يعد من أهم الأسواق المستقطبة للشركات متعددة الجنسيات التركية“، كما أكدت رابطة المستثمرين الأتراك أنّ “جمهورية الكونغو الديمقراطية وخاصة غانا تعتبران من أكثر الدول استقطابا للاستثمار بفضل نظرتهما الاستشرافية للنمو الاقتصادي وحاجتهما لتحسين البنى التحتية” فيما كشف إبراهيم كالن، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية بوضوح عن أن تركيا أصبحت جزءًا مهمًّا من إفريقيا؛ إذ يقوم الآلاف من رجال الأعمال والطلبة والعائلات بالسياحة في كافة أرجاء العالم؛ فيما تقوم الشركات التركية، التي ضاعفت حجم العمل 8 مرات ليصل إلى 6 مليارات دولار، بخلق فرص عمل لشعب الدول الإفريقية، وبحسب محلليين فإن “الشركات التركية معروفة بإصرارها على المجازفة بالدخول في الأسواق غير المستقرة التي تتفادى الشركات متعددة الجنسيات الأخرى التعامل معها وأبرز مثال على هذه المخاطرة، التزمها باستثمار 100 مليون دولار في الصومال، رغم التهديدات الأمنية هناك وهو ما فتح لها العديد من الأبواب في القارة الإفريقية.

اقتصاد يحرك

وفق دراسة مطولة لمركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية بعنوان “الدور التركي في إفريقيا.. اقتصاد يحرك السياسة” فإنه “يمكن النظر إلى الانخراط التركي المتزايد في القارة الإفريقية بوصفه جزءًا من رؤية أنقرة الجديدة لنفسها بأنها دولةٌ مركزيةٌ وفاعلٌ دولي ذو سياسة خارجية معقدة ومتشابكة الأبعاد، فى إطار نظرية العمق الاستراتيجي Strategic Depth التى تعدّ المحرِّك الأبرز للسياسة التركية منذ العام 2002، التي تقوم فلسفتها الرئيسية على أنّ تركيا دولة متعددّة الأحواض القارية؛ ما يمنحها عمقًا استراتيجيًّا في القارة الإفريقية، حيث اكتسب الدور التركي فى إفريقيا طابعًا اقتصاديًا أكثر من كونه سياسيًا وعسكريًا، وهذا لا ينفي بالمرة تعدد الآليات السياسية والعسكرية التى تنتهجها تركيا في إفريقيا، ولكن هنا يمكن القول إنّ الدور التركي يإفريقيا يمكن أن يؤطر من خلال فهم طبيعة عملية ربطها بالتجسير الاقتصادى بين تركيا ودول القارة الإفريقية، عبر مبدأ تأمين عمق العمق الاستراتيجى لما تحتويه القارة من خيرات اقتصادية كبيرة حتى بعد تكالب الإمبراطوريات الاستعمارية عليها.

اقتصاديًا بحسب الدراسة يستفيد الطرفان من زيادة التجارة بين تركيا وإفريقيا، فهي تزيد الوظائف والاستثمارات، بل إن إفريقيا شهدت زيادة مضطردة في نشاطات التنمية والمساعدات التركية ومشروعاتها، مضيفة أن هناك تنافسًا بين القوى الإقليمية والعالمية على التحكم في الجزر التابعة لدول القرن الإفريقي، وتعتبر منطقة القرن الإفريقي منبعًا لنهر النيل وهذا له انعكاسات أمنية وتنموية، وتحتل المنطقة أهمية كبيرة في مقاربات الأمن القومي لكل دول المنطقة، وتوجد أهمية اقتصادية متزايدة فيها فيما يتعلق بالأسواق والمشاريع الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية، وبالتالي لا يمكن فصل موقع تركيا الجديد في إفريقيا عن علاقاتها مع الدول الأخرى التى تسعى للبحث عن موطئ قدم لها، خاصة في ظل حالة التوجس من تعاظم الدور التركي للعديد من الدول ليس فقط الخارجية بل الإفريقية أيضًا، ومن الطبيعي لدولة مثل تركيا تسعى للعب أدوار أكبر في الساحة الدولية والإقليمية.

سونر چاغاپتاي مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني يرى في هذا الصدد أن قوة تركيا الناعمة تعتمد على كون تركيا بلداً ناعمًا، واستنادًا إلى الحيوية الاقتصادية والاستقرار السياسي والرؤية الجديدة، تواصَلَ الأتراك مع الخارج لبناء قوة ناعمة في أماكن تجاهلوها من قبل، مثل إفريقيا .

دوافع داخلية

وبحسب مراقبين فإنّ للتحرك أبعادًا داخلية تركية؛ ففي إطار حرب الحكومة التركية على جماعة فتح الله كولن، أو ما تسميه التنظيم الموازي الذي تتهمه بالتخطيط للانقلاب عليها من خلال التغلغل في مؤسسات الدولة- خاصة القضائية والأمنية- والقيام بالتنصت على محادثات المسؤولين، فإن تركيا قلقة من حجم التنظيم في إفريقيا من خلال مؤسساته هناك ودورها في توتير العلاقات مع أنقرة، وتخشى أيضًا أن يستغل التنظيم تطور العلاقات الاقتصادية لمصلحته، كما أن هناك تقارير أفادت بأن التنظيم له علاقات قوية ويقوم بفتح علاقات جديدة مع مسؤولين ورجال أعمال في الدول الإفريقية وعبر مؤسسات تعليمية وإغاثية، وفي هذا الإطار تم تسريب مقطع حول اتصال هاتفي بين زعيم الجماعة فتح الله غولن ورجل أعمال تركي حول صفقة “أناناس” مع أوغندا في 2013، وتم اعتبار “الأناناس” آنذاك شيفرة لصفقة معينة، ولهذا فإن أنقرة -التي تعهّد قادتها بتعقب التنظيم وقلعه من جذوره- يبدو أنها ماضية في ملاحقته بإفريقيا من خلال التنسيق مع الحكومات الإفريقية الصديقة، وفي هذا السياق، أيضًا فإن أنقرة تحتاج إلى تقوية علاقاتها الأمنية ودورها الاستخباري في إفريقيا، فهي ضعيفة في هذا المجال مقارنة مع دول أخرى مثل إسرائيل، وبالتأكيد فإنّ أنقرة قد تطورت كثيرًا استخباريًا منذ عام 1999 عندما قامت- بالتعاون مع مخابرات أجنبية- باعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في كينيا، وفي هذا الإطار، ترى تركيا نفسها أيضًا أكثر حرية من إسرائيل التي تعطي أولوية في علاقاتها الإفريقية للجانب الأمني، والتي انطلقت إستراتيجية علاقاتها الإفريقية من مبدأ محاصرة الدول العربية والعبث في منطقة حوض النيل، كما أنّ حسابات التنافس الإيراني/الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي تجعل الأتراك يقدمون أنفسهم بديلًا أكثر استقرارًا وبعدًا عن الصراعات، خاصة في المجال الاقتصادي.


اترك تعليق