fbpx
Loading

ضربات اقتصادية “تحت الحزام” بين السعودية وألمانيا .. فأيهما الخاسر الأكبر؟

بواسطة: | 2018-05-27T16:42:12+02:00 الأحد - 27 مايو 2018 - 6:00 م|الأوسمة: , , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف:

ضربات سعودية جديدة في مواجهة المواقف الألمانية المناهضة لتوجهات الأمير الشاب محمد بن سلمان في المنطقة، برزت في قرارات سِرّية تمنع التعامل مع الشركات الألمانية في المملكة في إعادة لدبلوماسية دفاتر الشيكات السعودية، ولكنها خرجت للعلن من وسائل إعلام ألمانية لتفتح ملف الأزمة السعودية المستمرة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحكومتها، وتأثير القرارات السعودية على اقتصاديات ألمانيا، وهو ما نرصد آثاره وملامحه.

ضربات متبادلة 

مجلة دير شبيجل الألمانية كشفت الضربة الجديدة لألمانيا بعد إصدار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمرًا بعدم إرساء أية عقود حكومية على شركات ألمانية بعد الآن، وهو ما سيلحق الضرر على الأرجح بشركات كبرى مثل سيمنس وباير وبورينغر إنغلهايم، وكذلك دايملر لصناعة السيارات، التي تأتي في سياق ما قاله رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ السعودي زهير الحارثي مع DW العربية من أنه لا يستبعد أن تلجأ المملكة لكل الوسائل المشروعة لتحقيق مصالحها، ومنها: “العقوبات الاقتصادية”.

وكالة بلومبرج للأنباء أكدت على سياق قريب من القرار؛ حيث كشفت عن أن هيئات حكومية سعودية أُبلغت بعدم تجديد بعض العقود غير الضرورية مع شركات ألمانية، مؤكدة أن تفويضات لدويتشه بنك في المملكة من بين الأنشطة المعرَّضة للخطر، بما في ذلك دور محتمل في الطرح العام الأولي لأرامكو السعودية، الذي قد يكون أكبر بيع لأسهم على الإطلاق.

ألمانيا في المقابل كان لها ضرباتها كذلك؛ حيث جاء قرارها بوقف صادرات الأسلحة الألمانية للدول المشاركة فى حرب اليمن، ليشكل ضربة للشريك السعودي المناكف لدرجة استدراج عادل الجبير وزير الخارجية السعودية إلى مربع اللغة الحادة، حيث وصف قرار الحكومة الألمانية بـ «الغريب»، موضحًا فى المقابل أن بلاده غير معتمدة على الأسلحة الألمانية، وقال موجهًا حديثه إلى ألمانيا: «لا نحتاج إلى أسلحتكم.. سنجدها فى مكان آخر» رغم أنَّ أحدث تقرير لصادرات الأسلحة، يؤكد أن السعودية هي ثالث أكبر مشترٍ للأسلحة من ألمانيا، حيث تُشكل أجهزة سلاح الجو 90% من صادرات ألمانيا من السلاح للسعودية، والتي تشمل قطع غيار مقاتلات، وطائرات هليكوبتر، وطائرات، وتجهيزات التزود بالوقود جوًا، كما اشتملت صادرات ألمانيا إلى السعودية مؤخرًا على زوارق استطلاع، وعربات برية، ومعدات إعادة تزويد بالوقود في الجو، وطائرات بدون طيار، وقطع مقاتلات، وعربات مصفحة.

أزمات متكررة

تراشقات بين البلدين كان مركزها اليمن ثم لبنان، ولكنها تتمدد والسبب في الأمير الشاب؛ حيث أشارت فيها ألمانيا بوضوح إلى المغامرة والطيش اللذين يحكمان تصرفات بن سلمان ، حيث أكد وزير الخارجية الألمانية آنذاك زيغمار غابرييل أن رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري محتجز ضد إرادته في الرياض، ووجه غابريل، على غير العادة، انتقاداً شديد اللهجة للسعودية، وقال “إنه يجب أن تكون هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا، بأننا لم نعد مستعدين للقبول بصمت لروح المغامرة، التي تتسع هناك منذ عدة أشهر”. وأضاف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره اللبناني جبران باسيل في برلين أن “لبنان يواجه خطر الانزلاق مجددًا إلى مواجهات سياسية خطرة وربما عسكرية”.

ومن بين أسباب الغضب السعودي، حسب دير شبيجل، موقف ألمانيا فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، والذي قال عنه وزير الخارجية الألمانية هايكو ماس بعد أن أجرى مشاورات مكثفة مع أعضاء في الكونجرس الأمريكي “إننا في ألمانيا، وأيضًا في أوروبا، مصممون على المساهمة بشكل فعَّال للحفاظ على الاتفاق النووي مع العمل في نفس الوقت على ترويض طهران”.

قطر حاضرة كذلك في خلفيات غضب بن سلمان، بحسب مراقبين، حيث كان الموقف الألماني من الأزمة الخليجية لافتًا من البداية إذ سارع الوزير زيغماز بعد ساعات من إعلان حصار قطر، في 6 يونيو 2017، إلى تأكيد تضامنه مع قطر، وفي نفس الوقت اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإثارة التوتر في منطقة الخليج، وبحسب مراقبين، فهناك تصفية حسابات بين ألمانيا وأمريكا، وما السعودية إلا عرض جانبي لها، مبينًا أن الخلاف وصل حتى السجال الشخصي بين إدارتي أنجيلا ميركل ودونالد ترمب، حتى إن وزير الخارجية الألماني قال عند نشوب الأزمة الخليجية: “لا نريد ترمبية خليجية”.

احتضان ألمانيا للأمير السعودي المعارض خالد بن فرحان، عامل ازعاج واضح في علاقات البلدين؛ حيث وفرت له ألمانيا حق اللجوء، وبات الأمير الوحيد الآمن بعد أن سبق أن تعرض للتمييز والاضطهاد على خلفية مطالبته بالحرية داخل المملكة، ما أدَّى به عام 2013 إلى الانشقاق عن آل سعود، والحصول على حق اللجوء السياسي في ألمانيا، وظهر خالد في وسائل إعلامية ألمانية بارزة قاد منها هجومًا شرسًا ضد المملكة في ظل حماية من الاختطاف الذي يهدّد به كثير من أمراء آل سعود المقيمين في أوروبا الذين ينتقدون سياسيات المملكة.

السياسية الألمانية في الفترة الأخيرة بشأن السعودية رصدها بوضوح التقرير التحليلي لـ”المخابرات الخارجية الألمانية (BND)، الصادر في الثاني من ديسمبر 2015، حيث حذر من “الدور المزعزع للاستقرار في العالم العربي للمملكة العربية السعودية” وجاء فيه أن “سياسة الدبلوماسية الحذرة لأعضاء العائلة الحاكمة القدماء تم استبدالها بسياسة تَدَخل متسرعة واندفاعية”. وأشار التقرير آنذاك-وبشكل نقدي خاص- إلى دور محمد بن سلمان، وزير الدفاع، مؤكدًا أن تركيز سلطات السياسة الخارجية والاقتصادية بيد ولي ولي العهد (أصبح ولي العهد حاليًا) “يحمل بين طياته الكثير من المخاطر، ويَكون مثيرًا خصوصًا إذا حاول الأخير تثبيت أقدامه كولي للعهد في ظل ولاية والده. فبإجراءات مكلفة أو إصلاحات باهظة الثمن سيثير غضب بقية أفراد العائلة الملكية الحاكمة وفئات واسعة من الشعب”.

لن تتأثر!

السعودية عمليًا شريك تجاري كبير لألمانيا؛ حيث استوردت منها ما قيمته 6.6 مليار يورو (7.7 مليار دولار) في 2017، وفقًا لمكتب الإحصاءات الألماني، وفازت شركة سيمنس العام الماضي بطلبية قيمتها نحو 400 مليون دولار لتسليم خمسة توربينات غاز لمحطة مزدوجة لإنتاج الكهرباء والبخار يجري تشييدها في المملكة. وبعد فترة قصيرة حصلت دايملر على طلبية من الشركة السعودية للنقل الجماعي (سابتكو) لشراء 600 حافلة من طراز مرسيدس-بنز سيتارو.

ولكن في المقابل يرى مراقبون أن ألمانيا، بصفتها أكبر اقتصاد في أوروبا على الإطلاق، لن تتأثر بتحرشات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؛ حيث كانت الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بالأزمة المالية في منطقة اليورو؛ بل امتد دورها إلى المساهمة في تمويل خطط الإنقاذ المالية لعدد من الدول المجاورة وأعضاء منطقة اليورو، كما تمتلك ألمانيا أقوى قطاع تصديري في أوروبا، وأقل معدل بطالة بين الدول الكبرى في أوروبا.

وسجلت ألمانيا في النصف الأول من العام الحالي رقمًا قياسيًّا غير مسبوق منذ أكثر من ربع قرن في فائض موازنتها، بفضل النمو الاقتصادي القوي، والأوضاع المواتية على نحو غير مسبوق في سوق العمل، وقدر مكتب الإحصاء الاتحادي ارتفاع إجمالي إيرادات الحكومة الاتحادية والولايات والمحليات وصناديق الضمان الاجتماعي عن نفقاتها بمقدار 18.3 مليار يورو (نحو 21.59 مليار دولار) في النصف الأول من العام الحالي..

في مقابل ذلك، يعيش الاقتصاد السعودي أيامًا صعبة من الركود الاقتصادي؛ إذ تصل نسبة العجز في الموازنة السعودية للعام الجاري نحو 46.5 مليار ريال (12.4 مليار دولار) خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو، فضلًا عن الهزة الكبرى التي تعرضت لها سوق الاستثمارات السعودية عقب حملات الاعتقالات الأخيرة.

وبحسب الخبير بالشأن السعودي، الباحث الألماني سباستيان زونس فإنه من حيث المبدأ، السياسة الألمانية تجاه الشريك السعودي الإشكالي بحاجة لاستراتيجية متماسكة، حيث يتوجب علينا أن نتوصل- بينا وبين أنفسنا- لنتيجة حول ما هي المجالات التي نريد التعاون فيها مع المملكة وما سنقدمه لها، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين الطرفين، كل ذلك دون أن نمسك اللسان عن نقد الجوانب التي تستحق النقد، مؤكدًا أن محمد بن سلمان يعتزم جعل الاقتصاد غير معتمد على النفط، ولتحقيق ذلك فهو بحاجة لمستثمرين أجانب، ومن بينهم ألمانيا.

 


اترك تعليق