fbpx
Loading

لماذا تحول الانتحار لوسيلة تعبير صادمة عن الواقع المصري!!

بواسطة: | 2018-09-07T18:16:51+02:00 الجمعة - 7 سبتمبر 2018 - 6:16 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – محمد العربي:

لم يعد يمر يوما علي مصر إلا واستيقظت او نامت علي خبر انتحار شاب او فتاة، إلا أن جديد هذه المرحلة هو زيادة حالات الانتحار تحت عجلات قطارات مترو الأنفاق الذي يربط القاهرة الكبري بعضها ببعض، وهو ما دفع برئيس شركة تشغيل المترو لتوجيه رسالة للراغبين في الانتحار بأن يختاروا مكانا أو وسيلة أخري بعيدا عن عجلات المترو حفاظا علي حقوق باقي الركاب.

ورغم أن تصريحات رئيس شركة تشغيل المترو لقت سخرية واستنكار من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الظاهرة باتت محل دراسة للباحثين والمختصين، والذين يفتشون عن اجابات لأسئلة فرضت نفسها تحت عجلات القطار، منها علي سبيل المثال: ما هو جديد الأحداث بمصر حتي تزيد حالات الانتحار، وهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الرئيسي، ولماذا يلجأ المصريون للتعبير عن رفضهم لحياتهم بهذا العنف المتزايد، ولماذا عجلات القطار بدلا من مياه النيل التي كانت صاحبت المركز الأول في الانتحار.

لا تراجع ولا استسلام

خبراء علم النفس أجابوا علي السؤال الأخير بأن الراغب في الانتحار وجد في عجلات القطار النهاية السريعة والحاسمة التي لا يمكن إيقافها، علي عكس الوضع مع المنتحر في نهر النيل او الشنق او تناول السموم، والذي يمكن إنقاذه في أي لحظة، بينما الوضع بات محسوما تحت عجلات القطار التي تحول جسد المنتحر لأشلاء في الحال، وهو أمر يعكس رغبة المنتحر في التخلص من حياته بشكل نهائي ولا يترك أي مجال للعودة، وهو يمثل بذلك قمة الحالة النفسية السيئة التي وصل اليها الراغب في الانتحار.

وكانت بداية الانتحار تحت عجلات قطارات مترو الانفاق لفتاة في العقد الثاني من عمرها، القت بنفسها تحت عجلات المترو في محطة الملك الصالح بالقاهرة، في شهر مايو الماضي، ثم تبعتها فتاة أخري في المرج، للتوالي الحوادث بمعدل حالة أسبوعيا تشهدها قضبان مترو الأنفاق.

رئيس الشركة المسئولة عن تشغيل المترو دعا في تصريحات صحفية المقبلين علي الانتحار أن يبحثوا عن وسيلة أخري غير المترو، مؤكدا أن المنتحر أناني ولا يفكر إلا في نفسه، ولا يحسب حسابا لحجم الخسائر التي تحدث سواء للجماهير أو لهئية المترو نتيجة هذا الفعل.

وقدم رئيس الشركة العديد من المقترحات التي يمكن ان تمنع الانتحار بالمترو منها إنشاء أسوار حديدية علي المساحات الفارغة بالمحطات، وتركيب بوابات أمام أبواب المترو لا تفتح إلا بعد أن يتوقف القطار في محطته، وهي الاقتراحات التي اعتبرها البعض استخفافا بالظاهرة، وكأنها الرسالة التي تريد الحكومة ممثلة في رئيس الشركة أن تقولها للجماهير وهي .. “موتوا أو انتحروا ولكن بعيدا عنا”.

كشك فضفضة

وقد أدي انتشار الانتحار تحت عجلات قطارات المترو لظهور العديد من المقترحات التي تعاملت مع الموضوع من حيث الشكل الظاهري وكأن المترو أصبح هو الهدف وليس المنتحر، وفي هذا الإطار اقترح نواب بالبرلمان ومعهم خبراء في الطب النفسي بإنشاء أكشاك للاستشارات النفسية والفضفضة علي غرار أكشاك الفتوي، تكون خاضعة لرئاسة الجمهورية أو لإحدي جهات الحكومة والهيئات الرسمية المتخصصة.

وبرر أصحاب هذا المقترح بأنه فرصة لمساعدة راغبي الانتحار لمراجعة أنفسهم في اللحظة الأخيرة، مؤكدين أن خطورة تكرار حوادث الانتحار تحت عجلات قطارات المترو، يكمن في أن فكرة الانتحار أشبه بالعدوي، وبالتالي فنجاح الانتحار في حال، سوف يؤدي إلي تكرارها وبالتالي يتحول مترو الأنفاق إلي قبلة لراغبي الانتحار، كما كان يحدث في السابق مع نهر النيل، الذي تراجعت فيه عمليات الانتحار نتيجة ظهور وسائل انفاذ حديثة ساعدت علي تقليل الظاهرة.

ارقام مرعبة

ورغم عدم وجود دراسات رسمية أو شبه رسمية عن عدد المنتحرين كل عام في مصر، إلا ان تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية عام 2017، أكدت فيه إن معدلات الانتحار بمصر وصلت لـ 88 حالة من بين كل 100 ألف مصري، وهو ما يشير إلي أن هناك 88 ألف حالة انتحار سنويا بمصر، التي تجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، ومَثَّل هذا التقرير صدمة كبيرة للمسئولين المصرين، لأنه يأتي بعد خمس سنوات عن تقرير آخر لمنظمة الصحة العالية أصدرته عام 2012 صنفت فيه مصر علي انها من بين الدول الأقل في معدلات الانتحار والتي وصلت فيها النسبة لعام 2012 لـ 5 حالات بين كل 100 ألف مواطن.

وتشير تقارير سنوية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خاص بالانتحار، عن زيادة مضطردة منذ عام 2005 التي وصل عدد المنتحرين فيها 1160 شخصًا، ثم 3700 في 2007، ليزيد الرقم إلى 4200 في 2008، ولكن في 2009 قفز الرقم بشكل خطير جدا حيث سجل تقرير الجهاز 104 ألف حالة انتحار نجح منها 5 آلاف فقط، وفي عام 2010 وصل الرقم إلي 100 ألف حالة، وفي 2011 قفز الرقم إلي 400 ألف حالة وصل منهم 18 ألف حالة لمركز السموم، وفي عام 2015، تجاوز أعداد من حاولوا الانتحار 500 ألف، وبحلول 2016 كانت مصر تحتل المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد المقبلين على الانتحار، وفقًا لإحصائية منظمة الصحة العالمية.

بينما كشفت دراسة لوزارة الصحة المصرية أجرتها علي طلاب الثانوية العامة في مارس الماضي أن 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون في الانتحار، وطبقا لتقرير “دقوا ناقوس الخطر” الصادر عن المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة فقد تم تسجيل 44 حالة انتحار للأطفال في 2015 فقط.

أسباب متعددة

وطبقا لما رصده خبراء علم النفس والاجتماع فإن الظروف الاقتصادية والمعيشية الضاغطة التي خلفها برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته الحكومة منذ عام 2014، وتردي الأحوال المعيشية وفقدان الأمل تمثل صدارة الأسباب التي تدفع للانتحار أو الشروع فيه، مؤكدين أن كل معدلات التفكك المجتمعي تشير إلي زيادة كبيرة خلال السنوات الماضية سواء في ارتفاع نسب الطلاق بشكل مخيف، أو تزايد حالات المرض النفسي لدي المصريين، وأخيرا حالات الانتحار.

وتشير دراسات وأبحاث عديدة أن البعض يبحث عن الانتحار لمجرد الفراغ، حيث يجد نفسه في البيت بلا عمل، أو هدف، وبالتالي يقرر التخلص من الحياة، وهو ما يعكس تأثير الأوضاع الاقتصادية علي تزايدت معدلات الانتحار، بعد فشل المنتحرون التعايش مع ظروفهم المعيشية أو تحسينها.

ويري فريق آخر من الباحثين أن الأوضاع الاقتصادية ليست كل شيء وربطها بالانتحار يمثل افتراءا، ويري هذا الفريق أن الانتحار له أسباب كثيرة منها الاكتئاب الذي يمكن ان يكون ناتجا عن الفشل العاطفي أو الخلافات الأسرية.

ورغم هذا التضارب فإن الفريقين أكدوا علي أهمية تعاطي الحكومة المصرية مع هذا التطور النفسي للمصريين بشكل مختلف عن تعاملها الحالي، خاصة وأن الأرقام المعلنة لا تمثل النسبة الحقيقية للمنتحرين، في ظل حرص كثير من الأسر إخفاء حقيقة موت ذويهم منعا للتشهير وحفاظا علي السرية.

ويري الفريقين أن الحل هو البحث عن أسباب الانتحار وعلاجها، وهي أمور لا تخرج معظمها عن حلول اقتصادية باعتبارها المحرك الأساسي للاستقرار الأسري والمجتمعي، وبالتالي فإن الحكومة مدعوة لإيجاد فرص عمل حقيقية تواكب الزيادات الرهيبة في الأسعار، وتقليل المصروفات، ومراعاة شعور الغير، ومنع إعلانات السلع الاستفزازية، والترويج للأجور الخيالية للاعبي الكرة، والفنانين، وتفعيل الوازع الديني في علاج انتشار الظاهرة.

تحريم شرعي

وتشير دراسة هامة لمصلحة الطب الشرعي بمصر أن الوازع الدين يقف عائقا أمام زيادة معدلات الانتحار، خاصة وأن كثير من المصابين بأمراض نفسية وضغوط حياتية يتراجعون عن خطوة الانتحار خوفا من العقاب في الآخرة، باعتبار أن الإسلام حرم الانتحار بشكل قطاع ووعد مرتكبه بالنار.

ورغم صدور العديد من الدراسات والأبحاث الشرعية الرسمية حول حرمة الانتحار، إلا ان الأستاذ بجامعة الأزهر والعضو بلجنة الخمسين لتعديل دستور 2012 الدكتور أحمد كريمة أصدر فتوي شرعية، لا تحرم الانتحار، وطبقا لفتوي كريمة فإن المنتحر ليس كافراً، وإنما هو شخص آثم فاسق، طبقا لراي الموسوعة الكويتية الفقهية ووزارة الأوقاف المصرية والأئمة الأربعة والذين اعتبروا المنتحر فاسق وآثم وعاصٍ وارتكب كبيرة من الكبائر، وهو تحت المشيئة الإلهية، مشيرا إلي أن السلفيين هم أصحاب مقولة أن المنتحر كافر، وهذا غير صحيح، لأنه لا يوجد دليل من القرآن أو السُنة على كُفر المنتحر، مؤكدا أن المُنتحر مع فسقه وارتكابه لكبيرة، لم ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة.

وفي مقابل ذلك أكد الدكتور فكري حسن إسماعيل، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بأن الإسلام يفرق بين المنتحر عن عمد والمنتحر الذي يعاني من أمراض نفسية، فمن يصاب بمرض نفسي يؤثر على كيانه ويقدم على الانتحار فهو في هذه الحالة لا يقع عليه العقاب الذي يناله المنتحر عن عمد مصداقًا لحديث الرسول الكريم (من تردى من فوق جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدًا فيها مخلدًا)، ما يعني أن المنتحر عن عمد بأي وسيلة كانت، سيلقى هذا المصير.


اترك تعليق