fbpx
Loading

هل أزعجت رسائل مظاهرات “ميت سلسيل” نظام السيسي؟!

بواسطة: | 2018-09-01T19:30:11+02:00 السبت - 1 سبتمبر 2018 - 10:00 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

“هي ليست مجرد مظاهرات، بل هي تعبير عن حالة تعيشها مصر” .. هكذا وصف العدد من المحللين السياسيين المظاهرات التي شهدتها مدينة ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية خلال اليومين الماضيين تضامنا مع ابن بلدتهم المتهم بقتل طفيله ريان ومحمد خلال الاحتفالات بعيد الأضحي المنصرم.

المظاهرات طرحت العديد من التساؤلات عن مدي ثقة الشعب المصري في منظومة العدالة، وهل أصبح الشك وعدم القناعة هو المرادف المناسب للقضاء المصري، وهل كشفت هذه المظاهرات عن الفئات الجديدة التي تحكم مصر نتيجة الحكم العسكري، والتي أصبحت تتعامل وفقا لسياسات عصابات المافيا، وهل القضية تَكمُن في قصة قاتل طفليه أم أن الأمور تجاوزت ذلك، وأن قضية قاتل طفليه لم تكن إلا مجرد سببا عبَّر من خلاله الأهالي عن حالة الاحتقان التي يعاني منها الشعب المصري.

أصل الحكاية

وتعود أصل الحكاية لبلاغ قدمه محمود نظمي السيد من مدينة ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية، باختطاف طفيله ريان ومحمد أول أيام عيد الأضحي، أثناء وجودهما معه في الملاهي بالمدينة، وتأكيده بأن رواد الملاهي شاهدوا الطفلين بصحبة سيدة منتقبة، إلا أنه وبعد ساعات من البحث عثر علي جثة الطفلين غارقتين في ترعة بمدينة فاراسكور بمحافظة دمياط والقريبة من بلدة الطفلين، وقال الأب في بداية محاضر الشرطة أن طفليه تم اختطافهما من قبل تجار آثار كان علي خلاف معهم، ثم عاد وقال أنه تم قتلتهما بسبب خلافه مع أهالي سيدة صورها عارية، وفجأة يعترف نظمي أنه قتل طفليه بكامل إرادته لكثرة إزعاجهما له، وهو الاعتراف الذي فاجأ الجميع، وبررته الشرطة بأنه كان نتيجة مواجهة نظمي بمقاطع فيديو لكاميرات المراقبة أثبتت أن الطفلين كانا بصحبته.

ورغم ترويج الشرطة ووسائل الإعلام المصرية لرواية قتل الوالد لطفليه، وأنه كان في حالة غياب عن الوعي نتيجة تناوله المخدرات، إلا أن والدة المتهم الحاجة عفاف محمود بثت مقاطع فيديو أكدت فيها أن نجلها محمود توجه إليها مع أطفاله قبل الحادث لتقديم تهنئة العيد، وأخبرته أن يأخذ نصيبه من “لحمة العيد” إلى منزله، فرفض بحجة ذهابه بصحبة أطفاله للتنزه، وبعد ساعة من الزمن؛ اتصلت زوجته بها تخبرها أن محمود اتصل يخطرها باختفاء الطفلين.

وطبقا لشهادة الجدة فإنهم توجهوا ناحية البحر بصحبة الأهالي للبحث عن الطفلين في البلاد المجاورة، وكان محمود يبحث معهم بصحبة زوجته، ورجال الشرطة، وكان في حالة انهيار كامل، وبعد استخراج جثة الطفلين ودفنهما فوجئوا باختفاء محمود تاركا خلفه رسالة بمنزله كتب فيها “يجيب حقهم يموت زيهم”.

وأكدت سماح الشافعي زوجة المتهم أن زوجها كان بحالة طبيعية يوم العيد، وقد صاموا معا يوم وقفة عرفات، وأفطروا ببيت والدها، وفي يوم العيد زار أخوته وأهله وذهب لبيتهم، وحضر بصحبة الأطفال وشارك في ذبح الأضحية، والأمور ظلت هادئة حتي أخبرها زوجها باختفاء الطفلين.

لماذا المظاهرات

أهالي مدينة ميت سلسيل جيران المتهم، لم يقتنعوا بالرواية التي روجتها الداخلية عن اعتراف محمود نظمي، خاصة مع تداول معلومات أن والد الطفلين حاول الانتحار أثناء عرضه علي النيابة، وهو ما تزامن مع مقاطع الفيديو التي نشرتها والدته، ثم نشر صورا أخري علي صفحات الفيسبوك لـ “توكتوك” أمام منزل والد المتهم به سيدة منتقبة بصبحة الطفلين، وصورا أخري لمحمود نظمي وهو يقف أمام تمثال فرعوني في أحد المساكن تحت الإنشاء بمنطقة مهجورة، وهي الأحداث التي دفعت الأهالي لربط بعضها ببعض ليتوصلوا في النهاية أن محمود نظمي برئ من قتل طفليه وانه تم إجباره علي الاعتراف بذلك لتورط شخصيات مسئولة بالدولة في العملية التي كانت بمثابة انتقام من والد الطفلين.

هذه القراءة للأحداث من قبل الأهالي دفعتهم للتظاهر أمام منزل محمود نظمي، مطالبين بإطلاق سراحه والقبض علي المتهمين الحقيقيين الذين تتستر عليهم الداخلية، وهي المظاهرات التي بدأت بعدة أشخاص ثم تحولت لتشمل نصف السكان، ما دفع بقوات الشرطة لفرض كاردون أمني حول المدينة، ثم إطلاق الغازات والرصاص علي المتظاهرين، للتمكن في النهاية من تفريق المظاهرات والقبض علي 35 شخصا أمرت النيابة العامة بحبسهم بتهمة التجمهر ومقاومة السلطات الأمنية.

رسائل عديدة

خبراء وباحثون بعلم الاجتماع السياسي نظروا إلي مظاهرات ميت سلسيل من منظور مختلف عن فكرة التضامن مع والد الطفلين، مؤكدين أن ما جري في ميت سلسيل يمثل تطورا خطيرا في التركيبة المجتمعية والسياسية للمصريين بعد انقلاب يوليو 2013، خاصة وأن المظاهرات جاءت في مناسبة اجتماعية وهي عيد الأضحي، وفي ظل قبضة أمنية شديدة لنظام عبد الفتاح السيسي، الذي اعتقل لتوه قبل المظاهرات عدد من قيادات المعارضة الذين دعوا لمظاهرات في 31 أغسطس، ردا علي الحالة السياسية المتردية، وبالتالي كان أولي بالأهالي الخوف وعدم التحرك ضد الشرطة التي حذرتهم من التجمهر والتظاهر في بداية الأحداث، وهو ما يمثل أول تطور في الحالة المصرية وأن الغضب والضغط يمكن ان ينفجر في أي لحظة وفي ظل أي سبب وليس شرطا أن يكون السبب سياسيا، وإنما علي العكس قد يكون الإنفجار نتيجة إحساس بظلم مجتمعي.

أما الرسالة الثانية التي رصدها الخبراء فهي فقدان الثقة في منظومة العدالة، الممثلة في النيابة العامة والقضاء والشرطة، خاصة وان مظاهرات ميت سلسيل تعد الأولي التي يتظاهر فيها جماهير مصرية ضد قضايا بعيدة عن القضايا السياسية أو الاحكام العسكرية لمخالفي نظام السيسي، وهو ما يشير إلي أن كثرة أحكام الإعدام والأشغال الشاقة والسجن للمعارضين، دون وجود ضمانات حقيقية لنزاهة القضاء، دفع الجماهير للتشكيك في أحكام القضاء وإجراءات العدالة بشكل كامل، كما أن المظاهرات تعيد للأذهان فكرة العداء بين المواطنين والشرطة رغم كل محاولات نظام الإنقلاب في إعادة الثقة بين الشرطة والشعب مرة أخري التي تفجرت في ثورة 25 يناير 2011.

وتختص الرسالة الثالثة لهذه المظاهرات بالإعلام المصري الذي أصبح لا يتمتع بالمصداقية لدي الشعب، خاصة وأن الإعلام روج بشكل كبير لرواية الداخلية وقدم لها كل الدعم في محاولة لغلق صفحة القضية التي أثارت ردود تعاطف كبيرة مع المتهم، إلا ان المظاهرات جاءت لتفضح الآلة الإعلامية الضخمة للإنقلاب، وتشير إلي أن تأثيرها لم يعد كسابق عهده وأن السحر الذي بثته طوال السنوات الماضية، لترسيخ أهداف ومفاهيم محددة، لم يعد بنفس مفعول السنوات الماضية، وهو ما يمثل تطورا آخر في التركيبة المجتمعية للشعب المصري، ويمثل علي الجانب الآخر خطرا علي النظام الذي كان يعتمد علي الإعلام في نشر سمومه ضد مخالفيه ومعارضيه.

رزاز وليست عواصف

ويشير الخبراء الذين تناولوا هذه المظاهرات بالتحليل إلي أنه لا يمكن اعتبارها مقدمات لثورة شعبية كما يتوقع البعض نتيجة التأزم السياسي والمشاكل الإجتماعية والحالة الاقتصادية التي تعيشها مصر، وإنما يمكن اعتبارها بمثابة الرزاز الذي يسبق الأمطار والعواصف، فهي تشير إلي أن حالة الاحتقان وصلت لمرحلة خطرة في المجتمع المصري، وأن الإنفجار أصبح ينتظر اتساع فوهة النار لكي ينطلق كالبركان، وأن القشة التي يمكن أن تقسم ظهر العير، أصبحت في متناول اليد، وأن الضربة التي سوف تقضي علي النظام المصري لن تكون من باب السياسة كما يخاف، وإنما من باب مشكلات المجتمع التي تدفع ممارسات النظام لزيادتها بما يصعب معها المسكنات أو الحلول المؤقتة.

ويري الخبراء أن تعامل النظام العسكري مع هذه المشكلات يؤكد أنه لا يري ما يعانيه المجتمع، وأنه ماض في طريقه نحو المزيد من الاحتقان والفساد، ما يجعل الغضب الشعبي المتوقع أقرب لقنبلة ذرية يمكن ان تقضي علي استقرار مصر، إذا لم تجد من يبطل مفعولها بشكل حكيم.


اترك تعليق