fbpx
Loading

ماذا حدث للجيش المصري بعد 45 عاما على حرب أكتوبر ؟

بواسطة: | 2018-10-07T00:07:14+02:00 السبت - 6 أكتوبر 2018 - 5:40 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

45 عاما مرت على انتصار الجيش المصري في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، على العدو الإسرائيلي وهو ما كان سببا في استعادة سيناء بالسلاح تارة وبالمفاوضات تارة أخرى، إلا أنه وبعد مرور كل هذه السنوات، فإن الدور البطولي الذي لعبه الجيش لتحرير الأرض المصرية، يتغير لصالح مجموعة من قياداته والمتحكمين في شئونه.

فما الذي جرى للجيش المصري طوال هذه السنوات، وهل دخول الجيش في السياسة أفسد الاثنين، أي الجيش والسياسة معا، وهل يحتفل الجيش المصري بتحرير سيناء هذا العام على طريقته الخاصة من خلال عملية عسكرية بدأت مع بداية العام ولا يعرف أحد متى سوف تنتهي.

تغيرات بطيئة

لم يكن وصف الكاتب الراحل جمال الغيطاني بأن مصر عبارة عن نخلة كبيرة وهي الجيش، وباقي المؤسسات تشكلت حولها وبفضلها، سوى تعبير صادق عن الحالة التي تعيش فيها مصر، فالجيش المصري أصبح هو المتحكم المباشر في كل المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، وبدلا من الدور الذي كان يلعبه من وراء الستار في الفترة التي سبقت انقلاب يوليو 2013، أصبح هو اللاعب الرئيسي والمركزي، أما الباقين من أحزاب وساسة واقتصاديين فهم مجرد كومبارس لتحلية المشهد وإحداث تشويق حوله.

وطبقا لدراسات عديدة تناولت تطورات دور الجيش المصري في الحياة السياسية، فإن هناك ما يشبه الإجماع كما أكد الباحثون بأن تحولات عديدة وإن كانت بطيئة في بعض فتراتها طرأت على الجيش المصري مما جعل فكرة إحداث تغيير في عقيدته العسكرية أمرا سهلا وليس مستحيلا كما كان يتصور البعض.

وطبقا للباحثين فإن هذا ليس معناه أن الجيش المصري تحول من جيش وطني في 1973 لجيش خائن أو عميل في 2013 وما بعدها، ولكنها السياسة والأهداف التي تحكمت في مسار هذه المؤسسة الكبيرة والقوية في المشهد المصري.

فرصة أمريكية

وطبقا للدراسة القيمة التي أعدها أستاذ العلوم السياسية الأمريكي “جايسون براونلي” وأخرجها في كتابه “إجهاض الديمقراطية” فإن الولايات المتحدة كانت ترى في القيادة العسكرية القديمة (قبل 2011) عائقا أمام تطلعاتها بإحداث تغيير نوعي في العقلية العسكرية للجيش المصري، سواء المتعلقة بالفلسفة العسكرية (ما يعرف بالعقيدة)، أو ما هو متعلق بالتغيرات الحركية داخل المنظومة العسكرية وأنماط التدريب والتسليح.

وطبقا للكتاب الذي تناول دور الجيش في ثورة 25 يناير 2011 في آخر فصوله، فإن الجيش دائما يقف حجر عثرة أمام أية تغير ديمقراطي، وضرب مثلا بتدخل الجيش ضد نجاح جبهة الإنقاذ بالانتخابات البلدية في الجزائر، ونجاح حركة حماس في فلسطين، ثم في ثورة 25 يناير بمصر.

ويري العديد من الذين تناولوا الكتاب بالدراسة والتحليل أن الإدارة الأمريكية كانت ترى في القيادة القديمة للجيش وخاصة المشير محمد حسين طنطاوي، سببا في عدم تطور الجيش المصري ودخوله في تحالف مع إسرائيل لفرض الاستقرار بالمنطقة، مؤكدين أن الفرصة جاءت من خلال السيسي الذي نقل الجيش للمربع الذي كانت تريد الإدارة الأمريكية أن يكون فيه.

وتشير التحليلات إلى أن ما فشلت الإدارة الأمريكية في تحقيقه طوال عشرات السنوات، نفذه السيسي بكل أريحية في السنوات الخمس الماضية، حيث تحولت العقيدة العسكرية للجيش المصري من اعتبار إسرائيل عدوها الأساسي وأن معاهدات السلام مجرد حبر على ورق، وأن الواقع يؤكد أنه لا سلام مع إسرائيل إطلاقا كما صراح المشير طنطاوي خلال احتفالات الجيش باليوم الوطني للقوات البرية وتخريج دفعة جديدة من طلاب الكلية الحربية عام 1999، وهو ما انعكس كذلك على موقف الجيش خلال ثورة يناير من التصرفات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وعدم اتخاذ إجراءات عقابية للثوار المصريين خلال اقتحام مقر السفارة الاسرائيلية عام 2011 بالقاهرة، تحول ذلك كله على يد السيسي إلى اعتبار أن هدفه هو ضمان أمن المواطن الإسرائيلي وإسرائيل في المنطقة العربية.

وتؤكد التحليلات كذلك أن الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة لانقلاب السيسي على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي كان في الأساس لضمان هذا التغير الهام في العقلية العسكرية، لضمان استقرار الحدود الفلسطينية المحتلة من جانب مصر، ولذلك لم تكن الاتصالات اليومية أو على مدار الساعة بين السيسي ووزير الدفاع الأمريكي خلال أيام الانقلاب الأولى إلا لوضع الرتوش النهائية لهذا التحول الذي ظهر بشكل واضح في العملية العسكرية سيناء 2018.

ماذا حدث للجيش

وقد رصدت دراسة قيمة لمجلة دراسات شرق أوسطية في عددها 64 لعام 2013 وضع الجيش في المشهد السياسي المصري، وأن البيان الذي ألقاه السيسي من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة وفي حضور قيادات سياسية معارضة للرئيس محمد مرسي، كان بداية التحول للمرحلة قبل الأخيرة في التغير الإستراتيجي لعقلية الجيش المصري، وهو التغيير الذي نقل الجيش من اللاعب المتخفي الذي يحظى بقبول وثقة المواطنين، إلى اللاعب الأساسي الذي استخدم كل المحرمات من أجل فرض سيطرته دون شريك أو منازع في السياسية والاقتصاد والإعلام.

وطبقا للدراسة فإن لتدخل الجيش في المشهد السياسي أثر كبير على أداء ومهمة القوات المسلحة، حيث يؤدي إلى إشغال جزء كبير من القوات المسلحة في واجبات غير واجباتها الأساسية، وهو ما يترك أثاراً سلبية على المؤسسة العسكرية في المستوى المهني والمعنوي والفني والتدريبي، كما من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على السياسة الدفاعية والإستراتيجية العسكرية وكفاءة القتال والتدريب، وهو ما يفرض على الجيش صبغةً لا تنسجم مع الدور الوطني الرمزي للجيوش. كما أن أخطر أنواع التأثير على المؤسسة العسكرية فيما يتعلق بتدخله في السياسة يتمثل في إفساد العقائد والمفاهيم الأساسية والوثائق المرجعية للضباط والأفراد من خلال سياسات تقريب أشخاص واستبعاد آخرين، واسترضاء مجموعة على حساب مجموعة أخرى بتقديم الامتيازات والمكافآت لمن يُراد لهم أن يكونوا أكثر ولاءً.

دولة الجيش

وانطلاقا من الدراسة السابقة فإن السيسي استطاع أن يصل بالجيش لقناعة هامة وهي أنه مالك هذا البلد وبالتالي فإن كل امكانيات وخدمات وأموال الوطن هي من حق الجيش، وهو ما فسر إنطلاق يد الجيش في الاقتصاد بمختلف مستوياته لحد إنتاج الأسماك والجمبري واعتبارها خطوط قتال، وهو ما كان له تأثير سلبي على ردود الأفعال التي تناولت الجيش بالسخرية والانتقاد، وهو أخطر ما في الموضوع كما يري باحثون في علم الاجتماع السياسي، حيث كسرت هذه التصرفات هيبة رجل الجيش المقاتل، ووضعته في منازعات ومشكلات يومية مع المواطنين، كان في السابق معزولا عنها طواعية.

وطبقا لتصريحات السيسي فإن الجيش لا يسيطر إلا على ما نسبته 2% من الاقتصاد القومي، وهو ما اعتبره الاقتصاديون حقيقي ولكن بالنسبة للاقتصاد الصريح أي الذي يتبع المؤسسة العسكرية علانية، بينما هناك اقتصاد عسكري لا يرتدي زي الجيش صراحة وهو ما يتمثل في الشركات التي أنشأها السيسي خلال السنوات الماضية، وعقدت شركات في مختلف القطاعات مثل الحديد والصلب والاسمنت ومشروعات الإسكان والطرق والنوادي والإعلام، وهو ما قفز بالرقم ليتجاوز 50 % من قيمة الاقتصاد القومي

وتشير دراسة لمركز البديل للدراسات السياسية أن الجيش استفاد من استبدال نظام المناقصات العامة بنظام البيع المباشر داخل مؤسسات الدولة، وهو ما مكن السيسي من إسناد مهمة تنفيذ حوالي 1600 مشروعا بالأمر المباشر للجيش، كما امتد نشاط الجيش لبعض الأنشطة الجديدة، وأعلنت الهيئة الهندسية عن إنشاء مصنع للحديد في إبريل 2016، كما حصل الجيش على رخصتين لإنشاء مصانع الحديد من أصل 4 رخص تخطط الحكومة لطرحها.

وعلى الرغم من القدم النسبي للنشاط الاقتصادي للجيش المصري، إلا أنه مؤخرا تشعب بشكل مطرد ليشمل قطاعات جديدة كقطاعات التموين، والصحة والتعليم، والسلع الكهربائية المعمرة وغيرها، وفي هذا الإطار أصدر السيسي قرارا أتاح للقوات المسلحة تأسيس، وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

وقد أدي هذا التغول لتوتر علاقة القوات المسلحة ببعض شرائح القطاع الخاص بسبب التضييق على أنشطة رجال الأعمال القدامى، إضاف لمصادرة أموال رجال الأعمال المحسوبين على جماعة الإخوان.


اترك تعليق