Loading

زيارة حماس للقاهرة .. قراءة في المكاسب المصرية والفلسطينية والإسرائيلية

تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

 

زيارة لم تكن مستغربة لوفد حماس إلى القاهرة، بعد فشل الاجتياح الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، إلا أن جديد الزيارة هو ملفاتها المتخمة، التي لا تكاد تبرح من مكانها، حتى يظهر على سطح الأحداث ما يعيدها للمربع صفر مرة أخرى، وطبقا لمستجدات الأحداث الأخيرة، فإن الزيارة تشمل العديد من الرسائل بعضها المتعلق بمصر، والآخر بحماس، والثالث بمنظمة التحرير وبالأخص حركة فتح، وأخيرا رسائل أخرى من وإلى تل أبيب.

وتزامت مع زيارة حماس، تنبيهات نقلتها الصحف الإسرائيلية عن رئيس الوزراء الإسرائيلي دعا فيها وزراء حكومته بعدم الحديث عن اجتياح غزة أو تصفية قادة حماس، وهو التصريح الذي إن صح فإنه يحمل دلالات عديدة، كما أن الزيارة تأتي في وقت دعا فيه المسئول البارز بمنظمة التحرير صائب عريقات، دول العالم للتصدي للقرار الأمريكي بالأمم المتحدة، الذي يهدف لتصنيف حركة حماس، كحركة إرهابية.

وعلى صعيد آخر مازالت القراءات مستمرة، حول الموقف المصري الأخير من العدوان على غزة، ولماذا صعدت القاهرة من نبرتها ضد إسرائيل، وهل هناك دلالات لمشاركة وفد المخابرات المصرية الذي زار القطاع مؤخرا في جنازة قادة القسام الذين اغتالتهم إسرائيل مؤخرا؟!

تبادل مصالح

ربما كان العنوان السابق هو الأنسب للحالة التي تعيشها الحالة الأخيرة بين مثلث غزة والقاهرة وتل أبيب، فكل طرف من الأطراف الثلاثة كما يرى المتابعون، يرى في ملف تثبيت ملف التهدئة مكسبا خاصا، أيا كان الوضع العسكري أو السياسي على الأرض، فحماس من جانبها تري أنها حققت العديد من الانتصارات العسكرية والسياسية في العدوان الأخير، فهي من ناحية واجهته بقوة ومنعت توسعه، ومن ناحية أخرى حصلت على دعم مصري ودولي لا يحدث كثيرا، والأهم أنها تسببت في تصدع الحكومة الإسرائيلية باستقالة وزير الدفاع رفضا لوقف العمليات بالقطاع.

ويرى المتابعون أن المكسب الثاني كان للقاهرة التي يبدوا وكأنها تعيد ترتيب أوراق نفوذها في المنطقة، مستغلة ما تمتلكه من أوراق في القضية الفلسطينية وخاصة ما يتعلق بقطاع غزة، وبالتالي فإن قدرتها على وقف العدوان الأخير، منحها جزء من المصداقية لدى حماس من جهة بأنها مازالت تستطيع فعل الكثير، ومن جهة أخرى أكدت مصر لإسرائيل أن اللعب من وراء ظهرها لن ينفعها، وأن العلاقات الجديدة مع دول الخليج العربي وخاصة السعودية، لا يجب أن يُنسِي إسرائيل أن القاهرة مازالت حاضرة في المشهد ولديها أوراقها.

أما الطرف الإسرائيلي فقد تساوت خسائره مع مكاسبه، ليخرج في النهاية من العدوان خالي اليدين، باستثناء استطاعة نتنياهو التخلص من صداع ليبرمان الدائم، مع المحافظة على توليفة حكومته كما هي حتى لا يدخل مجددا في دوامة الانتخابات المبكرة، التي قطعا سوف يخرج منها خاسرا بعد تورط زوجته وابنه في عمليات فساد واسعة.

مكاسبنا متعددة

من جانبه كان الدكتور موسي أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحماس، واضحا عندما تحدث عن أسباب الزيارة، مشيرا في تصريحات صحفية واكبت الزيارة أنها تهدف لما سماه “تفاهمات إنسانية، وليست اتفاقيات موقّعة، تتعلق بتفكيك الأزمة الإنسانية في غزة وهي مرتبطة بالهدوء، دون وجود أي التزامات سياسية”.

وطبقا لـ ” أبو مرزوق” فإن وفد “حماس” الذي وصل القاهرة، مساء الأربعاء برئاسة صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، ذهب لاستكمال الحوارات في ملفي المصالحة والتهدئة.

وعن التفاهمات التي أشار اليها، أكد المسئول الحمساوي أن ما يتعلق بحماس هو التزامها بغياب المظاهر العنيفة في مسيرات العودة وكسر الحصار، كالبالونات الحارقة والأكواع (متفجرات يدوية الصنع) واختراق الحدود”، دون رهن توقف المسيرات بتلك التفاهمات، مقابل فتح المعابر وإدخال البضائع لتوريد الاحتياجات، وتصدير المنتجات وزيادة مساحة الصيد وتشغيل العمالة والخريجين ودفع رواتب الموظفين القائمين على عملهم، وحل مشكلة الكهرباء بتزويد المحطة بالوقود، تمهيدا لحل نهائي، وإيجاد حلول لمشكلة المياه، وتسهيل تشغيل المصانع، كالخياطة، وإلغاء المساحات من البر إلى البحر، والتي كانت ممنوعة على سكان القطاع من المزارعين والصيادين.

وشدد أبو مرزوق على أن “المسيرات ستبقى مستمرة حتى رفع الحصار عن غزة بشكل كامل”، وأن “تراجع الاحتلال عن التفاهمات المبرمة لن يعجز الفلسطينيين عن الرد بكافة الطرق المتاحة”، مؤكدا أن سكان غزة بدأوا يستشعرون ثمار التفاهمات من خلال “فتح المعابر التجارية، وإدخال الوقود، ما أدى إلى زيادة نسبة وصل التيار الكهربائي، ودخول الأموال التي ستصل مباشرة إلى 50 ألف عائلة فقيرة بغزة، إضافة إلى البدء بمشاريع العمل المؤقتة لآلاف الشباب”.

ونفى أبو مرزوق صحة أنباء عن قبول حركته بمنطقة حدودية عازلة تبلغ 300 متر بعيدا عن السياج الأمني الفاصل بين شرقي غزة وإسرائيل، كما نفى ما يتردد عن حدوث تقدم في المفاوضات حول مصير جنود إسرائيليين أسرى لدى الحركة، بوساطة ألمانية، موضحا أن كل ما أشيع حول الموضوع ليس له من الحقيقة نصيب، وألمانيا لم تتحرك في هذا الملف إطلاقا.

إلا أن أهم ما أشار إليه أبو مرزوق هو أن الفصائل الفاعلة في الملف موافقة على التفاهمات، باستثناء بعض الحركات التي لم يسمها، مؤكدا في الوقت نفسه أن تفاهمات التهدئة بغزة لن تمنع رد “المقاومة الفلسطينية، في حال حدوث انتهاك كبير في الضفة الغربية”.

اهدءوا قليلا

وبعيدا عما تحدث عنه المسئول البارز في حماس، فإن هناك تقارير عديدة تشير إلى أن زيارة وفد حماس للقاهرة مرتبطة بتهديد وزير الأمن الإسرائيلي جلعاد إردان، بأن إسرائيل «باتت أقرب من أي وقت مضى لإعادة احتلال القطاع»، وأن عليها الانتقال من الدفاع إلى الهجوم عبر تفعيل عمليات القتل المستهدف للقادة الإرهابيين للجناح العسكري لحماس، وهو نفس ما أكده وزير الإسكان يوآف غالانت، بأن «أيام يحيى السنوار، باتت معدودة».

ويتوقع الخبراء أن القاهرة تعمل بكل طاقتها لمنع حدوث ذلك، وبالتالي تواصل جهودها بين غزة وتل أبيب، لتثبيت التهدئة من جانب، وجهود أخرى بين فتح وحماس لإنهاء الانقسام وعودة السلطة للقطاع لما يمكن أن يمثله ذلك من تخفيف للأجواء ومنعا لعدوان ربما يؤدي لاشتعال المنطقة ككل، حيث ترى القاهرة أن إنجاز المصالحة الآن بات ضروريا لتكون مدخلاً لتوقيع تهدئة طويلة في غزة عبر منظمة التحرير على غرار الاتفاق الذي أنهى حرب 2014.

وتشير نفس التوقعات إلى أن القاهرة تعمل على تنفيذ المصالحة وفق جدول زمني لا يزيد عن شهرين من أجل تسلم السلطة الأمن والمعابر والجباية المالية والقضاء وسلطة الأراضي تباعاً، مع إمكانية تشكيل لجان مشتركة ومتخصصة، يمكن أن تشارك فيها مصر، في الملفات المعقدة مثل الأراضي والقضاء والأمن.

وفي هذا الإطار قرأ المتابعون تصريحات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، التي دعا فيها دول العالم بإفشال مشروع القرار الأمريكي لإدانة حركة حماس في الجمعية العامة، حيث وصف عريقات القرار الذي سيتم التصويت عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر المقبل، والذي يصادف اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، بأنه محاولة لقلب الحقائق، وأن إسرائيل هي التي تواصل الاستيطان الاستعماري وجرائم الحرب والعقوبات الجماعية، هي من يستحق الإدانة والمساءلة والمحاسبة.

ويرى المتابعون أن هذه التصريحات الإيجابية التي لن تعتاد عليها حماس من فتح مؤخرا، ربما تكون بسبب اتصالات القاهرة، التي دعت السلطة لتليين مواقفها مع حماس، بعد التصريحات الغريبة لرئيس السلطة محمود عباس بعد فشل العدوان الأخير، والذي دعا فيه لإنهاء ملف المصالحة قبل إنهاء الحصار وتثبيت التهدئة.

ويرى المتابعون أن جهود القاهرة ربما لقت قبولا من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي طالب وزراء الائتلاف الحكومي بالكف عن إصدار التهديدات لقادة حماس بالقتل، وخاصة قائد الحركة بالقطاع يحيى السنوار، مؤكدا في معلومات نقلتها الصحف الإسرائيلية أن هؤلاء الوزراء وجميعهم من المجلس الوزاري المصغر «الكابنيت» لم يتلقنوا درسا من زميلهم السابق أفيغدور ليبرمان، الذي كان قد هدد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية بالموت خلال 48 ساعة، فأطاحت به غزة وبقي هنية حيا يرزق، كما بقي الجنديان الأسيران في قبضة حماس.

وهي المعلومات التي دعمتها قراءات أخرى موسعة للعدوان الأخير على القطاع والتي كشفت عن وضع جديد في موازين القوي بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، وطبقا لمقال لأستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت شفيق ناظم الغبرا، فإن العدوان الأخير يشير لإقامة ميزان جديد للقوة، فإذا ضربت إسرائيل وقع الرد عليها، وإن هاجمت تم التصدي لهجومها، وإن سعت للاقتحام دفعت ثمنا، وإن تمادت تم قصف المزيد من المدن والمواقع الإسرائيلية. لا يمكن الاستنتاج بأنه تم تحييد كل الحلول العسكرية الإسرائيلية، لكن يمكن القول بنفس الوقت بأن إسرائيل لن تستطيع تقديم حل عسكري جذري للصراع العربي الإسرائيلي، فهي لا تملك، رغم تفوقها التكنولوجي، القدرة على فرض إرادتها على الفلسطينيين.

 


اترك تعليق