fbpx
Loading

الاتحاد الأوروبي واللاجئين والألمان في انتطار “ميركل” الصغرى!

بواسطة: | 2018-12-11T20:06:11+02:00 الأحد - 9 ديسمبر 2018 - 7:00 م|الأوسمة: , , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة: محمد العربي

لم يكن حدثا عاديا، بل هو تاريخيا كما وصفه المراقبون، سواء لتعلقه بدولة بحجم ألمانيا، أو لطبيعة الشخصية التي كانت نجم الحدث وهي أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية التي اعتزلت العمل السياسي، وتخلت طواعية عن رئاسة حزبها “الاتحاد الديموقراطي المسيحي”، الذي ترأسته طوال 18 عاما.

ميركل التي أعادت للأذهان شخصية المرأة الحديدية التي ارتبطت برئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر، لم تترك حزبها فقط، وإنما خلفت وراءها العديد من الملفات الأوروبية والدولية الساخنة التي كانت شخصية ميركل تمثل أهمية في مساراتها، ولذلك لم يكن غريبا أن يصاحب رحيل المستشارة تساؤلات عن مصير الاتحاد الأوروبي، والعملة الموحدة وقضايا اللاجئين والعنصرية، وغيرها من القضايا التي كانت ألمانيا حاضرة فيها بشكل مميز، لتميز مواقف الأم ميركل نفسها.

الخطاب الأخير

في خطابها الأخير كانت نصيحة ميركل واضحة وهو الحفاط على القيم المسيحية والديمقراطية لمواجهة صعود التيارات القومية والشعبوية، ولعلها الرسالة التي وضعت خطوطا عريضة على مفهوم العلمانية الذي يتم تصديره للدول العربية والإسلامية، فعلى الرغم من علمانية ألمانيا السياسية، إلا أنها كانت واضحة باستلهام الحكم من القيم المسيحية، في إشارة لحزيها المسيحي المواجه للأحزاب والتيارات اليمنية المتطرفة والنازية، ليظل الحزب علامة مميزة في منطقة الوسط بين تيارات متعددة تغلف الأجواء في أوروبا التي لم تعد هادئة.

ويرى المتابعون أن كلمة ميركل الأخيرة عبرت عن تجربتها في رئاسة الحزب التي استمرت 18 عاما، وفي رئاسة الدولة طوال 13 عاما.

ورغم انتخاب أنغريت كرامب كارينباور خليفة لميركل في رئاسة الحزب، وفي ظل توقعات كبيرة بأن تخلف ميركل أيضا في الاستشارية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن هناك تخوفات طرحها المراقبون عن استقرار الحزب الحاكم منذ عدة عقود، مؤكدين أن اختيار ميركل شعار مؤتمر حزبها الأخير يشير لهذه المخاوف حيث اختارت له شعار “الدمج، والقيادة المشتركة”، في محاولة لإرسال رسائل متعددة بأن صراع الأجنحة الذي يتوقعه البعض داخل حزبها لن يحدث، خاصة وأن خليفتها تعد من أكثر المقربين لها، وهو ما يضمن استمرار سياسة “ماما ميركل” المتوازنة، والهادئة داخل حزبها.

من هي إيه كي كي

وتعد أنغريت كرامب كارينباور المعروفة بـ “ايه كي كي” التلميذة المقربة من ميركل، ما دفع بالبعض لوصفها بأنها ميركل الصغيرة أو ميركل الثانية، ولكن مراقبين يقولون إن هناك اختلافات واضحة بين الاثنتين.

ورغم تولي كارينباور مسئولية أمين عام الحزب الحاكم، وهو المنصب الذي يلي منصب رئيس الحزب في الأهمية، إلا أنها تمكنت من الفوز بنسبة ضئيلة عن أقرب منافسيها فريدريش ميرز، حيث حصلت على نسبة 51.8 % من الأصوات.

وقد نشأت كارينباور التي تبلغ من العمر 56 عاما، في أسرة كاثوليكية في سارلاند بجنوب غرب ألمانيا، التي تعد أصغر الولايات الألمانية، وقد انضمت وعمرها 19 عاما لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي عام 1981، وبعد نجاحها في الحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية، شقت طريقها للصفوف العليا داخل الحزب.

وطبقا لتقارير عديدة فإن كارينباور كانت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة بولاية سارلاند، وهو المنصب الذي احتفظت به خلال الفترة بين 2011 و2018.

وتعيش كارينباور في مسقط رأسها بمدينة بوتلينغن مع زوجها هيلموت كارينباور، الذي ارتبطت به منذ 34 عاما، والذي ترك عمله كمهندس مناجم لرعاية أولادهما الثلاثة فيما تواصل زوجته مسيرتها السياسية.

وتعد كارينباور شخصية براغماتية، بسيطة المظهر، وهادئة في تحليلاتها، كما أنها من أكثر المؤيدات لميركل في ملف اللاجئين واتخذت موقفا ليبراليا تجاه حقوق المرأة والحد الأدنى للأجور.

وقد عبرت عن مواقف محافظة عديدة نظرا لخلفيتها الكاثوليكية، مثل نظرتها التقليدية للزواج، ورفضها منح الأزواج المثليين حقوق التبني الكاملة، كما أنها مؤيدة لإعادة التجنيد لمدة عام أو الخدمة العامة، ولها كذلك تحفظات عن حق الأقلية التركية في الاحتفاظ بالجنسية المزدوجة الألمانية والتركية.

وطبقا لتصريحات كارينباور قبل انتخابها لخلافة ميركل فقد أكدت أنها تريد تحسين إرث ميركل، مشيرة إلى أنها ستشجع الحوار داخل حزبها حول قضايا مثل الهجرة لطرح مقترحات جديدة قد تكون سياسات حكومية.

ماذا بعد ميركل

وطبقا للعديد من المتابعين فإن هناك ملفات عديدة في انتظار إيه كي كي، وهي الملفات التي ارتبطت قوتها بقوة ماما ميركل عبر رحلة رئاستها لألمانيا، حيث يري البعض أن انسحاب ميركل يؤثر فى مستقبل ألمانيا وأوروبا، خاصة وأن هذه الزعيمة البراجماتية بمظهرها وملابسها المتواضعة تعد الأقوى بين زعماء أوروبا والعالم، ويرى أنصارها أنها الحصن الأخير فى مواجهة صعود اليمين؟

ويرى المتابعون أن انسحاب ميركل فتح الباب لرسم تصورات لمستقبل ألمانيا وأوروبا ومستقبل المحافظين والاشتراكيين فى ظل زحف كبير لليمين القومى، وتأثيره على الاتحاد الأوروبى، حيث يشجع حزب البديل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبى ويعادى اللاجئين والأجانب عمومًا.

ولهذا تظل ميركل واحدة من علامات السياسة فى القرن الواحد والعشرين، حيث قدمت تجربة غنية كأول امرأة تتولى المستشارية فى ألمانيا، وأيضًا أول مستشار من ألمانيا الشرقية، وكانت أستاذة الفيزياء بدأت مسيرتها نحو السياسة بعد سقوط سور برلين 1989.

ويتساءل آخرون إن كان السبب في رحيل ميركل هو موقفها من قضية اللاجئين، وهو ما كان حديث وسائل الإعلام الألمانية طوال الأسابيع الماضية

ويرى أصحاب هذا الرأي أن قرار الأم ميركل الذي اتخذته في صيف عام 2015، عندما احتشد عشرات الآلاف من اللاجئين – أغلبهم من السوريين – على الحدود النمساوية الألمانية، بالسماح بدخولهم، ما زال حتى اليوم موضوعاً جدلياً للغاية، سواءً داخل أروقة حزبها أو على أرض البرلمان الألماني، وهو ما القرار الذي كان من نتائجه السلبية تقدم الحزب البديل الشعوبي، الذي وصف خطوة ميركل بأنها كانت أفضل دعاية لهم، وطبقا لإعلاميين ألمان فإن موقف ميركل عام 2015 تسبب في صعود ونجاحات حزب البديل.

ووفقا لحديث أجرته DW عربية مع عمدة برلين السابق والعضو في حزب ميركل، إيبرهارد ديبغن، فإن قضية الإمكانيات المتوفرة لدى ألمانيا من أجل استقبال اللاجئين باتت تحتل الصدارة في الجدل الدائر حول هذا الملف، مستذكراً ما قاله الرئيس الألماني السابق يوآخيم غاوك أن إمكانيات ألمانيا محدودة، متوقعا أن تشهد الفترة القادمة وضوحاً أكبر في معايير الهجرة إلى ألمانيا وأن باب الهجرة لن يكون مفتوحاً للجميع، وأنه سيكون هناك توضيح أكثر لأهمية عملية اندماج اللاجئ أو المهاجر في المجتمع وأن هناك حدوداً لكل شيء”.

ويرى المحللون الألمان أن الفراغ الذي ستخلفه ميركل وراءها لن يشعر به المشهد السياسي الألماني وحسب، بل الأوروبي والعالمي أيضاً، لاسيما وأن خليفتها الشابة، مازالت غير معروفة على الساحة الأوروبية أو الدولية، بل وعلى مستوى الألمان أنفسهم.

آخر العقلاء

ووفقا لوصف البعض فإن ميركل تعد آخر العقلاء، في ظل صعود اليمين المجنون حول العالم، وآخرهم فوز “ترامب البرازيل”، ويرى آخرون أن صعود التيارات اليمينية في دول أوربية مثل النمسا وإيطاليا، واقتراب خروج لندن من الاتحاد الأوروبي في مارس المقبل، دون خريطة طريق واضحة، وفي ظل تخبط الولايات المتحدة مع إدارة الرئيس ترمب، فإن ألمانيا عليها أن تثبت قوتها الوسطية، من خلال عدم السماح لليمين المتطرف باستغلال بعض الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، ووفقا لنفس الرأي فإنه بعد رحيل ميركل، فإن الوسطية والاتزان الأوروبي يبحثان عن زعيم جديد لملء الفراغ الكبير الذي ستتركه الأم.

 


اترك تعليق