fbpx
Loading

هل تخرج التعديلات الحكومية البشير من أزمته .. تباين المواقف

بواسطة: | 2019-01-06T17:45:24+02:00 الأحد - 6 يناير 2019 - 5:22 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

 

 

العدسة: محمد العربي

في خطوة وصفها المتابعون بالمتأخرة، أجرى الرئيس السوداني عمر حسن البشير تعديلا حكوميا في محاولة لتهدئة الأجواء المحتقنة ببلاده منذ أكثر من أسبوعين، وهي الخطوة التي تستبق مظاهرتين الأولى يوم الأحد لتحالف النقابات المهنية، والثانية يوم الاثنين للحراك السوداني.

وجاءت معظم تعديلات البشير داخل قطاع الصحة حيث تم إقصاء وزيرها محمد أبو زيد مصطفى وتعيين الخير النور المبارك مكانه، بعد فشل أبو زيد في محاصرة الارتفاع الصارخ بأسعار الأدوية التي شهدت كذلك اختفاء واضح من الصيدليات، ما كان سببا في الاحتجاجات التي تشهدها السودان منذ 19 ديسمبر الماضي، وتعيين بابكر جابر أحمد كبلو وكيلا للوزارة، وحسين محمد يوسف الفكي أمينا عاما للمجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية، وحسن أبو عائشة حامد رئيسا للمجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية، والدكتور محجوب حامد أحمد فضل الله نائبا لرئيس المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية.

خيارات البشير

وتشير تحليلات المتابعين للتطورات الجارية في السودان أن الإجراءات التي اتخذها البشير جاءت متأخرة بعض الشيء، خاصة في ظل ارتفاع مطالب المتظاهرين لتنحية البشير نفسه، بعد أن كانت تطالب فقط بتوفير الخبز ثم الدواء، ثم مقاومة الفساد، وعلى حد وصف الكاتب السوداني إبراهيم درويش، فإن الحراك في السودان لم يعد من أجل الخبز بل نحو “أكتوبر” أخضر جديد في إشارة للثورة الشعبية التي شهدتها السودان عام 1964، التي أطاحت بنظام إبراهيم عبود، وثورة مارس 1985 التي أطاحت بنظام جعفر نميري.

ويستند الكاتب السوداني لما نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” في افتتاحيتها قبل يومين بأن قرار الجنائية الدولية أدى لتمسك البشير بالسلطة وبناء منظومة للقمع مكنته من الحكم وبدون القرار لكان مثل غيره ضحية الربيع العربي، ووفقا للصحيفة فإن البشير أثبت خلال ثلاثين من حكمه قدرة استثنائية على النجاة فقد واجه عددا من الحركات المتمردة ووصلت إحداها مرة إلى العاصمة الخرطوم قبل أن تردها قوات الأمن، وفي ظله خسر السودان الجنوب الذي كان يدر عليه مليارات الدولارات من عائدات النفط أساء استخدامها في سنوات الوفرة، وتعتقد الصحيفة أن من الباكر كتابة نعي البشير إلا أن الكتابة على الجدران وربما تشير إلي أنه قد حانت ساعة الحساب.

ووفقا لهذا الرأي فقد حاول البشير امتصاص الأزمة بسلسلة من الخطابات التي ألقى فيها اللوم على الجماعات المندسة من الخارج واستخدم خطابا إسلاميا وجهاديا في مرات أخرى ومنح الشرطة الرخصة لقمع المتظاهرين بشرط عدم الإفراط في القمع. وفي ظل تحول التظاهرات لفعل يومي يتحدى فيها الرجال والنساء والصغار الغاز المسيل والرصاص الحي بات من الصعب تكهن ما سيحدث بعد ذلك.

وبالعودة لتحليل “فايننشال تايمز” فإن رحيل البشير لو تم بطريقة منظمة ستكون لحظة فارقة طالما انتظرها السودانيون وأملا للقرن الأفريقي تقود إلى التحرر من “وصمة عار” ورئيس متهم بجرائم الحرب مما سيطلق الإمكانيات الهائلة للاقتصاد السوداني، وفي المقابل لو انهار النظام وانتشرت الفوضى فنحن أمام خيار دول ما بعد الربيع الذي جلب سنوات من الحروب والانقسامات، وسيكون السيناريو السوداني في الانقسامات الحادة التي فجرها النظام خلال العقود الثلاثة الماضية حادا.

الساعات الساخنة

ويرى المراقبون أن بيان تحالف قوى الإجماع الوطني الذي أصدرته بعد قرارات البشير المتعلقة بالتعديلات الحكومية، والمتعلقة بالدعوة لما أسمته الموكب الثالث الذي من المقرر انطلاقه في اتجاه القصر الجمهوري ويضم ممثلي النقابات المهنية، يعد بمثابة الرد الرافض لقرارات البشير، وأن المتظاهرين ماضون في طريقهم نحو الهدف الذي رفعوه، خاصة وأن عجلة التنازلات من البشير بدأت في الدوران، وتراجع المحتجين من شأنه، وقف التنازلات عند حد إقالة بعض المسئولين، الذين ربما ليسوا هم المعنيين الأساسيين بالإحتجاجات.

ومن هذه الرؤية قرأ المراقبون اللغة التي استخدمتها قوى الإجماع الوطني في بيانها الذي وجهته بعد خطاب البشير، والذي حرصت من خلاله تقديم التحية للجماهير، والتأكيد على أنهم يخوضون المعركة تلو الأخرى ويحققون الانتصارات المتتالية على ما أسماه البيان قوى البغي والاستبداد.

وحسب البيان فإن هذه التحركات الجماهيرية المتواصلة جعلتهم على بعد خطوات قليلة من تحقيق غايتهم المتمثلة في استرداد الديمقراطية وإقامة دولة الحرية والسلام والعدالة.

هل هي مؤامرة

هذا السؤال السابق طرحته العديد من التحليلات التي رصدت من جانبها زيادة وتيرة الاتهامات التي وجهها البشير لدول وأنظمة عربية، وأنها تقف وراء الأزمة الأخيرة، ولعل أبرز ما رصدته التحليلات هو ما كشفته صحيفة “جيروزاليم بوست”الإسرائيلية، بأن البشير، رفض بشكل قاطع وجود إمكانية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقالت إن “البشير، رفض السماح للطائرات المدنية الإسرائيلية، بعبور المجال الجوي لبلاده إلى كينيا”.

وحسب الناطق الرسمي باسم سلطة الطيران المدنية السودانية، عبد الحافظ عبد الرحيم، فإن “الطائرات الإسرائيلية لن تعبر أجواء السودان دون إذن، وأنه لن تتمكن أي طائرات من عبور السودان إلا بإذن من الخارجية وتنفيذ من سلطة الطيران المدني”.

في إطار متصل ربط البعض بين ما كشفته الصحافة الإسرائيلية، وإعلان البشير قبل يومين أن هناك ضغوطا مارسها البعض عليه من أجل التطبيع مع إسرائيل لحل الأزمة الاقتصادية الراهنة بالبلاد، في إشارة واضحة لرئيس الإنقلاب العسكري بمصر عبد الفتاح السيسي، والذي وجه وزير خارجيته ورئيس المخابرات العامة للخرطوم، في الساعات الأولى للاحتجاجات، وهي الزيارة التي حملت العديد من التساؤلات، حتى خرجت تصريحات البشير لتضع النقاط فوق حروب الزيارة الغامضة.

ويرى المراقبون أن السيسي من جانبه أراد تدارك الموقف بإطلاقه تصريحات تحاول إبعاد التهمة عنه، حيث أكد على دعم بلاده لاستقرار السودان وأهمية تعزيز التعاون بين البلدين على مختلف الأصعدة، لدى استقباله محمد الحسن الميرغني المساعد الأول للبشير.

وتشير تحليلات أخرى لتسريبات منسوبة لجهاز الأمن السوداني عن دور قذر تلعبه دولة الإمارات من أجل الإطاحة بنظام البشير باعتباره نظاما إسلاميا، وحسب التسريب فإن الإمارات تقف وراء الترتيبات الجارية لإقصاء الاسلاميين من الحكم، باستغلال التظاهرات الحالية، ورصد جهاز الأمن – حسب التقرير – لقاءً تم بين الفريق أول ركن د. كمال عبدالمعروف الماحي، رئيس الأركان المشتركة مع شقيقه المقدم معاش بدر الدين عبدالمعروف الذي تم اتهامه واعتقاله من قبل بتهمة التجسس لصالح المخابرات الإماراتية، حيث طلبت الإمارات من رئيس الأركان تكوين مجلس عسكري انتقالي، تقوم الإمارات بدعمه مالياً، وتهيئة الدول الخارجية لتأييده.

ليست مؤامرة

على صعيد آخر يرى مراقبون أنه في حال صحة هذه التسريبات، فإن الهدف منها هو التلاعب بمشاعر السودانيين، بينما الواقع يؤكد أن الموضوع ليس بحاجة لمؤامرة، خاصة والأوضاع الداخلية تشهد تدهورا منذ عدة سنوات، إلا أن نظام البشير يصر على إغماض عينيه حتى لا يرى الحقيقة.

ووفقا لهذا الرأي فإن محاولات البشير لامتصاص هذه الغضبة الشعبية فشلت حتى الآن، رغم أنه لجأ إلى أسلوب العصا والجزرة، حيث استخدام القبضة الحديدية وإطلاق النار على المتظاهرين، كما أطلق العديد من الوعود لحل الأزمات، وزيادة الرواتب للعاملين في الدولة وتحسين الخدمات.

وحسب الرأي نفسه فإنه على البشير السير على خطى تيريزا ماي، رئيس وزراء بريطانيا، التي صمدت في وجه كل الضغوط من قبل حزبها الحاكم، وتعهدها بعدم خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة على رأس حزبها، فأنقذت ماء وجهها وامتصت غضب الكثيرين، ولو إلى حين، وهو ما يجب على البشير أن يفعله بأن يعد حزبه، والشعب السوداني بأنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويترك الساحة للشباب من داخل حزبه لقيادة البلاد نحو مستقبل قد يكون أفضل، بعد أن استنفذ كل الحيل الموجودة في جعبته على مدى 30 عاما؟

 


اترك تعليق