Loading

كيف أصبحت الجنسية المصرية حائرة بين السياسة والمصالح؟

بواسطة: | 2019-03-13T17:49:00+00:00 الأربعاء - 13 مارس 2019 - 6:00 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

 

العدسة: محمد العربي

لم يعد غريبا أن يقرأ المصريون كل صباح، خبرا مفاده صدور قرار من وزير الداخلية، بإسقاط الجنسية عن عدد من المصريين لأسباب مختلفة، بعضها يرجع لتنازلهم طواعية عن الجنسية المصرية، وبعضها مرتبط باشتراط الدول التي يحصلون على جنسيتها بالتنازل عن الجنسية الأم، وبعضها بسبب الهروب من الجحيم السياسي الذي تعيش فيه مصر، ما جعل المعادلة محسومة عند البعض وهي “الجنسية مقابل الحرية”.

وفي المقابل فإن البعض يحاول استغلال الجنسية، للمزايدة أو لتصفية حسابات سياسية، والحالة الأبرز في ذلك الدعوي القضائية التي تنظرها محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، لإسقاط الجنسية المصرية عن شيماء وأسامة أبناء الرئيس محمد مرسي لجلسة 21 إبريل المقبل، بحجة حصولهم على الجنسية الأمريكية، وهي الدعوى التي أجلت المحكمة البت فيها لجلسة 21 إبريل المقبل.

ورغم أن السلطات المصرية تتحفظ على إصدار بيان شهري أو حتى سنوي عن عدد الذين تم إسقاط الجنسية عنهم، إلا أن التقارير الإعلامية التي فتشت في هذا الموضوع، كشفت أن التنازل عن الجنسية المصرية أو إسقاطها، زاد بشكل كبير للغاية بعد ثورة 25 يناير 2011، وتحديدا في الفترة التي تلت الانقلاب العسكري الذي نفذه وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

أرقام ودلالات

وحسب إحصائيات قديمة لمصلحة الجوازات والهجرة والجنسية بوزارة الداخلية فإنه خلال الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير وحتى مطلع عام 2015، أسقطت السلطات المصرية الجنسية عن 2865 مصريًا حصلوا على جنسيات أخرى بينهم 750‏ شابًا خلال أول ‏9‏ أشهر فقط من عام 2015، وجاءت القاهرة العاصمة على رأس المحافظات التى تنازل أبناؤها عن جنسيتهم، بواقع 705 أشخاص، تليها الإسكندرية بـ270 شخصًا، ثم الجيزة 237 شخصًا، بينما تشير مصادر أخرى، إلى أن وزارة الداخلية تتلقى شهرياً حوالي 30 طلباً من مصريين مقيمين في الخارج للتنازل عن الجنسية المصرية، بالإضافة إلى إسقاط الجنسية عن 124 مواطنًا مصريًا، خلال 2016.

وتصف تقارير أخرى أن حالة الناشط المصري محمد صلاح سلطان، هي الأبرز في هذا الموضوع، حيث تنازل سلطان عن جنسيته المصرية مقابل إطلاق سراحه بعد الحكم عليه في مايو 2015 بالسجن المؤبد، لانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين ورفضه الانقلاب العسكري، واشتراط السلطات المصرية أن يتنازل عن جنسيته الأم وأن يحتفظ بجنسيته الأمريكية، إذا كان يرغب في الحرية، وهي الحالة التي حاول الصحفي السابق بقناة الجزيرة محمد فهمي أن يكررها عندما تنازل طواعية عن جنسيته المصرية واحتفظ بجنسيته الكندية، لكي تسمح له السلطات المصرية بالسفر بعد أن قضى عدة سنوات في السجن في قضية خلية ماريوت الشهيرة، إلا أن السلطات المصرية، مازالت تتباطأ في تنفيذ الحكم القضائي الذي حصل عليه فهمي بالتنازل عن الجنسية، ورفضت سفره لخارج الديار المصرية.

أما الحالة الأخيرة فكانت بتنازل الشاب المصري محمود محمد عبدالعزيز عن الجنسية المصرية، والاحتفاظ بجنسيته الألمانية، بعد احتجازه بمطار القاهرة، لأكثر من أسبوعين بتهمة انتمائه لتنظيم “داعش.

غير مجبرين

ويرصد المتابعون حالات أخرى لمصريين، حصلوا على جنسيات دول أخرى بالتبعية، لمولدهم فيها، أو لأن أحد أبويهم من أبناء دول أخرى لا تمانع من الاحتفاظ بالجنسية المصرية، ولكن هؤلاء الشباب أصبحوا يفضلون مؤخرا التنازل عن الجنسية المصرية لتتم معاملتهم في مصر باعتبارهم أجانب فقط، وليس كمصريين.

ويشير المتابعون لهذه الحالات إلى

أن ما تشاهده هذه الفئة خلال السنوات الماضية من كبت للحريات، وملاحقات أمنية، تجاوزت الخطوط الحمراء، وربما تصل للاختفاء القسري والتعذيب والتصفية الجسدية كما حدث مع الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ولذلك تفضل هذه الفئة أن يأتوا لمصر كسائحين وزوار يتمتعون بحماية سفاراتهم بالقاهرة، من أن يفتخروا بجواز السفر المصري.

ويرى المتابعون أن ما يدفع هؤلاء الشباب لاتخاذ مثل هذه الخطوة، هو توسع السلطات الأمنية بمصر، في التحريات التي تجريها ضد مزدوجي الجنسية، الذين يعودون لوطنهم الأم، وفي أحيان كثيرة يتم اعتقالهم أو توقيفهم للاستجواب بحجة أن لهم ميول سياسية أو أراء مناهضة لنظام الحكم، يقومون بنشرها على حساباتهم بمواقع التواصل الإجتماعي.

أسباب مختلفة

ورصدت تقارير صحفية مصرية العديد من الأسباب التي تدفع الشباب للتنازل عن الجنسية المصرية، بعضها يضرب فكرة الولاء والانتماء التي يتحدث عنها إعلام الانقلاب في مقتل، حيث أسقطت السلطات المصرية الجنسية عن بعضهم لأنه قام بالخدمة في الجيش الإسرائيلي، مثل المصرية كارولين عبدالله، التي تحولت إلى دينا عوفاديا، عقب انضمامها للجيش الإسرائيلى مطلع 2016، ما دفع مجلس الوزراء لإسقاط الجنسية عنها، بعد أن قالت لوسائل الإعلام، أنها مولودة بالإسكندرية، ولكنها تعشق اليهودية وإسرائيل.

وتشير الوثائق التي أصدرتها الهيئات المختصة بمصر، إلى أنه في عام 2015 فقط، أسقطت السلطات المصرية الجنسية عن كل من “على حسن على العفيفى وسليم محمد عبدالقادر وأيمن فتحى عبدالهادى ونصر حسن محمد، وأحمد أحمد السيد، ومحمد جبريل، وعبد الحكيم مصطفى حافظ ومحمد محمود حسن ومحمد جابر محمد غنيم ووليد سلمان وفايز عودة”، لحصول بعضهم على رتب عسكرية، والعمل بأحد الأجهزة الأمنية الأجنبية، أو لقيام البعض الآخر بأداء الخدمة العسكرية في جيوش دول أخرى، دون إذن سابق من وزير الدفاع والإنتاج الحربى.

وقد يكون إسقاط الجنسية لأن صاحبها فضل اللعب باسم دولة أخرى في المحافل الرياضية الدولية، كما فعل لاعب النادى الأهلى السابق أحمد عبدالمقصود الذي تنازل عن جنسيته المصرية للانضمام لمنتخب قطر واللعب باسمها والحصول على جنسيتها.

كما أسقطت السلطات المصرية في عامي 2014 و2015، الجنسية عن كل من: “”شيرين سمير، ونور الدين، وصلاح الدين محمد محمد صلاح الدين، ورفقة دانيال، ويوسف دانيال، وديفيد دانيال عبيد، وصموئيل دانيال عبيد، وشمس سامى حسنين ونجلاء أحمد عبدالعاطى وعماد سامى حسنين”؛ لتجنسهم بالجنسية الإسرائيلية دون إذن من وزير الداخلية، بينما أسقطت السلطات الجنسية عن “هشام محمد ومحمد سلمان حسين، ومحمد نايف، وأسامة يونس عبدالهادى”؛ لانضمامهم إلى جهات أجنبية أغراضها العمل على تقويض النظام الاجتماعى والاقتصادي للدولة بوسائل إعلام غير مشروعة.

وقد انتقد العديد من الكتاب المقربين من النظام السياسي الحالي، ما أعلنه عدد من الشباب الذين تنازلوا عن جنسيتهم المصرية لأنها أصبحت غير ذات قيمة لديهم، وأرجعوا ذلك لوجود مخطط إسرائيلي لقتل الانتماء لدى الشباب المصري، بما يدفعه للتخلص من عبء الجنسية المصرية.

وحسب الرأي السابق، فإن التنازل عن الجنسية لا يرجع لأسباب اقتصادية أو سياسية تعيشها مصر، وإنما لمخطط إسرائيلي يتم إنفاق مليارات الدولارات عليه، في وقت انشغلت فيه الدولة المصرية بإصلاحاتها الداخلية، ولم تلتفت لمثل هذه التطورات في طموحات وأفكار الشباب الذين لا يفضلونها مصرية.

إسقاط وشراء

ويرى المراقبون أن قوانين الجنسية المصرية شهدت تطورين هامين خلال العامين الآخرين، الأول تمثل في إصدار قانون يمنح السلطات المصرية حق إسقاط الجنسية عن كل من تدينه المحاكم المصرية في تهم الإرهاب أو الانضمام لجماعة تخالف النظام السياسي القائم، والثاني بإصدار قانون لبيع الجنسية المصرية لمن يدفع أكثر.

ويمنح مشروع القانون الذي قدمته الحكومة المصرية ووافق عليه مجلس الدولة، ومازال في انتظار موافقة البرلمان، يمنح الحق للحكومة بإسقاط الجنسية المصرية عن المدانين في قضايا سياسية دون اشتراط أن يكونوا قد اكتسبوا جنسية أخرى أو حاربوا الدولة المصرية أو حاولوا إسقاطها لحساب دولة أخرى، مما قد يؤدي لظهور فئة غير المجنسين أو “البدون”، كما يطلق عليهم في بعض الدول، لأول مرة في مصر.

أما القانون الثاني الذي أصدره السيسي بالفعل في أغسطس الماضي، فهو يعطي الحكومة الحق أيضا في منح الجنسية المصرية للأجانب، مقابل سداد مبلغ مالي في صورة وديعة قدرها 7 ملايين جنيه (400 ألف دولار)، وبرر السيسي قانونه الغريب بأنه يتيح الفرصة لأن يكون المستثمرون العرب متساوين في فرص الاستثمار، بعد حصولهم على الجنسية المصرية مقابل الوديعة، مثلهم مثل المصريين.

 


اترك تعليق