fbpx
Loading

الإعدام الجماعي في السعودية: ماذا بعد ولاية بن سلمان؟

بواسطة: | 2019-05-18T15:21:20+02:00 السبت - 18 مايو 2019 - 3:21 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

بعد أن نجا من فضيحة خاشقجي بضمانه الإفلات من العقاب، فإن عملية الإعدام الجماعي الأخيرة التي قام بها بن سلمان من ذبح وصلب في السعودية خلال عطلة عيد الفصح تشير إلى تصميمه على تثبيت أركان السلطة السياسية في الداخل وركوب الموجة المعادية لإيران التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة.

أعدمت السعودية مؤخراً 37 شخصاً من بينهم 33 من أفراد الأقلية الشيعية بالدولة، بعد اتهامهم بالقيام بأنشطة مرتبطة بالإرهاب. كان هذا أكبر عملية إعدام جماعي جرت في المملكة منذ يناير/كانون الثاني 2016 حين قطعت الرياض رأس 47 شخصاً بسبب تهم مماثلة، وكان من بينهم رجل الدين الشيعي المعارض نمر النمر، ما حدا بالكثير من المتظاهرين الإيرانيين بالتجمهر أمام السفارة السعودية في طهران وإشعال النيران بها، وهي خطوة مهدت الطريق كثيراً لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الخصمين الإقليميين.

يُذكر أن 11  ممن تم إعدامهم مؤخراً أدينوا بالتورط في التجسس لصالح الجمهورية الإسلامية.

بالنظر إلى السعي الحثيث لإدارة ترامب لسياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ذات الأغلبية الشيعية، خاصة بعد أن انسحبت الولايات المتحدة من الصفقة النووية متعددة الأطراف في مايو/أيار الماضي وإعادة فرض عقوبات شاملة على طهران، نجد أن عملية الإعدام الجماعي التي تمت في السعودية مؤخراً جاءت لإيصال رسالة سياسية معنية، مشيرة إلى استعداد ولي العهد محمد بن السلمان لركوب الموجة المتصاعدة في المنطقة ضد إيران.

الرسالة الأهم التي أرادت تلك الخطوة توضيحها هي تثبيت أركان السلطة في الداخل، والتأكيد على مضي ولي العهد قدماً في تنفيذ “الإصلاحات” بالصورة التي يراها مناسبة، بغض الطرف عن مقدار الهجوم والضغوطات والانتقادات الدولية التي قد تتعرض لها المملكة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

المفارقة فيما حدث أنه رغم ضمان محمد بن سلمان الإفلات من العقاب مع ثقته العالية في محاولاته لإعادة بناء صورته كقائد قوي ومجدد ناجح بلجوئه للتدابير الاستبدادية،  يعتبر في حد ذاته نتيجة -ودليل- على “فراره” من جريمة اغتيال خاشقجي.

لولا دعم الولايات المتحدة له، ومساندتها له ودفاعها عنه، والذي ظهر جلياً في بيان الرئيس الأمريكي ترامب في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، لكان الأمير صاحب الـ 33 عاماً قد نُحي من منصبه واستبداله بفرد أكثر وجاهة من العائلة المالكة، أما الآن وبفضل هذا الدعم، فإن بن سلمان متأكد من بقائه وبدأ استعداداته للتحضير للقيام بنفس الدور المنوط به وفقاً اقواعد اللعبة القديمة.

“لقد أحرق كل جسوره، لم يعد هناك أي طريق للعودة، عودته تعني نهايته، فالتراجع يعني مواجهة المساءلة، وبالطبع لن يخضع نفسه لذلك أبداً”، هكذا صرح إياد البغدادي- رئيس مؤسسة الكواكبي وصاحب مبادرة “دليل الطغاة العرب” لموقع “انسايد ارابيا”، مضيفاَ في حديثه عن بن سلمان “بصورة أو بأخرى عليه البقاء في السلطة ومواصلة السير في طريق المزيد من القمع الذي بدأه، فقد وصل إلى نقطة اللاعودة حيث لا توجد وسيلة للرجوع بعدها”.

إياد البغدادي اختتم حديثه مع “انسايد ارابيا” قائلاً بأن “عمليات الإعدام الأخيرة تشير إلى تغيير في استراتيجية العلاقات العامة لدى بن سلمان، الذي يبدو أنه سينسحب تدريجياً من محاولات رسم صورة المصلح المجدد، والتي خدمته لفترة إلا أنها تبدو استراتيجية خاسرة، وينتقل إلى استراتيجية القمع العاري، بلا أي مواراة”.

على صعيد آخر، بعد أيام من مقابلته مع “انسايد ارابيا” نشرت صحية الغارديان أنباء أن إياد البغدادي، والذي يعيش في النرويج، تم احتجازه في الحجز الوقائي من قبل الحكومة النرويجية بعد بلاغ تم تقديمه من وكالة الاستخبارات الأمريكية مشيرة فيه أن حياته قد تكون في خطر من قبل السعودية.

في الثلاثة أسابيع الأخيرة التي سبقت عملية الإعدام الجماعي التي جرت، ألقت الحكومة السعودية القبض على 8 كتاب ونشطاء مؤيدين للنساء المعتقلات، من بينهما مواطنان سعوديان مزدوجي الجنسية، في جولة أخرى من جولات القمع التي تُشن ضد منتقدي ولي العهد، الحاكم الفعلي للملكة.

أحد الباحثين في منظمة هيومان رايتس ووتش علق على ما يحدث في السعودية قائلاً “من الواضح أن السعوديين على ثقة أن إدارة ترامب ستظل داعمة لهم دون توقف”

بصرف النظر عن العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الرياض وواشنطن -والتي ساعدت في الحفاظ على هيمنة الدولار الأمريكي في التجارة العالمية- فإن ذلك الترابط السعودي الأمريكي القوي مدفوع أيضاً بمعارضتهم المشتركة للجمهورية الإسلامية، والسعي المشترك بين الطرفين للتحريض على تغيير نظام الحكم في إيران.

تجلى التعاون الاستراتيجي بين السعودية والولايات المتحدة الأخيرة في تأكيد السعودية لإدارة ترامب بأنها ستقوم بإنتاج ما يكفي من النفط لتعويض إزالة النفط الإيراني من السوق العالمي، في خطوة تعتبر أحد أعمدة سياسة “الضغط الأقصى” التي تتبعها الولايات المتحدة مع إيران، بالإضافة إلى العقوبات الجديدة التي فُرضت على النظام الإيراني.

على التوازي، قام ترامب باستخدام حق “الفيتو” ضد قرار مجلي الكونغرس بوقف دعم الولايات المتحدة للتدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن، مبرراً ذلك أنه يخدم مصلحة أمريكا.

مايك بومبو- وزير الخارجية الأمريكي علق على ذلك القرار “أكثر الناس سعادة بصدور هذا القرار كانا قاسم سليماني وآية الله الخميني، لا شك في ذلك، فهم عندما يرون الولايات المتحدة تتراجع عن خوض هذا التحدي الذي يعرض المواطنين الأمريكان للخطر، بالطبع سيعتقدون أنهم حققوا النصر”.

في حين أن السبب الاستراتيجي للتصدي لعدو مشترك أمر منطقي من منظور واقعي، إلا أن دعم الإدارة الأمريكية غير المشروط لبن سلمان يجعل البيت الأبيض متواطئاً في الأعمال الوحشية التي ارتكبت منذ توليه ولاية العهد، ما أدى إلى تآكل السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة في عهد ترامب.

عملية الإعدام الجماعي الأخيرة نُفذت بعد محاكمات جائرة وزائفة، بحسب وصف منظمة العدل الدولية، لم يتوفر فيها المعايير القانونية الدولية للمحاكمات العادلة، وبها ارتفع عدد من نُفذ فيهم حكم الإعدام في المملكة إلى 105 شخصاً خلال الربع الأول من العام الجاري.

أحد الأشخاص الذي نُفذ فيهم حُكم الإعدام المشار إليه كان القاصر عبد الكريم الحواج، وهو حدث شيعي ألقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام وهو في السادسة عشر من عمره على خلفية مشاركته في مظاهرات مناهضة للحكومة ومطالبة بالديموقراطية.

شاب آخر يُدعى مجتبى السويكات، اعتقل بسبب “جرائم مماثلة” في عام 2012 أثناء توجهه للولايات المتحدة لبدء دراسته في جامعة “ويست ميتشغان”، وكان عمره وقتها 17 عاماً.

من جهة أخرى، فإن قطع رؤوس القُصر في السعودية على خلفية تهم سياسية، يُذكرنا بما قامت به السلطات الإيرانية نفسها مع القاصر آراش رحمانيبور في يناير/كانون الثاني 2010، حيث تم إعدامه بعد إلقاء القبض عليه وهو في سن السابعة عشر من عمره، على خلفية اتهامه بالتورط في تفجير مسجد عام 2008 في مدينة شيراز جنوب إيران، كما تم اتهامه بـ “شن حرب ضد الله”، وجاء اعتقاله كجزء من حملات القمع التي شنتها الدولة على الاحتجاجات التي جرت على الانتخابات المزورة لعام 2009 والتي كان رحمانيبور مشاركاً فيها.

وبعد يومين فقط من الإعدام الجماعي الذي تم في السعودية، قامت إيران بإعدام قاصرين يبلغان من العمر 17 عاماً، بزعم ارتكابهما عمليات اغتصاب متعددة.

وفي الوقت الذي تحاول فيه السلطات الإيرانية إخفاء عمليات إعدام القصر التي تنفذها حفاظاً على سُمعتهم في المجتمع الدولي، فإن التدابير الوحشية المماثلة التي تتخذها إيران تهدف إلى إرسال إشارات حول السلطة والسيطرة في مملكة بن سلمان.

أحد اللذين تم إعدامهم مؤخراً تم صلبه بدلاً من قطع رأسه، فيما يمكن وصفه بأنها عملية هدفت لردع الآخرين، وأنها لم تترك أي مجال للشك في إصرار بن سلمان على حكم السعودية بطريقته حتى وان كانت قمعية استبدادية بشكل عام والمضي قدماً في مشروعه “الإصلاحي” بشكل خاص.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا


اترك تعليق