fbpx
Loading

لماذا تسعى إدارة ترامب بكل قوة لإنشاء “سعودية نووية”؟

بواسطة: | 2019-06-07T13:14:40+02:00 الجمعة - 7 يونيو 2019 - 1:14 م|الأوسمة: , |
تغيير حجم الخط ع ع ع

 

خلال هذا الأسبوع فقط، تم الإفصاح عن قيام إدارة ترامب بمنح ترخيصين حساسين في المجال النووي للمملكة العربية السعودية بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وهو ما أصاب الكونغرس بالإحباط بعدما تكشف له حرص الإدارة الشديد على مساعدة الرياض فيما يخص طموحاتها النووية رغم المناشدات المتكررة بالتوقف عن تقديم أي دعم لها.

هذه التفاصيل الجديدة تثير تساؤلات حول دوافع البيت الأبيض وراء هذه المساعدات، وعن الآثار المترتبة على الشرق الأوسط والأمن القومي الأمريكي بعد إنشاء “سعودية نووية”.

في بيان صدر الثلاثاء الماضي، كشف السيناتور الديموقراطي تيم كين (من ولاية فرجينيا) عن التوقيت الذي منحت فيه الإدارة الأمريكية ترخيصين حول الطاقة النووية من “التشريع 810” من قانون الطاقة الذرية الأمريكي.

وبحسب السيناتور كين فإن هذه التراخيص كانت ضمن سبعة تراخيص منحتها وزارة الطاقة التابعة لإدارة ترامب للشركات الأمريكية لمناقشة تصاميم وإنشاء مفاعلات نووية في المملكة العربية السعودية، وبموجب القانون الأمريكي، يُسمح للشركات بمنع وزارة الطاقة من الكشف علنًا عن توفير المعلومات للعملاء الأجانب من أجل الحفاظ على سرية العمل. ومع ذلك، ينص القانون نفسه على أنه ينبغي إبقاء الكونغرس على إطلاع تام بأي تعاون نووي أمريكي مع دول أخرى، وهو ما لم تقم به الإدارة  مما أثار مخاوف المشرعين بشأن احتمالية وجود صفقات غير مرحب بها خلف الكواليس، وما زاد من تلك المخاوف أن الإفصاح عن هذه التراخيص جاء بعد تجاهل ترامب اعتراضات الكونغرس على صفقة أسلحة بمليارات الدولارات إلى الرياض ومواصلة الدعم الأمريكي للتدخل العسكري السعودي في اليمن.

قانون الطاقة الذرية الأمريكي، وتحديداً في المادة 123 منه (يُعرف أيضاً باتفاقية 123) يشترط التوقيع على اتفاقية تعاون نووي ثنائية مع أي دولة قبل تصدير تكنولوجيا نووية لها، أو تزويدها بأي معلومات حساسة في هذا المجال أو تقديم أي مساعدة من أي نوع في مجال الطاقة، كبناء المفاعلات النووية، وذلك لضمان أن الدولة المستوردة لن تستخدم هذه التكنولوجيا بصورة تضر بالأمن القومي والمصالح الأمريكية.

في عام 2011 أعلنت المملكة العربية السعودية عن برنامجها فيما يخص الطاقة النووية، كان ذلك في عهد الملك عبد الله، حيث تم التخطيط بصورة مبدأية لبناء 16 مفاعلاً نووياً على الأقل من شأنهم توفير احتياجات المملكة من الطاقة وزيادة إنتاج النفط وفق الخطة الاقتصادية ضمن أجندة الإصلاح وقتها، إلا أنه وفي العام 2017 تم تعديل هذه الخطة وتخفيض عدد المفاعل إلى اثنين فقط بعد إدراك السعوديين أنها لا تناسب إمكانياتهم نظراً لافتقار البلاد إلى الخبرة المطلوبة ولضعف البنية التحتية النووية.

تغيرات عديدة طرأت على الساحة أدت إلى تغيير الأبعاد الاستراتيجية لخطط الرياض فيما يخص المجال النووي، أبرزها الاتفاقية النووية الدولية لعام 2015 مع إيران للحد من برنامجها النووي، وتولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد.

كانت المملكة العربية السعودية تعارض الصفقة الإيرانية علناً، حيث رأت أنها لم تفعل ما يكفي لمنع منافستها الإقليمية من الحصول على المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي أو كبح جماحها في الشرق الأوسط، وهو ما يشكل تهديدات على المصالح السعودية.

ومنذ توليه ولاية العهد في الرياض، قاد الأمير محمد بن سلمان هجوماً سعودياً قوياً ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، كالتدخل السعودي المستمر في الحرب في اليمن لمواجهة التواجد الإيراني المزعوم من جهة، ومن جهة أخرى تعهد ولي العهد بامتلاك سلاح نووي في حال قيام إيران بذلك.

مخاوف الكونغرس الأمريكي وبعض الخبراء في المجال النووي من توقيع اتفاقية تعاون ثنائية مع السعودية ازدادت بعد ظهور أدلة تؤكد تورط الأمير محمد بن سلمان في إصدار أوامره بقتل خاشقجي، بالإضافة إلى انتهاكات أخرى، ولعل هذه الأسباب هي وراء تفضيل بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية -وبإلحاح من بعض أعضاء الكونغرس- أن تحذو المملكة العربية السعودية حذو دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي وافقت على توقيع “اتفاقية 123” مع الولايات المتحدة عام 2009، وقامت بالتخلي عن امتلاك تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك الذي يمكن أن ينتج المواد الانشطارية اللازمة لتصنيع الأسلحة النووية.

ولا زالت حتى الآن المفاوضات قائمة، في محاولات مضنية من قبل المسؤولين الأمريكيين المعنيين بالأمر لإقناع السعودية بتوقيع اتفاقية ضمانات طوعية إضافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تزود الوكالة بسلطة وصلاحيات أوسع تسمح لها بالكشف عن البرامج النووية السرية.

على الرغم من ذلك، تلقت تلك المفاوضات “المتعثرة” ضربة قوية -وفقاً لادعاءات بعض الديموقراطيين في الكونغرس- قد تؤثر على نجاحها، وذلك بعد قيام بعض الموالين لترامب، كمستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين ومساعديه بالتدخل في عدم إلزام المملكة العربية السعودية بالتقيد بالشروط الأمريكية فيما يخص حظر الانتشار النووي، واستغلال مناصبهم في عمل أنشطة تجارية تهدف إلى تسهيل بناء المفاعلات النووية وإمداد المملكة العربية السعودية ودول الشرق الأوسط الأخرى بتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم.

الادعاءات المُشار إليها تم الإعلان عنها من قِبل لجنة الرقابة والإصلاح في مجلس النواب في فبراير/شباط الماضي، حيث أعلنت عن وجود علاقة قوية بين إدارة ترامب وبين شركة “آي بي 3 انترناشونال” (IP3 International)، وهي شركة أسسها موظفون متقاعدون في الحكومة الأمريكية وجنرالات عسكريون تحت ذريعة إحياء الصناعة النووية الأمريكية المهددة بالاندثار، وقد عمل مايكل فلين مستشاراً لإحدى الشركات التابعة لتلك الشركة، وهي شركة “مجموعة آيرون بريدج” في الفترة ما بين يونيو/حزيران 2016 وحتى ديسمبر/كانون الأول من ذات العام، وكان وقتها مستشاراً لترامب في حملته الانتخابية، ثم في فترة الرئاسة الانتقالية.

وخلال عمله في الفترة الانتقالية للرئاسة، وما تلاها من فترة قصيرة عمل بها كمستشار للأمن القومي الأمريكي، اتضح أن زملاء فلين في شركة “آي بي 3” كانوا يستغلون نفوذه للحصول على وثائق ومذكرات تسمح للاستثمارات الأمريكية بالتواجد المشروع النووي السعودي، كما قاموا بحث جاريد كوشنر على تقديم المقترحات للرئيس والحصول على توقيعه بالموافقة دون الحاجة إلى الرجوع إلى الهيئات الحكومية المعنية بالأمر كما ينص القانون الأمريكي كوزارتي الخارجية والطاقة.

الوثائق المعلن عنها أشارت إلى وجود محادثات مع فريق ترامب “الانتقالي” حول “خطة مارشال للشرق الأوسط”، والمعنية ببناء العشرات من المفاعلات النووية في جميع أنحاء المنطقة مع عدم التقيد بالقوانين والشروط الأمريكية فيما يخص الحد من الانتشار النووي.

اختار ترامب صديقه رجل الأعمال الملياردير توماس باراك كمسؤول عن تنفيذ الخطة، خاصة كونه يتمتع بعلاقات تجارية وثيقة مع السعودية، ومن الجدير بالذكر أنه ومنذ فوز ترامب بالرئاسة، وربع استثمارات باراك والبالغة نحو 7 مليار دولار تعتمد بصورة رئيسية على اتصالاته في الإمارات والسعودية.

تحقيق لجنة الرقابة والإصلاح كشف أيضاً أنه خلال الفترة الانتقالية، قامت شركة “آي بي 3” بالضغط على باراك وأحد مساعدي فلين، ديريك هارفي، للحصول على موافقة البيت الأبيض للسماح للشركات الأمريكية بنقل التكنولوجيا النووية الحساسة إلى المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي تقف فيه أمام الرياض للحصول على تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم.

تم الكشف أيضاً عن وجود علاقات بين منظمات الطاقة النووية السعودية، وكوشنر، وشركة “آي بي 3″، وشركة بروكفيلد، وهي شركة كندية قامت في يناير/كانون الثاني 2018 بشراء شركة وستنجهاوس الأمريكية “المفلسة” والمختصة بتصنيع المفاعل النووي، وكان ذلك اقتراح باراك، والذي قام في أغسطس/آب 2018، بشراء بروكفيلد وأصبح المالك الفعلي لـ (666 Fifth Avenue)، وهو مبنى مثقل بالديون تملكه شركة عائلة كوشنر، ودفع ثمن الإيجار لمدة 99 عامًا مقدمًا.

في سياق متصل، أظهرت تقارير نُشرت في فبراير/شباط الماضي قيام ترامب بعقد عدة اجتماعات مع رواد الصناعة النووية، بدأها باجتماع مع “آي بي 3″، لمناقشة العروض المطروحة بشأن البرنامج النووي للمملكة العربية السعودية.

من جهتها، تقوم المملكة العربية السعودية الآن بالمفاضلة بين خمسة مرشحين لبناء المفاعلات النووية، ويُرجح الخبراء أن الشركات الأمريكية لن يكون لها نصيب الأسد في حال تمسكت واشنطن بشروطها بخصوص اتفاقية التعاون النووي الثنائية.

في المقابل من المحتمل أن تحصل كوريا الجنوبية على شراكة في بناء المفاعلات النووية، فهي من جهة تقوم ببناء المفاعلات الأربعة في الإمارات العربية المتحدة، ومن جهة أخرى لديها بالفعل شراكة مع المملكة العربية السعودية لتطوير جيل جديد من المفاعلات الأصغر، كما أن شركة كوريا الجنوبية النووية الحكومية كانت قد تبنت تصميم “وستنجهاوس” سابقاً وتطويره بصورة جعلتها تدعي أنه لم يعد “ملكية فكرية” لأمريكا بعد الآن، ما سمح لسيئول بتصديره إلى بلد ليس لديه اتفاقية 123 مع واشنطن.

وإذا قبلت الرياض هذه الحجة الكورية، سيكون لديها فرصة للحصول على التكنولوجيا النووية الأمريكية دون قيود الولايات المتحدة لمنع الانتشار النووي، إلا أن هذا النهج سيكون له عواقبه غير المحمودة، فهو لن يؤثر فقط على المصالح التجارية لـ “وستنجهاوس”، لكنه سيؤدي إلى زيادة التوتر بين العلاقات الأمريكية السعودية، وبين الكونغرس والبيت الأبيض فيما يخص العلاقات الدافئة التي تربط إدارة ترامب بالرياض.

للاطلاع على النص من المصدر الأصلي اضغط هنا

 

 

 

 


اترك تعليق